جمعية "G".. مشاريع بيئية تلامس تحديات العصر

جمعية
جمعية "G".. مشاريع بيئية تلامس تحديات العصر: سارة مطر تثابر جمعية "G" منذ تأسيسها عام 2009 على تحقيق استدامة بيئية طالما تكاثفت الجهود العالمية لاحرازها، لا سيما في ظل تداعيات تغير المناخ والاحترار العالمي. فدأبت هذه الجمعية البيئية منذ اطلاقها في لبنان

تثابر جمعية "G" منذ تأسيسها عام 2009 على تحقيق استدامة بيئية طالما تكاثفت الجهود العالمية لاحرازها، لا سيما في ظل تداعيات تغير المناخ والاحترار العالمي. فدأبت هذه الجمعية البيئية منذ اطلاقها في لبنان على تنفيذ مشاريع تنموية ودراسات بيئية أكثر استدامة، وهي تختصر باسمها كلمة الأخضر بالأجنبية "GREEN" في محاولة لملامسة القضايا البيئية الراهنة وتأثيراتها على صحة الانسان والوطن.
وتنفذ الجمعية، التي تضم بين صفوفها أعضاء متطوعين من أصحاب التخصص في مجالات متنوعة، ثلاثة مشاريع حالية تجسد رؤية الجمعية وأهدافها. ويقول مؤسس ورئيس "G" نادر النقيب: "تحوّلت الجمعية الى مرجع علمي بيئي مهني وتدريبي متخصص للشركات والأفراد وطلاب الجامعات في حقول البيئة والهندسة والزراعة والعلوم الغذائية، بحيث يتم تدريبهم على معالجة التحديات بطريقة مهنية والوصول الى نتيجة متخصصة".

مشاريع بيئية تنموية
ويشير الى أن "الجمعية باشرت عام 2009 مشروع الأبنية الصديقة للبيئة وفق شهادة "LEED" الأميركية العالمية وهي الشهادة الأكثر شهرة واعترافا، بحيث تعاونا مع مصرف لبنان الذي بادر الى اصدار تعميم لدعم المباني الصديقة للبيئة، ما حفّز المواطنين وأصحاب المشاريع على الاستفادة من هذه القروض والتخفيف من عبء التكاليف خصوصا في ظل الظروف الصعبة التي نعيشها، وأدّى بالتالي الى زيادة الأبنية الصديقة للبيئة وحماية بيئة لبنان والى جعل الجمعية معتمدة كجهة استشارية في هذا المجال".
أما مشروع التفاح العضوي، فبدأ عام 2010، بعد أن كانت الفكرة الأولية متجهة لناحية دعم الموز العضوي، الا أنه، يقول النقيب، "تبيّن وفق دراسة أجريناها أن الثمار ذات القشرة السميكة أقل تأثرا بالمواد الكيماوية أو مواد الرش. لذا اخترنا التفاح. وبما أن لبنان مشهور بالتفاح، دخلنا سوق التفاح العضوي وقررنا أن ندعم المزارع عبر "G-APPLE" وأن نجد له سوقا غير السوق التقليدي".
ويلفت الى أن"المشروع استهدف عددا من الشركات والمؤسسات والمصارف والسفارات الذين دعموا المحصول، ما مكّننا من بيع 40 في المئة من السوق اللبناني بالطريقة غير التقليدية".
وتنفّذ الجمعية حملة جديدة تتوخى تحويل عدد من المدارس اللبنانية الى مدارس خالية من الكربون، بحيث يطلق المشروع أواخر الشهر الحالي ويمتد على ستة أشهر. ويوضح النقيب أن "الحملة تأتي في اطار المشروع الذي تنفذه كل من "US-FORESTS" و" USAID" و" Lebanese Reforestation Initiative (المبادرة اللبنانية لاعادة التحريج)" بهدف زراعة ثماني غابات في لبنان. ومهمتنا تكمن في تزويد تلامذة المدارس المحيطة بهذه الغابات في كل من مرجعيون وتنورين وراشيا، بالتوعية البيئية اللازمة، سعيا لحثهم على ادراك القيمة الحيوية لهذه الغابات وزرعها والحفاظ عليها، كي لا يأكلها الماعز أو يدمرها النشاط البشري بعد انتهاء التمويل المخصص للمشروع. هذا بالاضافة الى مشروعنا المتمحور حول تأهيل كسارة المسيلحة".

