
يغطّ النعار السوري عند الصباح الباكر قرب نبع حمى كفر زبد. يطمئن هذا الطائر الجميل، المهدد بالانقراض، الى أن أحداً ...
يغطّ النعار السوري عند الصباح الباكر قرب نبع حمى كفر زبد. يطمئن هذا الطائر الجميل، المهدد بالانقراض، الى أن أحداً لن يعاجله بطلقة نار. فقط كاميرات التصوير تطلق فلاشاتها هناك، في الوقت الذي تسقط فيه آلاف الطيور يومياً على امتداد سهل البقاع في مجزرة «الصيد العشوائي»
السفير
مشهدان متناقضان في سهل البقاع، أمس. مئات الصيادين يصطفون على طول السهل وعرضه لاصطياد الطيور العابرة، ومجموعة صغيرة من هواة مراقبة الطيور في حمى عنجر وكفر زبد استبدلوا البنادق بكاميرات التصوير والمناظير طمعاً بصيد صورة طير مقيم أو عابر، والفائز هو من حضر باكراً الى الحمى، حيث يحط طائر النعار السوري، المهدد بالانقراض، لشرب المياه من نبع كفر زبد، الذي يخترق السهل الأخضر ليحوّله الى منطقة رطبة تضاهي في أهميتها مستنقع عميق في البقاع الغربي.
مراقبة الطيور في حمى كفر زبد هي نشاط ختامي لورشة عمل بعنوان «تعميم مبادئ حماية الطيور المهاجرة المحلقة في قطاع السياحة البيئية»، نظمها مشروع الطيور المحلقة المهاجرة ضمن حفرة الانهدام _ البحر الأحمر، الممول من مرفق البيئة العالمي، والذي ينفذه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ووزارة البيئة بالتعاون مع جمعية حماية الطبيعة في لبنان.
ويعتبر مسار حفرة الانهدام _ البحر الأحمر ثاني أهم مسارات الطيران للطيور المهاجرة في العالم (الطيور الجارحة، اللقالق، طيور البجع، وطيور أبو منجل)، يستخدمه 37 نوعاً من الطيور الحوامة المختلفة، بما في ذلك خمسة أنواع مهددة بالانقراض عالمياً. ويهدف المشروع إلى إدماج مبادئ حماية الطيور المهاجرة على طول مسارات الطيران في قطاعات الصيد والزراعة والطاقة وإدارة النفايات، وهي القطاعات التي تشكل أكبر خطر على الهجرة الآمنة، وفي الوقت نفسه يهدف المشروع الى تعزيز الأنشطة في القطاعات التي يمكن أن تستفيد من هذه الطيور، مثل السياحة البيئية.
وتعاني السياحة البيئية في لبنان من فوضى عارمة، حيث يصنف أي نشاط سياحي يتضمن زيارة أماكن طبيعية ضمن خانة السياحة البيئية. في حين يعتبر الخبير باسكال عبد الله أن السياحة البيئية هي نشاط محصور ضمن السفر المسؤول إلى المناطق الطبيعية الذي يهدف الى المحافظة على البيئة وتحسين مستوى الحياة لدى المجتمعات المحلية.
ورغم النمو الملحوظ لمراقبة الطيور على المستوى العالمي، لا يزال هذا النشاط شبه منعدم في لبنان. ويؤكد شادي العنداري من جامعة البلمند، الذي يمارس هواية مراقبة الطيور في لبنان منذ سنوات عدة، أن الغالبية العظمى من مراقبي الطيور هم من الأجانب، وبينهم عدد من العلماء المهتمين بتحديد أنواع الطيور وهجرتها وتكاثرها. وفي وقت تشكل فيه أسلحة وذخائر الصيد قطاعاً تجارياً ناشطاً، تنعدم محال بيع آلات مراقبة الطيور، الأمر الذي يشير الى أن هواية قتل الطيور هي الأكثر شيوعاً. يشرح العنداري عن رحلاته المشوّقة الى الطبيعة لمراقبة الطيور، ويعتبر أن التقاط صور طائر تفوق متعتها أضعافاً مضاعفة إصابته بالبندقية، وهي عملية تحتاج الى خبرة كبيرة وإلى صبر وتحمل الصقيع وخصوصاً عند الفجر، حيث تكون حركة الطيور في أوجها.
