
الفوسفات يتسبب بـ«موت البحيرات»... القرعون نموذجاً: لقد عرفت مشكلة تلوث الماء منذ زمن بعيد. ومثل هذا التلوث ينجم عن تكاثر الكائنات الدقيقة بمعدلات كبيرة وبانتشارها على مساحات واسعة في الأنهار والبحيرات. مع ازدياد عدد السكان وازدياد ... التفاصيل
لقد عرفت مشكلة تلوث الماء منذ زمن بعيد. ومثل هذا التلوث ينجم عن تكاثر الكائنات الدقيقة بمعدلات كبيرة وبانتشارها على مساحات واسعة في الأنهار والبحيرات. مع ازدياد عدد السكان وازدياد النشاطات الصناعية وتنوعها وبروز ظاهرة ارتفاع معدلات الحرارة، استمر تلوث الماء بالازدياد حتى وصل الى درجة ان الكثير من البيئات المائية أصبحت غير قادرة على التنقية الذاتية. وفي العشرية الأخيرة تدهورت نوعية المياه في اكثر البلدان في العالم الى مستوى خطير وذلك بسبب نمو غير محسوب لانواع من الطحالب من فصيلة السيانوبكتيريا او الطحالب الزرقاء المخضرّة التي تفرز مواد مسمّة تحدث خللا في الحياة المائية وينجم منها انعكاسات كبيرة في النظام البيئي ومنها القضاء على الأسماك، الحشرات، البلانكتون الحيواني وحتى أنواع الطحالب المتنوعة. هذا الوضع المستجد له تأثيرات عديدة على صحة الإنسان اذ ان السموم التي تفرزها هذه الأنواع تسبب أمراضا عديدة كالحساسية وأمراض الكبد والأمراض العصبية، وقد أثبتت الدراسات العلمية مؤخرا علاقة هذه السموم مع بعض الأمراض السرطانية.
تعتبر بحيرة القرعون في لبنان مثالا (سلبيا) لظاهرة تلوث المياه، وقد اصبحت بحيرة ميتة وخطرة جدا، من شبه المستحيل معالجتها. مما يفرض علينا التفكير مليا قبل البدء بانشاء سدود جديدة مماثلة.
الأسباب الرئيسية لتلوث المياه
يعود السبب الرئيسي لتلوث المياه الى تصريف مياه الصرف الصحي غير المعالجة او المعالجة على نحو غير كاف في الأنهار ومستودعات المياه. ومع نمو الصناعة خلق تصريف مياه النفايات الصناعية مشكلات جديدة والمشكلة الأخيرة لتلوث المياه زيادة التشبع الغذائي eutrophisation التي تسبب فيها مياه الصرف الزراعي المحمّلة بالأسمدة و كذلك المبيدات.
من ضمن اكثر المواد المغذية المسببة لهذا التدهور تراكيز الفوسفات التي تزايد نسب تواجدها في المياه بشكل كبير.
فمركّبات الفوسفور مركّبات ثابتة من الناحية الكيميائية، لذلك فان آثارها تبقى في التربة زمنا طويلا ولا يمكن التخلص منها بسهولة. فالجزء الذي يزيد عن حاجة النبات يذوب في مياه الري ويتم غسله ليصل في نهاية الأمر الى المياه الجوفية. وتشترك كل من مياه الصرف الزراعي والمياه الجوفية ومياه الأمطار في نقل هذه الأسمدة الى المجاري المائية مسببة ظاهرة التشبع الغذائي.
ومن الأسباب الأساسية الأخرى التي تساهم في تغذية المياه بالفوسفات مساحيق الغسيل و مواد التنظيف المنزلي.
فمساحيق الغسيل تحتوي على نسب مرتفعة من الفوسفات ( الماركات المتداولة في لبنان تحتوي على 30%) والامونيا والنفتالين والفينول وغيرها... وكثير من الناس لا يعرف شيئا عن تركيب هذه المساحيق ولا عن أثرها البيئي. كما ان وسائل الإعلام نادرا ما تتطرق اليها.
