
الوقود من الطحالب بديل.. وبيئة لبنان واعدة:يطرح الوقود الحيوي حلا بديلا من الوقود الطبيعي الذي يمعن تلويثاً في البيئة من خلال انتاجه غازات سامة مثل ثاني أوكسيد الكربون والكبريت وغيرها من الغازات التي تزيد من الاحتباس الحراري العالمي. وتشمل مصادر انتاج الطاقة ا
يطرح الوقود الحيوي حلا بديلا من الوقود الطبيعي الذي يمعن تلويثاً في البيئة من خلال انتاجه غازات سامة مثل ثاني أوكسيد الكربون والكبريت وغيرها من الغازات التي تزيد من الاحتباس الحراري العالمي. وتشمل مصادر انتاج الطاقة الحيوية محاصيل زراعية غذائية مثل القمح والأرز وزيت الذرة والصويا وقصب السكر.
ومع تصاعد الجدل حالياً حول قضية استخراج الدول الكبرى للوقود الحيوي من هذه المحاصيل، وما سببته من ارتفاع في أسعار المواد الغذائية حول العالم، تنبئ الطحالب الدقيقة المتنامية بحلول واعدة، حيث يستخرج منها وقود حيوي نظيف. كما أنها تستهلك غاز ثاني أوكسيد الكربون الذي قد يتولّد من عملية الاستخراج.
وقود واعد
وتعدّ الطحالب كائنات مجهرية تستطيع بوجود الطاقة الشمسية أن تتحوّل الى زيوت تستعمل في انتاج الوقود الحيوي. وفي ظل تقلص مساحة الأراضي الزراعية وتزايد عدد السكان وارتفاع أسعار المواد الغذائية، بات التفتيش عن البدائل أمرا ضروريا، لا سيما بعد أن اعتمد الجيلان الأول والثاني من الوقود الحيوي بمعظمهما تقريبا على زراعات تستعمل في تغذية الانسان أو الحيوان، وتستهلك أراضي شبه زراعية أو قابلة للزراعة. لذا، فقد تكون الطحالب الدقيقة التي تمثل الجيل الثالث، هي الحل، إذ يمكن أن تُنتِج كميات مرتفعة من الديزل الطبيعي، بالمقارنة مع مواد أُخرى ذات انتاجية ضعيفة لإنتاج الطاقة الطبيعية.
مشروع شرق أوسطي
وانطلاقا مما تختزنه الطحالب من طاقة يبشّر المشروع الشرق أوسطي لانتاج الوقود من الطحالب، الذي يمولّه الاتحاد الأوروبي بدراسة إمكانية إنتاج وقود الديزل الطبيعي من الطحالب. وهو ينفذ تحت اشراف معهد الأبحاث الزراعية في قبرص بالتعاون مع الوكالة القبرصية للطاقة وبالشراكة بين باحثين من الجامعة الاميركية في بيروت والجمعية اللبنانية لتوفير الطاقة والبيئة وباحثين من خمس دول شرق أوسطية هي قبرص واليونان وايطاليا ومالطا ومصر، ينتمون إلى 12 مؤسسة أبحاث.
أبو جودة: فوائد على لبنان
ومن المتوقع أن يوفّر إنتاج الوقود من الطحالب فرص عمل جديدة في لبنان وأن يساعد في التخفيف من الاعتماد الكلي على استيراد الوقود، وفق ما أكد الباحث الرئيسي من الجامعة الأميركية في بيروت يوسف أبو جودة الذي لفت الى أن "مساحة لبنان الصغيرة لا تسمح باعتماد زراعات شاسعة، ما يؤكد حاجتنا الى زراعات تعطي انتاجية عالية ضمن مساحة صغيرة. لذا، اخترنا الطحالب فهي قادرة على اعطاء انتاجية أعلى خمسين مرة من الزراعات الثانية. كما أنها مقارنة مع الذرة تعطي كمية أعلى بمعدل مئتين الى 300 مرة. وهذا ما يشجعنا على التفكير فيها في لبنان".
وأشار الى أن "أهمية الطحالب تكمن أيضا في أننا لسنا بحاجة الى أراض زراعية، حيث بالامكان زراعتها في أراض لا تصلح للزراعة واستعمال مصادر المياه المالحة والآسنة ومياه المجارير المكررة. كما أنها تستهلك كميات مياه أقل من الزراعات الأخرى. ويمكننا أن نزرع الطحالب بجانب المصانع وأماكن تواجد المولدات، ما يسهم في امتصاص ثاني أوكسيد الكربون المتصاعد، والتي عندما نحرقها تعطي ثاني أوكسيد الكربون، لكن أقل من غيرها لأنها تعطي احتراقا شبه كامل أكثر من الاحتراق العادي".
والجدير ذكره، أن الخزانات الموجودة نفسها من الممكن استخدامها لاحتواء الوقود الناتج عن الطحالب. كما أنه يمكن زراعة الطحالب في مختلف المناطق اللبنانية وحتى في الأراضي الجبلية والصخرية وغير المسطحة.
وأوضح أبو جودة أن "الطحالب تجزّ كالبقدونس وهي تنمو وتتضاعف يوميا بكميات هائلة ولا تتأثر بأي عوامل طبيعية. كما يمكن اختيار الأصناف التي تتناسب مع الطقس البارد في البقاع مثلا والحار في بيروت وحتى مع التلوث ومن الممكن زراعة أصناف معينة في الصيف وأخرى في الشتاء".