وتشير الإحصائيات الى وجود أكثر من ١٥ مليون شخص في العالم يمارسون هذه الهواية الصديقة للبيئة، ويصل حجم الإنفاق على هذه الأنشطة الى ما يزيد على ٨٠ مليار دولار أميركي سنوياً. وتقدم المواقع الإلكترونية المتخصصة بمراقبة الطيور معلومات عن أماكن وجود الطيور وانتشارها، والأهم أنها تقدم خدمات مدفوعة لأعضائها عن أوقات وجود الطيور في أماكن معينة، على غرار النشرات التي تقدمها المراصد الجوية.
مدير جمعية حماية الطبيعة في لبنان، أسعد سرحال، أكد لـ«الأخبار» أن الحمى الثمانية التي أنشأتها الجمعية في عنجر وكفر زبد والفاكهة والقليلة والمنصوري وعندقت وإبل السقي وقيتولي تضمنت إجراء مسح ميداني للمناطق المهمة للطيور المهاجرة وخطوط الهجرة، وسينتهي بأطلس للطيور المحلقة والخرائط والمعابر التي تمر ضمنها. كما سيتم إعداد كتيّب من أجل التعريف بمبادئ السياحة البيئية ومراقبة الطيور يوزع على الجمعيات والشركات السياحية والمدارس، وربما سيكون هناك مركز خاص يجمع كل هذه المعلومات يفتح أمام الراغبين بالاطلاع على المعلومات وألعاب تعرّف الطلاب على مهارات مراقبة الطيور.
يقضي الخبير في أنواع الطيور في المجلس الوطني للبحوث العلمية غسان جرادي ساعات طويلة في مراقبة الطيور. يقول «منذ لحظة دخولها الى الأراضي اللبنانية، تشعر الطيور بالخطر وتحاذر الاقتراب من أي نشاط بشري، حتى لو لم يكن معادياً». ويضيف: «مراقبة الطيور في أفريقيا أسهل بكثير لأنها تقترب من الكاميرات، ويمكن التقاط صورها بشكل أدق. أما في لبنان، فتبقى بعيدة أكثر من خمسين متراً على الأقل لأن غريزتها تدلّها على أنها في منطقة خطرة».
يشدد مدير مشروع الطيور المهاجرة سليم حمادة على أهمية ربط السياحة البيئية بموضوع الطيور المهاجرة وأهمية التعاون بين وزارتي البيئة والسياحة في هذا الإطار. ويؤكد حمادة أن تشجيع مراقبة الطيور سوف يساعد على التخفيف من الصيد العشوائي. ولفت حمادة الى أن وزارة البيئة تعوّل على البلديات في الرقابة في حال افتتاح موسم الصيد بشكل قانوني في العام المقبل، داعياً الصيادين الى التقدم لحيازة الرخصة الجديدة من وزارة البيئة فور الإعلان عن بداية استقبال طلبات امتحانات الصيد عبر أندية الرماية المختصة.
يعترف جوزيف حيمري، مستشار وزير السياحة فادي عبود، بأن لبنان لا يزال يهمل السياحة البيئية لصالح السياحة الميسورة، وأن الوزارة لم تضع برنامجاً خاصاً لتشجيع السياحة لغياب القدرة الترويجية بسبب الموازنة الضئيلة. وأكد حيمري على أهمية وضع المعلومات المتعلقة بالسياحة البيئية على الموقع الرسمي للوزارة وطبع منشورات خاصة للمهتمين، فضلاً عن التعاون مع وكلاء السياحة والسفر لإعداد برامج لجذب السياح من الداخل والخارج لمراقبة الطيور وخصوصاً النادرة منها.
المنسق الإقليمي لمشروع الطيور المهاجرة أسامة النوري شدد على أهمية الربط بين القطاع السياحي وحماية الطيور المهاجرة التي تكرس ثقافة الحفاظ على الطيور. ولفت الى أن المجلس يعمل على تطوير القدرات وإجراء الأبحاث حول مواقع المراقبة والترويج لها في البلدان التي تشملها تجارب عديدة حول السياحة البيئية عرضت خلال الورشة؛ أبرزها لمحمية أرز الشوف، ودرب الجبل اللبناني، ومبادرة Responsible Mobilities ومشروع الشلالات الزرقاء في نهر بعقلين.
كذلك تضمنت الورشة يوم عمل في منطقة خربة قنفار في البقاع الغربي، حيث تم إعداد مسودة الاستراتيجية الوطنية للسياحة البيئية التي سترفع الى وزارة السياحة لمناقشتها وإقرارها، كما أقيمت مباراة زجل لفرقة «جوقة الليالي» وموضوعها الفرق بين «الصياد» صديق الطبيعة و«القواص» الجاهل الذي يدمر البيئة.