
احمـرار نهـر بيـروت يعيـد فتـح ملـف النفايـات الصناعيـة:فرضت حادثة تلوث نهر بيروت باللون الأحمر نفسها في الأسابيع الأخيرة مما تطلب إعادة فتح ملف النفايات الصناعية السائلة والصلبة معا. صحيح ان النتائج الأولية التي أعلنت عنها وزارة البيئة بعد اخذ العيّنات وفحصها
فرضت حادثة تلوث نهر بيروت باللون الأحمر نفسها في الأسابيع الأخيرة مما تطلب إعادة فتح ملف النفايات الصناعية السائلة والصلبة معا. صحيح ان النتائج الأولية التي أعلنت عنها وزارة البيئة بعد اخذ العيّنات وفحصها في أكثر من مختبر، بيّنت أن لا مواد خطرة ولا سامة في مادة الصباغ التي صبغت المياه بالأحمر، إلا أن ذلك لم يحجب حقيقة أن لا إدارة شاملة للمخلّفات الصناعية، وأن هناك الكثير من الملوثات الخطرة وغير المنظورة في الأنهر والتربة والبحر... وفي أي مكان.
تزامن إعلان نتائج الفحوصات لتلوث نهر بيروت مع ورشة عمل عقدتها وزارة الصناعة مع مؤسسة "فريديريش ايبرت" الأسبوع الماضي لبحث قضايا "الطاقة والصناعة"، وورشة أخرى من تنظيم وزارة الصناعة مع جمعية إنسان للبيئة والتنمية تبدأ أعمالها اليوم تحت عنوان "الإنتاج النظيف"... وهي مناسبات يفترض أن تذكّرنا بضرورة إعادة فتح ملف الصناعة في لبنان وعلاقتها بالبيئة، من كل جوانبها، إن من ناحية كيفية (وضرورة) تصنيف المناطق الصناعية وكيفية إبعادها عن الأماكن السكنية والطبيعية، او من ناحية كيفية إدارة مخلّفاتها أثناء عملية التصنيع (الصلبة والسائلة والهوائية)، او من ناحية كيفية استهلاكها للطاقة والمواد الأولية والتوفير فيها، او من ناحية كيفية التخفيف من نفايات منتجاتها بعد أن تتحول الى سلع منتهية الصلاحية.
كانت وزارة البيئة العام 2002 قد أعدّت ثلاثة مشاريع مراسيم حول إدارة النفايات الصناعيّة: مشروع مرسوم الترخيص للمرافق الصناعيّة من أجل التخلّص من النفايات الصناعيّة الخطرة ومشروع مرسوم تصنيف وإدارة النفايات الصناعيّة والخطرة وثالث يتعلق بتصنيف النفايات كنفايات طبيّة. ولم يتمّ إقرار حتّى الآن سوى المرسوم رقم 13389/ 2004 المتعلق بإدارة النفايات الطبيّة. وتراهن وزارة البيئة الآن على مرسوم الالتزام البيئي للمنشآت الذي تدرسه لجنة وزارية لإقراره مع مرسوم دراسة الأثر البيئي للمشاريع لتكتمل سلة التشريعات التي تضبط المخلفات الصناعية وغيرها من التأثيرات الضارة بالبيئة.
دراسات كثيرة كانت قد أنجزت منذ أكثر من عشر سنوات حول الملف لمعالجة جميع أنواع المخلّفات الصناعية ولاسيما الخطرة منها، تم التساهل في تحديد معايير الانبعاثات التي تطلقها الصناعات الكبرى في الهواء، كما تم السماح للصناعيين باستيراد المشتقات النفطية بنسب كبريت عالية للتوفير عليهم وكنوع من أنواع الدعم! ولم تنجح السلطات المعنية بالتفاوض مع البلديات لإيجاد أماكن مخصصة لتجميع ومعالجة النفايات الصناعية وغيرها من مخلفات البناء الكبيرة. وقد بقي هذا الملف من دون معالجة جدية وعميقة في كل أبعاده، بشكل يحمي البيئة ولا يضر بالصناعة. ولا تزال النفايات الخطرة الصادرة عن كبار المعامل في لبنان كمعامل الترابة ومعامل سلعاتا التي ينتج عنها نفايات كيميائية، بالإضافة الى المطابع والأحبار التي تنتج معادن ثقيلة ومعامل الالومينيوم، بالإضافة الى النفايات السائلة الناجمة عن معامل الألبان والاجبان والمشروبات الروحية والشمندر السكري ومعامل الشامبو... التي تصب في معظمها في الأنهر او في البحر او التي تختلط بالتربة وتتسرب الى المياه الجوفية... بالإضافة طبعا الى الكميات الضخمة من المياه المبتذلة التي تشكل اكثر من 75 بالمئة من النفايات السائلة والتي ستليها الوحول التي ستنجم عن معالجة هذه المياه عندما سيتم معالجتها.
