
ملف إدارة النفايات المنزلية الصلبة في لبنان على نار حامية... ام حارقة؟: وضعت نفايات لبنان على نار حامية جدا مطلع هذا العام الجديد. فعشية إقرار مجلس الوزراء لسلة من القوانين البيئية ولاسيما مشروع قانون «الادارة المتكاملة للنفايات الصلبة»، كانت ... التفاصيل
وضعت نفايات لبنان على نار حامية جدا مطلع هذا العام الجديد. فعشية إقرار مجلس الوزراء لسلة من القوانين البيئية ولاسيما مشروع قانون «الادارة المتكاملة للنفايات الصلبة»، كانت مجموعة من الخبراء من لبنان ودول المنطقة تجتمع في احد فنادق العاصمة لمناقشة «المجالات الضريبية والمالية والاقتصادية في مجال ادارة النفايات»، أي في مجال استرداد كلفة معالجة النفايات. وتأتي هذه التطورات مع واقعتين مهمتين تتعلقان بهذا الملف، الواقعة الأولى تتعلق بتوقيع عقد دراسة خطة جديدة لادارة النفايات الصلبة في لبنان وتفكيكها حراريا لتوليد الطاقة وفق قرار مجلس الوزراء السابق بداية هذا العام بين مجلس الإنماء والاعمار وشركة دانماركية بقيمة 600 ألف دولار أميركي تقريبا، والواقعة الثانية تفرد بلدية شكا باتخاذ خيار إنشاء محرقة لحرق نفاياتها من دون العودة الى وزارة البيئة، وكأن لا دولة في لبنان، ولا إدارات مركزية مسؤولة ولا قوانين، ولا خطط وطنية شاملة تعتمد معايير فنية تحدد طرق معالجة هذا الملف وتكون ملزمة للجميع، للبلديات كما للقطاعين الرسمي والخاص، بالإضافة طبعا الى مشاريع القطاع الاهلي!؟ ولما كان قانون حماية البيئة العام 2002 قد أناط بوزارة البيئة في المواد 41 ، 49، 51 و ما يليها، مهام التخطيط، والمراقبة ووضع معايير وشروط معالجة النفايات الصلبة، يمكن ان نسأل الآن (ودائما)، كيف يمكن لأية مؤسسة رسمية ان تمنح ترخيص لاية مؤسسة اخرى سواء أكانت بلدية او شركة او حتى جمعية أهلية، من دون اخذ «رأي» وزارة البيئة على الأقل؟ وإذ اكد وزير البيئة ناظم الخوري لـ«السفير» بأن ملف هذه المحرقة لم يمر على الوزارة، واعدا بمتابعة الموضوع... يبقى السؤال لماذا نصل متأخرين دائما على القضايا، او لا نصلها الا حين تتحول الى كوارث؟
عسّ ملف النفايات طويلا منذ وضعت الخطة الطارئة العام 1997، ثم عاد وتفجّر قرارات وتلزيمات ومشاريع... بشكل لم يسبق له مثيل. وكأن الكل بدأ في سباق جديد لإيجاد الحلول التي طالما كانت مستعصية، وتفتقد الى الرؤية الاستراتيجية والقوانين الناظمة والخطط الوطنية المقبولة علميا وتقنيا وشعبيا. مع الإشارة إلى ان هذا الحراك، بما فيه إقرار القانون في مجلس الوزراء وتلزيم دراسة التفكيك الحراري تطبيقا لقرار مجلس الوزراء، لا تشمل معالجة 670 مكبا عشوائيا على كافة الأراضي اللبنانية، ولاسيما تلك الخطرة بينها لتسببها بتلويث التربة والمياه الجوفية والتنوع البيولوجي في الاودية او تلك المكبات الكبرى على الشاطئ التي تحولت الى جبال جديدة، كجزء من المشهد العام (البشع)!
فماذا في القانون الذي اقر؟ وماذا دار من مناقشات عميقة لإيجاد التمويل للمعالجة في ورشة العمل الإقليمية التي استضافتها بيروت نهاية الأسبوع الماضي؟ وماذا في تفاصيل تلزيم الدراسة الجديدة لاستشاري دانماركي. وما الذي يحصل في شكا كسابقة في ان تقرر بلدية بنفسها اعتماد تقنية الحرق، من دون الرجوع الى الوزارة المعنية والمختصة، ومن دون دراسة الأثر البيئي وتطبيق القوانين المرعية الإجراء؟ وهل قدر من انتظر طويلا ان يتم وضع ملف النفايات في لبنان على نار الاستراتيجية الحامية ان يشهد على رميه بعد طول انتظار في النار الحارقة؟
يطبّق مشروع القانون الجديد الذي اقره مجلس الوزراء في جلسته الأخيرة للمبادئ الأساسية والأحكام العامة لقانون حماية البيئة رقم 444الصادر عام 2002 وللقانون رقم 387 الصادر في 4 كانون الأول 1994 الذي أجاز للحكومة الانضمام الى معاهدة بازل التي تنظم حركة النفايات الخطرة عبر الحدود وطرق التخلص منها.
