بحماية الطبيعة نحافظ على "صيدلية الحياة"

بحماية الطبيعة نحافظ على
لا تمكن مقاربة عالم الخبير في الأعشاب والنباتات البرية نزيه نبيه باز، ابن بلدة بعذران الشوفية، بعيداً من بوح ...

لا تمكن مقاربة عالم الخبير في الأعشاب والنباتات البرية نزيه نبيه باز، ابن بلدة بعذران الشوفية، بعيداً من بوح الطبيعة. هذا العالم المشرع على الجمال والصحة، في معادلة ترسخ حضور الانسان عميقاً في جذور المعرفة، وهي نتاج حيوات متوارثة أنتجت خبرات ظلت حتى الأمس القريب ملاذ الانسان الوحيد في البحث عن الصحة والسعادة. وهي لا تلغي أهمية التطور في مجال العلوم الصحية، وانما تتكامل معها في سيرورة الحياة. وليس من قبيل الصدفة أن يأتمنه جدّه على «كتاب» وضع فيه ملخص تجربته مستفيداً من علوم الاقدمين بدءاً من جالينوس الى أبي بكر الرازي وداود بن عمر الانطاكي وغيرهم، مضيفاً اليه ما استقاه في تجاربه الخاصة، يوم قال له «أنت مؤتمن على هذا الكتاب، فائتمنه من بعدك لمن هو مؤهل لذلك»، كي لا يضيع هذا الإرث الإنساني.
ما نشهده اليوم، رغم التطور الهائل في مجال العلوم الحديثــة، هو أن ثمة صحــوة دفعــت الناس للعودة الـى الجــذور، الــى البيــئة، الــى الطبيعــة التي تحتــضن الانســان وتؤمــن لــه الهــواء والمــاء والغــذاء والــدواء. ثمة صحوة أيضاً على مستوى البحوث العلمية التي تـدأب لدراســة النــبات وتحديــد معــايير للصـحة، تراعي الطبيعة وتتجنب قدر المستطاع مظاهر الحياة الحديثة.
ولكن الدخول في عالم التداوي بالأعشاب مهم وخطير في آن، بمعنى أن النباتات هي دواء وليست غذاء ولا يفترض تناولها «على صحة السلامة»، كما يعتقد البعض. فهناك طرق ومقادير واوقات محددة لتناول الاعشاب، تجب مراعاتها... مع الاستعانة بخبراء. اما من يصنف ويخرّج هؤلاء الخبراء، فمسألة أخرى. فالجامعات المعتمدة في بلادنا، لا تعترف بطب الأعشاب ولا تراقبه. وهي تخضع في أبحاثها وتمويلها للطب الحديث ومن يقف خلفه من شركات للادوية والمعدات الطبية. ويحتاج الامر الى مراجعة كبيرة للوصول الى الحقيقة في هذه المواضيع.

بالرغم من ذلك، ماذا في جعبة باز وماذا في صيدليته الطبيعية؟


يلخص باز تجربته بالقول إن «الطبيعة هي صيدلية الحياة». من هنا يرى أن «هذه دعوة ورسالة لنحافظ على الطبيعة». ويقول: «حتى الأمس القريب كان المغاربة يقصدون لبنان ومنطقة الشوف، خصوصاً ليس لممارسة الطب العربي فحسب، ولكن للحصول على أنواع نادرة من النباتات ولا سيما من منطقة الباروك». لافتاً إلى أن «أرضنا غنية جداً بتنوع نباتاتها وندرة بعضها التي لا تعيش إلا في تربتنا، ومن هنا كانت أيضاً مقصد علماء النبات الأوروبيين في القرن الثامن عشر». وأضاف «هذا في التاريخ الحديث، وما لا يعلمه كثيرون أن لبنان كان مقصداً للمصريين القدماء قبل آلاف السنين، حيث كانوا يؤمون جبالنا للحصول على أنواع محددة من النباتات والأزهار وأوراق الأشجار، ولذلك وجد علماء الآثــار الفرعونــية أوراقــاً لشــجر التين اللبناني بنوعيه المعروفَين في مقابر الفراعنة، هما التين العادي المعروف وتين الساحل أي (الجمــيز)، ونباتــات لا تعــيش الا في جبال لبنان، وليــس من قبــيل الصــدفة العثور عليها في مصر القديمة، خصوصاً اذا علمنا أن التين كان مقدساً لديهم».