فماذا في هذا الملف المنتظر اعادة فتحه بعد تحويل مرسوم الالتزام البيئي للمنشآت الى مجلس الوزراء قريبا والذي نستثني منه ملف النفايات الطبية وتلك الالكترونية التي نخصص لها صفحات خاصة أخرى لاحقا؟
تصنيف المناطق الصناعية
يشكو لبنان اولا من عدم ترتيب الاراضي وعدم تصنيف المناطق، بما فيها المناطق الصناعية. فقد تتواجد الصناعات بشكل عشوائي بين الاماكن السكنية، قبلها او بعدها، لا فرق من ناحية النتيجة والأثر السلبي لنفايات هذه الصناعات على السكان المحيطين وعلى البيئة بشكل عام. وبالرغم من ان المخطط التوجيهي لترتيب الأراضي قد تحدث عن ثلاث مناطق صناعية كبرى الا ان شيئا من التصنيف والترتيب لم يحصل على الأرض.
تقول شنتال عقل من دائرة المدن والمناطق الصناعية في وزارة الصناعة إن هناك فرق بين المدينة الصناعية والمناطق الصناعية. وإن المناطق الثلاث التي لحظها المخطط التوجيهي هي ساحل الزهراني والبداوي ورياق. وإن هناك اعتراضات من بعض البلديات أخّرت عمليات التصنيف بشكل عام. اما عملية التصنيف نفسها، فقد كانت على أسس بيئية منذ الانتداب الفرنسي اذ تم تقسيم الصناعات الى ثلاث فئات، أي بين الاكثر والاقل ضررا على البيئة. اما المراسيم الجديدة (مرسوم العام 2001) فقد قسمت المصانع الى خمس فئات، يمكن ان تكون الصناعات الصغيرة (الفئة الرابعة والخامسة) الأقل ضررا، داخل الأماكن السكنية.
إشكاليات الإدارة
بحسب تقرير "البيئة في لبنان: الواقع والاتجاهات 2010" الذي أعدته الشركة اللبنانية للاستشارات البيئية "إيكوديت لبنان" بإشراف تقني من وزارة البيئة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (MOE/UNDP/ECODIT, 2011)، فإنّ "النفايات تصبح صناعيّة عندما تنتجها المؤسّسات الصناعيّة المصنّفة بموجب المرسوم رقم 5243/2001". وتولّد مؤسّسات لبنان الصناعيّة (المقدر عددها بـ22000 مؤسسة) كمّية كبيرة ومتنوّعة جدّاً من النفايات وتساهم بحوالى 6 في المئة من مجمل إنتاج النفايات الصلبة في لبنان (WB-METAP 2004).
تشير تقديرات وزارة الطاقة والمياه أنّ لبنان ينتج حوالى 310 مليون متر مكعب من مياه الصرف الصحي منها 60 مليون متر مكعب نفايات صناعيّة سائلة (MOEW/NWWSS, 2010). هناك جزءٌ كبير من النفايات الصناعيّة غير الخطرة (مثل التعليب ومادة الحشو والألواح الخشبيّة والبقايا الغذائية، إلخ). لكنّ هناك جزء آخر يشكّل خطراً كما حدّدته اتفاقيّة بازل.