ولما كان قانون حماية البيئة العام 2002 قد أناط بوزارة البيئة في المواد 41 ، 49، 51 و ما يليها، مهام التخطيط، والمراقبة ووضع معايير وشروط معالجة النفايات الصلبة، فقد كان لزاما على وزارة البيئة ان تصدر المراسيم التنظيمية والقوانين لتنظيم معالجة هذا القطاع. صحيح ان مشروع هذا القانون كان قد أنجز منذ سنوات، ووضع على الصفحة الالكترونية لوزارة البيئة وفتح للنقاش، الا انه لم يناقش بالطرق المناسبة لتطويره، وقد تأخرت الحكومات السابقة كثيرا في وضعه على جداول أعمالها.
يهدف مشروع القانون كما ورد في مقدمته التي اقرها مجلس الوزراء الى: التخفيف قدر الإمكان من كمية النفايات المعدّة للتخلص، والتخفيف من كمية النفايات الصلبة الخطرة الواجب التخلص منها، وتسهيل إدارة النفايات الصلبة وتشجيع تدويرها وإعادة استعمالها، فضلاً عن المسؤوليات الناتجة عن الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة والإطار المؤسساتي.
كما يؤكد المشروع على ضرورة حماية وتحسين نوعية البيئة عبر وضع خطة متكاملة لمعالجة جميع أنواع النفايات الصلبة ابتداءً من مصدرها وحتى التخلص منها وذلك بما يتناسب مع قدرة الدولة المالية على تمويل هكذا خطة؛ وعلى ضرورة منع رمي النفايات الصلبة عشوائياً وحرقها بشكل غير علمي وغير مراقب وذلك لما لهاتين الطريقتين من تأثير سلبي على البيئة. كما يؤكد على ضرورة تشجيع مشاركة القطاع الخاص على العمل في حقل النفايات الصلبة من اجل تخفيف الأعباء المالية عن كاهل الدولة اللبنانية، وعلى ضرورة إدارة ومراقبة طرق التخلص من النفايات الصلبة بهدف تخفيف آثارها السلبية على سلامة البيئة والصحة العامة لمنع تلوث المياه الجوفية والمياه السطحية، تلوث التربة والهواء، انبعاث روائح كريهة، انتشار الأوبئة، ازدياد القوارض والحشرات، تشويه المناظر الطبيعة، والحد من السياحة البيئية. والعمل على تشجيع تخفيف، وتدوير، وإعادة استعمال وإسترداد الطاقة الموجودة في النفايات الصلبة وذلك لحماية المصادر الطبيعية وتفادي سوء استعمال الأراضي. كما يؤكد «أن مشروع قانون الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة قد أعدته وزارة البيئة بالتنسيق مع الجهات المعنية بهذا القطاع ومنها وزارة الداخلية والبلديات، وزارة المالية، ومجلس الإنماء والأعمار».
مواد القانون
يتألف القانون من 53 مادة تتضمن أحكام ومبادئ عامة لخطة الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة والمسؤولية الناتجة عن الإدارة المتكاملة والإطار المؤسساتي والمسؤولية العامة الناتجة عن الإدارة بالإضافة الى مسؤولية التخطيط والتلزيم والتنفيذ وإدارة المعلومات. كما يتضمن مواد تتعلق بإدارة النفايات الصلبة الخطرة وتلك غير الخطرة، بالإضافة الى مواد تتعلق بالتمويل واسترداد الكلفة والحوافز، بالإضافة الى المواد المتعلقة بالملاحقات والعقوبات الإدارية والجزائية والخطط الانتقالية والنهائية.
واذ يحتاج مشروع القانون الى مراسيم تنظيمية، علمت «السفير» ان هذه المراسيم قد تم انجازها سابقا وهي لا تزال تخضع للمناقشة.
ضريبة على معالجة النفايات
في خضم البحث عن القوانين الناظمة والتقنيات لمعالجة النفايات، نظمت «الشبكة الإقليمية لتبادل المعلومات والخبرات في مجال إدارة النفايات في دول المشرق والمغرب» (سويب نت) ورشة عمل اقليمية نهاية الأسبوع الماضي في بيروت لمناقشة الجوانب الضريبية والمالية والاقتصادية في ادارة النفايات الصلبة. وبعد ان تم عرض لتجارب بعض الدول الأعضاء في الشبكة (لاسيما في تونس والجزائر واليمن)، تبين من العرض اللبناني ان لا نصوص تشريعية واضحة حول هذا الموضوع وان كل ما هو مذكور في التشريعات اللبنانية قد ورد في قانون البلديات ضمن الضريبة البلدية على المسكن تحت مسمى «كناسة وحراسة»، وهي تشكل مبلغا زهيدا جدا من الضريبة البلدية. في حين ان كلفة المعالجة في لبنان باتت كبيرة جدا ولاسيما في منطقتي بيروت وجبل لبنان، حيث تلتزم شركة واحدة أكثر من نصف نفايات لبنان. بحسب دراسة وزارة البيئة، تختلف كلفة المعالجة بين منطقتي بيروت وجبل لبنان والمدن والقرى الأخرى. الجمع: بين 5 و30 دولارا للطن الواحد. الفرز: بين 7 و25 دولارا للطن الواحد.