تدهور الثروة الطبيعية

ما أثار قلق باز هو ما شهده من تدهور على صعيد هذه الثروة الطبيعية، وتجلى ذلك في فقدان وتراجع بعض أنواع النباتات. وقال: «هناك أنواع كثيرة لا يمكن العثور عليها بسهولة، ومنها على سبيل المثال (العشبة الذهبية)، وهي بدأت تندثر بعد أن ابتعدنا عن الطبيعة وسرقتنا الحياة العصرية».
ونفى أن يكون «الرعي الجائر سبباً في تراجع هذه العشبة»، كما يعتقد بعض الباحثين، لا بل على العكس، الرعي ضروري برأيه للمساعدة في تجدّدها. فالماعز تقوم بعملية تقليم وفضلاتها تسمّد الأرض، وكثرة الطيور مهمة في تجـديد دورة الحياة النباتية. برأيه أيضاً، «إن التمدّد العمراني وعوامل أخرى كثيرة كمشكلة تغيّر المناخي تهدّد التنوع. ويعــود إلى مــقولة لأجدادنا أن «الثلج كان يلتقي خيّو»، أي أن الثلوج ما كانت تفارق قممنا العالية ولذلك بعض أنواع النباتات فقدت أو تكاد بيئتها الطبيعية. ويقول: «العشبة الذهبية واحدة من أنواع كثيرة، ولا يمكن العثور عليها إلا في الليل، فكان المغاربة يفتشون عليها ليلاً ويضعون حولها رماداً لتحديد مكانها. وكانوا بذلك يحددون نوعها أيضاً لان ثمة أنواعاً من النباتات شبيهة لها، ومن خلال هذه العملية كانت تتميز عن غيرها بأنها تعكس لوناً فوسفورياً. وهي موجودة الآن وعثرت على أعداد قليلة منها في الجبال المحيطة ببعذران وجبل الباروك، وتركتها أملاً في أن تتمدد وتتكاثر، وهي تشبه الـ (سرخس Fougere) ونستخدمها في معالجة الجروح».
وأشار إلى أن «كل إنسان ينطلق من محيطه، أي البيئة»، مؤكداً أن الطب الحديث لا يلغي الطب القديم الذي يعتبر جسر عبور الى ما وصلنا اليه من تطور. ولفت إلى أن «ثمة مسؤولية لجهة أن الطب الحديث ممنوع أن يلغي الطب القديم، وبرأيي نشهد الآن عودة الى منابع الطب الأولى المتمثل بعالم النبات، بمعنى العودة إلى جذورنا الانسانية مع تنامي الوعي بأهمية الطبيعة التي هي صيدلية الانسان». واستنتج: «ليس بالصدفة أن يعود الناس الى الطبيعة وتغيير أنماط حياتهم والابتعاد عن بعض مظاهر الحداثة التي دمّرت الصحة».


السحلبيات

وأشار باز إلى «اكتشاف ثلاثة أنواع جديدة من السحلبيات Orchids في بعذران مع بعض المهتمين بالنباتات ممن يؤمون بلدتنا ونتعاون معهم ونتبادل خبراتنا»، ويقول: «كنت في إحدى المرات بحاجة إلى نبتة كان جدي يعالج بها بعض الامراض، ولكـن لم أتمكــن من العــثور علــيها، فطــلبت من أحد رعاة قطــعان الماعـز إرشادي اليها فهؤلاء على علاقة عميقة بالطبيعة وما تحفل به من تنوع لا نعرف الا القليل عنه».
وقال باز في معرض اكتشافه للسحلبيات: «إلى جانب اهتمامي بالنباتات، أنشط في مجال البيئة ولا سيما على صعيد (درب الجبل اللبناني) واستقبالنا وفوداً تؤم هذه المنطقة للتعرّف على جمالها وخصائصها الطبيعية، وكنت في إحدى المرات مع فريق سياحي تعرّفت إلى شخص لديه خبرة في مجال النباتات البرية وكان يتوقف عند كل نبتة وهو الذي لفت نظري الى (السحلبيات) وطلب المحافظة عليها وحمايتها وعرفته بدوري على أنواع نادرة لا تنمو إلا في جبل الباروك، لكن للاسف هذه الانواع من السحلبيات لا تتكاثر على نطاق كبير، وأقوم بالتردد على مواقعها دائماً، ومن بينها نوع تشبه زهرته النحلة تماماً والبعض يخافها ظناً منه انها نحلة حقيقية».


أنواع اندثرت

وعما إذا كانت ثمة أنواع اندثرت، قال: «قصدت يوماً حاجاً في صيدا يعمل عطاراً وأعطيته ثلاثة أسماء لنباتات لم أعثر عليها وواردة في الكتاب الذي تركه جدي، فاستغرب وقال «يا ابني لو هذه النباتات ما تزال موجودة، لما كان هناك مرض»، ومن بينها نبتة اسمها «مجد العين»، وقال «لا تتعب نفسك في البحث لأنك لن تجدها»، وهذا يؤكد فعلاً أننا فقدنا أنواعاً من النباتات البرية». وأشار إلى «اننا بدأنا نفقد أنواعاً من النباتات المعروفة كالهندباء البرية والتي تستخدم بذورها في مجال الاستطباب ومعالجة أمراض عديدة».
وقال: «هناك نباتات يمكننا المحافظة عليها وهذا ما نقوم به من خلال الحفاظ على بيئتها الطبيعية كـ«القصعين» ويعرف باسم «المريمية» و«القويسة»، والاستفادة منها على مدار السنة لانني لست من محبذي التقطير، طالما أن النبتة موجودة بكامل خصائصها الغذائية والعلاجية، وأرى أن بضع أوراق تعادل عبوة زجاج كاملة مقطرة».