وسيتم في المرحلة الأولى أي في غضون شهر تحديد الأصناف الموجودة في المياه العذبة والمالحة في لبنان ومعدل تكاثرها وانتاجها للزيت، ومن ثم سيتم استخراج الزيت من الطحالب وتحويله الى وقود حيوي لانتاج كمية كافية للدراسات ومحاولة تحديد المنتوجات الثانوية التي يمكن أن توفرها الطحالب.
وكشف أبو جودة أنه يخطط لـ"زراعة أفضل صنف أو صنفين من الطحالب في لبنان، بما يتناسب مع وضعه وظروفه الطبيعية وينتج بالتالي كميات عالية من الزيت، لا سيما أن بعض الأصناف قادرة على انتاج زيت بمعدل 70 في المئة من وزنها الجاف. كما أن دراساتنا تظهر أننا بحاجة الى أصناف تتكاثر بسرعة وأقلها تعطي أكثر من 30 في المئة زيتا"، موضحا أنه "من الممكن أن نجد صنفا يعطي 70 في المئة من الزيت ويتكاثر بسرعة من خلال تحويلات وراثية".
وعرض أبو جودة مخطط مشروع وضعه للبقاع، "حيث من الممكن الاستفادة من محطة تكرير المياه الآسنة في بعلبك واستخدامها في زراعة الطحالب، وبالتالي استعمالها كوقود مباشر للتدفئة تماما كجفت الزيتون. ومن المتوقع أن توفر الطحالب امكانية تدفئة سريعة لهذه المناطق وبتكلفة أفضل من التكلفة الحالية أو حتى أقل منها بكثير".
ولفت الى أن "منطقة البقاع تضم مساحات كبيرة غير صالحة للزراعة وحتى أراضي جبلية وصخرية نستطيع أن نستثمرها للتدفئة ولانتاج الوقود الحيوي، خصوصا أن هذه المنطقة تشهد 300 نهار مشمس، ما يتيح نمو الطحالب التي تعتمد على الطاقة الشمسية. كما أن تغطيتها ببيوت بلاستيكية تزيد من الانتاجية".
مشروع تنمية مستدامة
ويطمح المشروع الشرق أوسطي إلى تحقيق أهداف استراتيجية الاتحاد الأوروبي إزاء التغير المناخي والطاقة. ويعتبر البحث عن بدائل للمشتقات النفطية لتخفيف انبعاثات غازات الدفيئة أولوية لدى العلماء وصنّاع القرار، لكن المشكلة تكمن بحسب مصادر أكاديمية، في عدم توفر مواد خام كافية لإنتاج الوقود الطبيعي.
وسيغطي المشروع كل مراحل إنتاج الوقود الطبيعي من الطحالب الدقيقة، مثل التقاط نماذج من المياه العذبة أو مياه البحر، وتحديد أنواع الطحالب المطلوبة، وزراعتها وحصادها، واستخراج الوقود الطبيعي منها، وتحديد مواصفاته بالمقارنة مع مواصفات عالمية. وستقام مشاريع نموذجية تجريبية في قبرص وايطاليا ومالطا ولبنان ومصر.
كما سيوفّر فرصة لتأسيس وحدة بحثية قوية للتكنولوجيا الحيوية وسيجمع الخبرات والمعارف الضرورية لإقامة أسواق مستقبلية للوقود الحيوي السائل، وفق أبو جودة الذي أكد أن "هذا التعاون الشرق أوسطي يساهم في إنتاج الطاقة المتجدّدة بالاعتماد على موارد محليّة بشرية وطبيعية متجددة تؤدّي إلى التنمية المستدامة".
ويتوقع الباحثون أن يخلق المشروع قيمة اقتصادية جديدة عبر إنتاج الوقود السائل المعتمد على الطحالب الدقيقة، حيث سيحاولون اجتذاب قطاع النقل وانتاج مواد جانبية لهذا الوقود تشمل مغذيات تستعمل للانسان أو الحيوان مثل البروتينات والسكريات والنشويات والفيتامينات ومواد التجميل والأصباغ والدهون.
واذ كشف أبو جودة أن "تكلفة انتاج الوقود من الطحالب لا تزال مرتفعة بعض الشيء، الا أن التوقعات العالمية تنذر بأن تحتل الطحالب موقع الريادة في السنوات العشر المقبلة وأن يتزايد الاستثمار فيها، حيث تصرف بعض الشركات ملايين الدولارات على هذا القطاع. كما أن الدراسات الأولية أظهرت أنها من أكفأ الطرق لانتاج الطاقة المتجددة".
وكانت "مبادرة حسن الجوار والشراكة لحوض البحر الأبيض المتوسط (ENPI)" تبنّت المشروع ووافقت عليه، لكن يبقى المطلوب اليوم بحسب أبو جودة، أن "نلقى دعم الدولة والجمعيات، لأن المبالغ التي رصدت لنا أقل بكثير من التي طلبناها، ولا سيما للأبحاث، ولأن الدولة اللبنانية قد التزمت بمعدل 12 في المئة وقودا حيويا لسنة 2020" .
وأوضح أنه "جرت محاولات لزراعة "الجاتروفا" في البقاع، الا أنها توقفت بسبب المشاكل التي حصلت مع المواطنين وغياب قوانين تساعدهم على تسويق الانتاج".
المستقبل - سارة مطر