تفتقر تركيبة النفايات الصناعيّة في لبنان للوثائق ولا تزال نسبة الجهود لإدارتها لا تُذكر. في عام 2002 ومن ضمن إطار مشروع METAP المُموَّل من الحكومة الإيطاليّة، أعدّت وزارة البيئة ثلاث مشاريع مراسيم حول إدارة النفايات الصناعيّة: مشروع مرسوم الترخيص لمرافق صناعيّة من أجل التخلّص من النفايات الصناعيّة الخطرة ومشروع مرسوم تصنيف وإدارة النفايات الصناعيّة والخطرة، وتصنيف النفايات كنفايات طبيّة. لم يتمّ إقرار حتّى الآن المرسومين الأوّلين ولكن صدر المرسوم رقم 13389/ 2004 بشأن تصنيف النفايات الطبيّة. ومن ضمن برنامج 2010 - 2012 ، شملت إجراءات وزارة البيئة الأوليّة إعداد مبادئ توجيهيّة لمعالجة أنواع معيّنة من النفايات، مثل نفايات الزيوت والبطاريّات والآلات الإلكترونيّة المستعملة والملوِّثات العضويّة والبضاعة التي انتهت مدّة صلاحيّتها.
يراجع مجلس الوزراء حالياً مشروع مرسوم الإلتزام البيئي للمنشآت الصناعية الذي يهدف إلى تحديد أصول الإلتزام البيئي أي احترام المعايير البيئيّة من قبل المنشآت الصناعية.
أنواع النفايات
تقسّم النفايات الصناعية (الصلبة والسائلة) إلى نوعين: النفايات الصناعيّة غير الخطرة أي النفايات الناتجة عن المسالخ (دراسة العام 1998 قدّرتها بحوالى 40000 طن سنويا) معظمها ناتج عن 10 مسالخ تقع في الكرنتينا وبرج حمود وطرابلس وبعلبك وصيدا وصور وجزين والنبطية. ونفايات معاصر زيت الزيتون.
والنفايات الصناعية الخطرة كالنفايات الطبيّة، زيوت البيفينيل متعدد الكلور، الحمأة، الزيوت الصناعية والغذائية، نفايات صناعة الطلاء، نفايات صباغة المنسوجات، زيوت السيارات، نفايات صناعة مبيدات الحشرات، نفايات صناعة العجينة الورقية والورق، نفايات محطات تكرير البترول، ونفايات صناعة المطاط والبلاستك والإنتاج المعدني.
تأثيراتها وأضرارها البيئية
يختلف تأثير وأضرار النفايات الصناعية على البيئة والإنسان بحسب أنواعها. النفايات الصناعية غير الخطرة تشوّه المظهر المُدُني وتساعد على انتشار الروائح الكريهة وتكاثر الأمراض بسبب التفاعلات الكيميائية والبيولوجية. كما وتعمل على تلويث المجاري المائية من جرّاء مخلّفاتها ونواتجها الثانوية فتؤدى بذلك إلى القضاء على الحياة في المسطحات والمجاري المائية. تساهم هذه النفايات في تلوّث التربة، فتُدهوِر صلاحية التربة على الزراعة وتلوّث المياه الجوفية.
أما النفايات الصناعية الخطرة فتعتبر "خطرة" لأن لديها إمكانية إلحاق الضرر على الإنسان والبيئة وتحتاج إلى إدارة خاصة بها. تتضمن أصناف النفايات الخطرة على مواد متفجّرة أو قابلة للاشتعال أو مُشِعّة أو مؤكسِدة أو مُثيرة ومُهيِّجة للصحّة أو مُضرّة أو سامّة أو مُسرْطِنة ومُسبِّبة لأورام خبيثة أو للتآكل أو العدوى أو مُسبِّبة في تشويه الجينات أو سامّة للبيئة.
لا يجوز التخلّص من النفايات الصناعية الخطرة وغير الخطرة مع مجمل النفايات المنزلية الأخرى، بل تحتاج لعناية وإدارة ومعالجة خاصّة بها.