مخاطر الأعشاب

ولفت إلى أن هناك تراتبية في مجال الطب العربي، من «العشّاب» الذي يجمع النباتات و«العطار» الذي يبيعها ومن ثم المداوي
واستدرك أن «عالم الاعشاب هو بحر كبير من العلم، لكن هناك محاذير لجهة أن يستخدمه أي شخص للتداوي من دون خبرة متوارثة من جيل لجيل، فنبتة «شيح العرب» أو «الافسنتين» على سبيل المثال، تحتوي مواد منبهة وتسبب الإجهاض لدى المرأة، بمعنى أن الأمر ليس بالسهولة التي يراها البعض، وهناك مقادير وموازين محددة، وفترة علاج لفترة محددة، فالإكثار من تناول أنواع بعينها قد تكون له نتائج خطيرة، وهناك نباتات سامة يجب أن نعرف كيف نستفيد من سمّيتها لاستخلاص أدوية لمعالجة أمراض محددة.


لا تتداوَ إلا بنبتة بلادك

أضاف باز: «هناك مثل قديم برأيي هو الأهم في مقاربة التداوي بالأعشاب يقول «لا تتداوَ إلا بنبتة بلادك»، لأن الانسان ابن بيئته استمر وسط هذه البيئة الطبيعية التي أمدته بأسباب البقاء وأن «الغذاء هو الدواء ايضاً»».
وعن أهم الاعشاب والنباتات، قال: «لا يمكن تعدادها وهي تحتاج لكتاب وكل نبتة دراستها تتطلب كتاباً أيضاً، لكن أذكر منها «السلجم» أي اللفت البري، وهو كالبقدونس البري والنعناع البري ومنه سبعة عشر نوعاً، وثلاثة عشر نوعاً من الصعتر، فبين بعذران ومرستي وجباع نجد سبعة انواع من الصعتر. وهناك القصعين، وليس ثمة نوع اهم من الآخر، فلكل نبتة خاصية مميزة أو أكثر. وهناك «السراخس» وهرمه العشبة الذهبية والـ «سنزبيات»، وهي أنواع كثيرة وتمتاز بورق ناعم وجذور سطحية ورائحتها لا تقارب. وكنت أقصد الحدود اللبنانية السورية للحصول عليها، وهي سم قاتل ولكنها علاجاً شافياً بالوقت نفسه لبعض الامراض...»، ويؤكد باز ان ليس بالإمكان التداوي بها تلقائياً ودون وجود شخص خبير، لذلك هو لا يقول ما هي الامراض التي تعالجها. واضاف: «هناك الجوز والتين وحب الآس، وقد ألقيت محاضرة مؤخراً عن حب الآس استمرت ثلاث ساعات، وهنا نتحدث عن عالم شاسع وبحر من العلوم والخبرات».


الجوز دماغ والكستناء كلية

وعن النباتات اللبنانية، قال: «هناك القرص عنّي، المشِّة، الدردار، الخبيزة (بجميع أنواعها)، الخاتمية، المليسة (وتعرف باسم اللويزة)، الشاي الغزار (وهو موجود في البرية)، وهناك أشجار مهمة كالعناب، وبرأيي أن التفاح من أهم الفاكهة ويمكن الاستطباب بقشرته ولبه وبذوره، فالقشرة علاج للبشرة، والبذور لشرايين القلب...». ويتذكر ما قال أبو بكر الرازي عن الجوز عندما شبه ثمرته بدماغ الانسان وكذلك الصنوبر. ويرى الى أن هذه الثمار مفيدة للدماغ وأن الابحاث الحديثة تدعم ما توصل اليه الأقدمون بالخبرة. واشار الى تشبيه الكستناء بكليتي الانسان وهي تضم ثمرتين متلاصقتين في قلب الثمرة الخارجية. وهناك الشمرة وبذوره وهو يعرف بـ«حبة الحلاوة» وتقسم الى نوعين: اليانسون والشمّر، ومن ثم هناك «الحبة السوداء»، وهي وافدة ولكنها مهمة، وهناك البابونج والمردكوش (ويُعرف البري منه بـحبق الفيلة). كما هناك الورد البري. كما تحدث عن الامكانيات القديمة لاستخراج بعض انواع العلاجات من قشر السنديان لبعض الأمراض، وعن بذور القطلب والميس والرمان... الخ.


السفير


بحماية الطبيعة نحافظ على "صيدلية الحياة"