الأبنية الخضراء... متنفس إيجابي
ويؤكد مدير قسم الأبنية الخضراء في الجمعية ريمون سلفيتي "أهمية تعزيز اعتماد الأبنية الصديقة للبيئة في لبنان، لا سيما في ظل ما تتركه المشاريع العمرانية من آثار سلبية على بيئتنا وفي ظل غياب أي قانون أو معيار دقيق للأبنية الخضراء، ما أدى الى فوضى في هذا المجال، بشكل يدّعي فيه البعض أن بناءهم أخضر لمجرّد وجود بركة سباحة أو القليل من الزرع على الشرفة أو على سطح المبنى".
ويرى في معيار "LEED" الأميركي "تشابها وانسجاما مع الواقع اللبناني، وهو اختصار لـ" Leadership Energy And Environmental Design "، كما أنه أحد المعايير الأكثر عالمية. أما هدفنا فهو مساعدة أصحاب المشاريع والمباني كي يحصلوا على شهادة LEED وفق درجات معينة. لذا، نتوجه الى أصحاب المشاريع الجديدة وحتى القديمة لمحاولة اعادة جعلها صديقة للبيئة، ونتولى الاشراف ومتابعة العمل للتأكد من مدى قدرة البناء على أن يكون موافقا للمعايير. كما أننا كجمعية أعضاء في "LEED" ونتابع أي تطور أو تعديل في المعايير والمقاييس".
تقع المعايير الرئيسية للبناء الأخضر في خمسة أبواب. ويقول سلفيتي: "أول هذه المعايير موقع المشروع، بحيث يجب أن يكون قريبا من موقع الخدمات والمواصلات، وليس ضمن جبل خال وبعيد عن حركة الحياة اليومية، ما يعتبر انتهاكا لمنطقة خضراء. ثانيا: النظام المائي المستخدم ضمن المبنى والكميات المستعملة لقضاء الحاجيات، ومدى مواءمته للأنظمة السليمة التي تحد من الهدر المائي".
ويضيف: "ثالثا: أنظمة الطاقة من حرارة وكهرباء ووسائل التبريد والتدفئة والتكييف والطاقة الشمسية، ومدى مساهمتها في التقليل من مصروف الطاقة وبالتالي من انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون. رابعا: مواد البناء المستخدمة، اذ تنص المعايير على استيراد المواد ضمن مساحة 800 كلم أي من المنطقة المحيطة، عوضا عن استيرادها مثلا من أميركا، وذلك سعيا الى تخفيف استهلاك النفط أو الفيول أثناء عملية نقلها. هذا بالاضافة الى استخدام المواد القابلة لاعادة التصنيع، فاذا استوردنا حديدا، 80 في المئة منه مواد قابلة لاعادة التصنيع يكون بالتأكيد أفضل من ذلك الذي يقتصر على 20 في المئة فقط".
ويحدّد سلفيتي المعيار الخامس بـ"نوعية البيئة الداخلية ضمن المبنى، من مدى نظافة الهواء واتجاه الغرف الى الشمس وتعرّضها للنور ومدى تأمينها للراحة النفسية وقدرة قاطنيها على التحكم في نظام التدفئة والتبريد وفق حاجياتهم. هذا الى جانب قياس الزجاج ونظام الطاقة المكتسب من الجدران المضاعفة،علما أن هذه الأخيرة ليست أساسا للبناء الأخضر، لكنها تساهم بطريقة غير مباشرة في تحقيق الأهداف والنتائج المرجوة".
ويقول: "يحدّد معيار" "LEED" عددا من النقاط الواجب الالتزام فيها، علما أن الحد الأدنى هو الحصول على 40 نقطة من أصل مئة. فمن 40 الى 50 نقطة يحصل المبنى على الشهادة، ومن 50 الى 60 يعطى شهادة فضية ومن 60 الى 70 شهادة ذهبية ومن 80 وصعودا يعطى شهادة بلاتينوم. كما تُكتب فئة تصنيف المبنى على الشهادة وتوضع عند المدخل".