التسبيخ: بين 10 و25 دولارا. اما التعليب فتبلغ كلفته حوالى 20 دولارا للطن (في بيروت وجبل لبنان فقط)، في حين ان الطمر الصحي فهو يتراوح بين 10 و45 دولارا للطن الواحد.
ما هي التقنيات؟
واذ طرحت فكرة الضريبة على النفايات من اجل «استرداد كلفة المعالجة»، حصلت اعتراضات كثيرة على هذه الفكرة. الاعتراض الأول جاء تحت عنوان كيف لنا ان نضع ضريبة لاسترداد الكلفة ونحن لا نعرف ولم نحدد بعد ما هي تقنيات معالجة النفايات ولا كلفتها؟ وما هي الخطة الوطنية لمعالجة النفايات في لبنان؟ فاذا كان في هذه الخطة فرز وإعادة التصنيع، ففي إمكان هذه العملية ان توفر بعض المال ويمكن استرداد جزء من الكلفة من بيع المواد القابلة لإعادة التصنيع. اما اذا كان الخيار الحرق او الطمر لمعظم النفايات، فالكلفة ستكون أعلى. بالإضافة الى فكرة توليد الطاقة من حرق النفايات التي تم تبنيها رسميا والتي لا يعرف بعد ما الذي تتطلبه من استثمارات وما هو مردودها، علما ان تقنيات الفلترة لهذه العملية مكلفة جدا، وتحتاج الى صيانة دائمة وعالية الكلفة أيضا.
الضريبة على الاستهلاك
اما الاعتراض الثاني على «ضريبة استرداد الكلفة» فقد جاءت من البيئيين الذين ينظرون الى القضية البيئية من خلفية فلسفية، ففي عرْف هؤلاء، هناك أهداف أخرى للضرائب المسماة «بيئية»، غير استرداد الكلفة، وهو تغيير السلوك والاتجاهات والمساهمة في عدم التلويث قبل تطبيق مبدأ «الملوث يدفع». مقترحين ان تكون الضريبة على السلع وعلى الاستهلاك. واذا طرح الكثير من الأفكار من قبل الجهة المنظمة حول كيفية وضع الضريبة مثل الزيادة على القيمة المضافة او ان تكون مع فواتير المياه او الكهرباء او الضريبة البلدية، لم يؤخذ بكل هذه الأفكار، بل حصل إجماع في النهاية حول فكرة ان تكون الضريبة على السلع التي تتحول الى نفايات، سواء تلك المستوردة او تلك المنتجة (المصنع) او على المستهلك. فالضريبة على الاستهلاك هي الأكثر عدالة، كون الضريبة البلدية هي على الجميع، مع العلم ان بعض أهالي القرى لا ينتجون الكثير من النفايات ولاسيما العضوية منها وليس عدلا ان يدفعوا ضريبة على النفايات مثلهم مثل من ينتج ما يقارب كيلوغرامين من النفايات يوميا!
كما طرحت أفكار حول كيفية التحصيل وسهولته وفعاليته كأحد معايير الضريبة. وفي نهاية المفاوضات حصل إجماع على ان تكون الضريبة على الاستهلاك وعلى السلع وليس عبر فواتير أخرى. كما اتفق على ان يكون هناك صندوق خاص بالبيئة يتغذى من الضرائب البيئية.
من سمح بمحرقة شكا؟
المعلومات المتوافرة عن محرقة النفايات في شكا من مصادر فضّلت عدم ذكر اسمها، ان بلدية شكا تعاقدت مع شركة انكليزية لتركيب محرقة للنفايات الصلبة وقد قامت بانشاء معمل للفرز يتضمن خطوط فرزٍ للنفايات وبيع ما يمكن ان يفرز من حديد وبلاستيك ومعادن اخرى وحرق البقية في المحرقة. واذ تفيد المعلومات ان المطلوب حرق ثمانية اطنان من النفايات في اليوم، وان للمعمل امكانيات اكبر لحرق نفايات خارج نطاق بلدية شكا. كما علم ان كلفة هذا المعمل هي بحدود 180 الف دولار اميركي دفعتها بلدية شكا بعد ان استحصلت على تراخيص من المحافظ وبعد ان حصلت على موافقة ديوان المحاسبة وأجرت مناقصة شاركت فيها شركات عدة وقد فازت الشركة الانكليزية كما ذكرت المصادر. ولكن اين رأي وزارة البيئة التي يفترض أن يكون لها الرأي الأساسي في الموضوع؟ وزير البيئة ناظم الخوري اكد لـ«السفير» أن ملف هذه المحرقة لم يمر على الوزارة، او عليه شخصيا، واعدا بالمتابعة.