موت بحيرة القرعون
من المسببات الرئيسية لتواجد الكميات الكبيرة من الفوسفات في المسطحات المائية انها مصدر رئيسي وأساسي لنمو وتكاثر الطحالب اذ انه في البداية تكون التغذية طبيعية فتكثر الانواع كالطحالب الخضراء ثم ما تلبث ان تتواجد انواع من السيانوبكتريا تدخل في تنافس على المصدر الغذائي الذي هو الفوسفات فتفرز سموما تقضي على كل الأحياء الأخرى فما تلبث ان تتسيد المحيط المائي كما يحصل حالياَ في بحيرة القرعون، اذ ان الوضع الحالي يعتبر مأساويا، اذ ان البحيرة تصنف بالـ hypereutrophe اي الكثيرة التشبع، والسبب الرئيسي هي نفس الاسباب الآنفة الذكر. فكميات الفوسفات التي ترمى في البحيرة تستهلكها بالكامل انواع محددة من السيانوبكتريا كمثلMicrocystis aeruginosa و Aphanizomenon ovalusporum (نسبة الفوسفات بحدود 0.1 ملغ/ل.) مشكّلة تدهوراً بيئيا يعرف بالبلوم )bloom). ومن ظواهرها وجود نوع او نوعين من هذه الاجسام المجهرية على سطح الماء بسماكة 10 الى 20 سم مانعة اشعة الشمس من الولوج الى الطبقات السفلى. وكذلك فان كثافة هذه الانواع تلونها بالاخضر مع انبعاث روائح كريهة محدثة احمرار في العيون وحكاك عند لمس الماء .
منع الفوسفات عالميا
امام هذه المعضلات البيئية التي لا يخلو منها بلداً في العالم وخاصة في اميركا، كندا والصين، قررت المجموعة الاوروبية بعد انقضاء سنوات من النقاش منع استعمال الفوسفات في تركيب مساحيق الغسيل والمنظفات المنزلية ويطبق هذا القرار بشكل قاطع سنة 2013. وحاليّاً بدأت تتنافس اصناف عديدة من المساحيق لخلوها من الفوسفات. والبدائل هي باللجوء الى الكيمياء الخضراء اي تخليص الكيمياء من جانبها القبيح المتمثل باضرارها على البيئة. من المواد التي اخذت بالرواج هي مادة الزيوليت المستخرجة من النبات وهي مركب من سيليكات الالمنيوم والصوديوم. كذلك ينصح باستعمال مساحيق تحتوي على حامض البوريك وهو ملح طبيعي ويعمل كمثبت للانزيمات وكذلك كلوريد الكالسيوم (ملح طبيعي) والغليسيرين الذي يقضي على البقع ويضمن فعالية التنظيف في المياه الباردة.
على المواطن
امام هذه المعضلة الخطيرة التي لن تنجو منها البحيرات الطبيعية او السدود وبانتظار الاجراءات التي على الهيئات الرسمية اتخاذها للحد من تدفق مركبات الفوسفات على المواطن ان يساهم في التخفيف من حدة التلوث باتخاّذه بعض الخطوات:
ـ اختيار المساحيق الصديقة للبيئة التي لا تحتوي الا نسبة قليلة من الفوسفور.
- الاستعاضة عن الأسمدة الكيميائية الغنية بالفوسفات باستعمال الكمبوست كسماد طبيعي والتخفيف من رش المبيدات الحشرية (كثير منها يحتوي على الفوسفور).
- على هيئات المجتمع المدني ان تراقب وتمنع سيل المياه المبتذلة الصحية على مجاري الأنهار.
على الدولة
- على الدولة تشغيل محطات معالجة وتكرير المياه الآسنة والصناعية التي أنشئت في كثير من المناطق ضمن الخطة العشرية بهدف التخفيف من الملوثات. لكن للاسف هناك صعوبة كبرى بازالة اكثر من 30% من الفوسفات. ففي دراسة اجريت مؤخراً في الولايات المتحدة الاميركية تبين ان هنالك ما بين 90،7 ـ 226،6 مليون كيلوغرام من الفوسفات ترمى في المسطّحات المائية سنوياّ مسببة نموا كثيفا للطحالب وتدهورا للبيئة المائية واكدت دراسات اجريت في كندا بان فعالية محطات التكرير الأكثر تطورا، لا تستطيع ان تزيل الفوسفات وكذلك من الصعوبة التخلص من السموم التي تفرزها السيانوبكتيريا غير القابلة للتفكك الحيوي.
- لذلك من الضروري وقبل ان نباشر بإنشاء السدود، ان تاخذ دراسة الاثر البيئي سبل حماية البيئة المائية بمنع وصول تراكيز الفوسفات الى المحيط المائي.
- وضرورة انشاء محطات للمعالجة وابعاد مصادر التلوث التي تهدد التنوع البيولوجي الطبيعي.
- والعمل الحثيث على سن القوانين الهادفة الى منع تراكيز الفوسفور في مساحيق الغسيل والمنظّفات المنزلية.