.. وفوائد مضاعفة
أما فوائد المباني الخضراء فمتعددة، وفق سلفيتي، "حيث أنها تؤدي الى خفض فاتورة استهلاك الطاقة والكهرباء والى خفض الفاتورة الصحية بطريقة غير مباشرة، نظرا لنوعية الهواء العالية التي توفرها. اذ أظهرت دراسات أميركية أن تكلفة هذه الفاتورة على المدى الطويل أقل في المباني الخضراء منها في المباني العادية. كما أنها تمنح صاحب المشروع صورة إيجابية وتحفز غيره من أصحاب المشاريع على المضي بسياسة الأخضر وحماية البيئة ومواردها الطبيعية".
وعلى الرغم من الكلفة العالية للمباني الخضراء، الا أن القروض المصرفية المخصصة لهذه الغاية، يسّرت برأيه هذه العملية، بحيث يستطيع صاحب المشروع أن يسترد كلفة البناء، آملا أن "يتحوّل كل مواطن الى مواطن صديق للبيئة، بغض النظر عن سياسة الحكومة أو الدولة أو المصارف، خصوصا أن الكرة الأرضية برمّتها تعاني من التداعيات والانتهاكات البيئية في ظل تغير المناخ والاحترار العالمي، ما يحتّم علينا المساهمة وفق قدراتنا واختصاصتنا، في حمايتها وإنقاذها، حرصا على حقوق الأجيال المقبلة".

مشروع "District S" نموذجا
لا يتميز مشروع "District S" فقط بمجال عمرانه أو بموقعه بل أيضا بأنه أول حي بيئي يطبق سبل الإستدامة الحديثة والأول من نوعه في لبنان والمنطقة العربية وحوض المتوسط، بحيث سيكون قلب العاصمة الأخضر. وهو مشروع حديث سيضع لبنان على خريطة الدول المكافحة للتغير المناخي وسيجعله خامس دولة في العالم تطبق نظام "Leed".
ويؤكد النقيب أن "مشروع "District S" يعود بفوائد مباشرة على البيئة اللبنانية من انخفاض نسبة استعمال الكهرباء بمعدل 30 في المئة، انخفاض نسبة استعمال المياه بمعدل 40 في المئة، انخفاض نسبة النفايات الصلبة بمعدل 70 في المئة وانخفاض نسبة انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون بنحو 35 في المئة"، مشيرا الى أن "المشروع لن يحافظ على تراث بيروت فحسب، انما على ثروتنا المائية والكهربائية وسوف يخفّض من انبعاثات الغازات السامة".
ويوضح أن "المشروع سوف يشمل تجميع مياه الأمطار وخلق مساحات خضراء تساهم في إيجاد بيئة صحية. كما يشجع المواطنين على المشي عوضا عن استعمال السيارات من خلال تصاميم شوارعه واحتوائه على المقاهي. وستكون أفضلية الحصول على موقف Preffered Parking للسيارات الهجينة أو الكهربائية".
وسوف يساهم المشروع في مكافحة الجزر الحرارية التي يتسبب به الإسمنت من امتصاص الحرارة نهارا ولفظها ليلا، وهذا ما يؤدي الى رفع درجات الحرارة في المدن. وسيراعي البناء عند الحفر أفضل السبل البيئية للتقليل قدر الامكان من الغبار والضجيج وسيستخدم أحدث وسائل الري للحد من الهدر المائي.
ويرى النقيب أن "المشروع سيشجع عودة الحياة البرية الى المدن كالعصافير والفراشات التي ستجد ملاذا" آمنا" لها وسيخصص مواقف للدراجات الهوائية كي يستعملها السكان والزوار وموظفو المحلات. كما ستكون الأخشاب المستعملة داخل الشقق مستدامة اي أن المصّنع سيزرع مكانها عند قطعها وسيستعمل أكبر قدر ممكن من المواد المعاد تصنيعهاRecycled في البناء والبنية التحتية، وذلك للتقليل من استهلاك مواد جديدة".
ويشير الى أن "المكيفات ستستعمل غازات غير مضرة في البيئة وسيكون الهواء داخل المنازل هو الأنظف في لبنان. كما سيأخذ التصميم بالاعتبار كيفية ايصال أكبر نسبة من ضوء الشمس الى الداخل، ما يعزز النشاط والفعالية للقاطنين والعاملين".
واذ يؤكد أن "مشروع "District S" لن يكفي وحده لمحاربة التصحر والتغير المناخي"، يدعو النقيب الجميع الى "الاقتداء بهذا المشروع والى إنقاذ وطننا. فإذا كنا قد شهدنا مؤخرا تحويل الصحارى الى واحات خضراء، فمن المؤكد أن آلية المحافظة على بيئتنا أو على ما تبقى منها ستكون أسهل".

المستقبل - سارة مطر