التنظيم غير المنتظم
على الصعيد الرسمي، المؤسسات الصناعية في لبنان مصنّفة بموجب المرسوم رقم 5243/2001. وبموجب هذا المرسوم، على هذه المؤسسات أن تعالج نفاياتها على نفقتها الخاصة. أمّا فعلياً فيتم التخلص من النفايات السائلة الصناعية إمّا في شبكات مياه الصرف الصحي أو في الأنهار أو في البحر. أمّا النفايات الصلبة الصناعية فيتم التخلص منها بشكل عشوائي في مكبّات النفايات. لكن هناك الكثير من البرامج التي أعدتها وزارة البيئة للحد من التلوث الصناعي. على سبيل المثال استضافت وزارة البيئة بين عامي 2005 و2008 مشروعاً من أجل إدخال نظام متكامل لإدارة نفايات زيت الزيتون. وقد تمّ تحديث 10 مصانع لزيت الزيتون واستخدمت فيها تِقنِيّات جديدة ومختلفة للعصر وإدارة النفايات.
الطاقة والصناعة
بحسب التقرير الوطني الاخير الصادر عن وزارة البيئة حول تغير المناخ، تتسبب الصناعة بانتاج 10 بالمئة من الانبعاثات مقابل توليد الطاقة (54 %) وقطاع النقل (22 %). واذ يشكو الصناعيين عادة من كلفة الطاقة العالية مقارنة بدول اخرى منافسة، تكشف الارقام ان مؤسسة كهرباء لبنان تمنح الصناعيين تسعيرة خاصة مختلفة عن تلك المنزلية. فالتسعيرة الاخيرة على الشطور وتتصاعد مع زيادة الاستهلاك، في حين انها تقسم التسعيرة للصناعات وفق 3 فئات: فئة الليل 80 ليرة للكيلواط/ساعة و112 ليرة نهارا للكيلواط/ساعة وفئة الذروة 320 ليرة.
والمعلوم ان القطاع الصناعي يستهلك ما يقارب 19% من التزود بالطاقة الاولية والنهائية بالاضافة الى 30% من اجمالي انتاج الكهرباء، بحسب معلومات ودراسات المركز اللبناني لحفظ الطاقة, وقد بيّنت دراسات المركز ان 61 % من مصروف الطاقة الخاصة بالمنشآت الصناعية تتكل على التوليد الذاتي للطاقة، فيما تشكل فواتير الكهرباء نحو 77% من نفقاتها الطاقوية.
وتستنتج الدراسات ان هناك مصلحة للصناعيين والبيئة معا لتنظيم هذا القطاع وتصنيف المناطق وجمع الصناعات وتخصيص المناطق، إن لاسباب تتعلق بتوفير الطاقة وتسهيل امدادات الطاقة المتجددة او لناحية معالجة المخلفات.
اسباب الفلتان
تعود أسباب إنتاج النفايات وانتشارها العشوائي إلى عوامل عدّة، أبرزها:
• سرعة التقدّم الصناعي التي لم يواكبها بنفس الدرجة الإنتاج الأنظف في الصناعة.
• ضعف التشريع وعدم تطويره وضعف الالتزام بما هو موجود.
• عدم تطوير الطرق السليمة والنظيفة للتخلص من النفايات الصناعية.
• نقص في الوعي البيئي وعدم مسؤولية أصحاب الصناعات مما يؤدي بهم إلى التخلص من النفايات بطرق غير سليمة.
• عدم تطبيق القوانين البيئية وخصوصاً مبدأ "الملوّث يدفع" من المادة الرابعة لقانون حماية البيئة رقم 444/2002.
• عدم إلتزام أصحاب الصناعات بالقيم الحديّة البيئية للمياه والهواء قرار وزارة البيئة 8/1 الصادر في سنة 2001، هذه القيم أعدّتها وزارة البيئة للحدّ من التلوّث الصناعي في المياه والهواء.
• الفساد والرشوة لدى بعض القيّمين في القطاع الصناعي الذي يساعدهم في التهرّب والتنصّل من تطبيق القوانين والمعايير البيئية.
• عدم محاسبة ومحاكمة الملوّث.
• لا يوجد في لبنان البنية التحتية الضرورية أو منطقة صناعية نموذجية لمساعدة أصحاب الصناعات على تصريف الملوّثات بطريقة سليمة، فأسهل طريقة للتخلّص من نفاياتهم هي عبر رميها وتفريغها في البحر ومجاري الأنهار والوديان