
ما أن تلوح في سماء لبنان أرتال من الصقور والعُقبان والبجع بأنواعها الكثيرة، حتى يمطرها الصيادون بنيران ...
ما أن تلوح في سماء لبنان أرتال من الصقور والعُقبان والبجع بأنواعها الكثيرة، حتى يمطرها الصيادون بنيران البنادق الحربية إن كانت على ارتفاع لا تصل اليه بنادق صيدهم العادية.
وحدها أسراب البط والإوز البري تعبر بسلام كونها تطير ليلا فيما تسمع أصواتها وهي تتعقب بعضها في مسارات محددة، خصوصا إذا علمنا أن لبنان يعتبر ثاني أكبر مسار للطيور المهاجرة عالمياً، وفق «المجلس العالمي لحماية الطيور».
ثمة وقائع متناقضة يمكن رصدها من خلال «مركز التعرف على الحياة البرية والمحافظة عليها» في مدينة عاليه، فهو إلى كونه أحد أهم مراكز الأبحاث العلمية التي تعنى بالحيوانات البرية في لبنان، يتحول في هذه الفترة إلى ما يشبه «مستشفى» يؤمه اللبنانيون من مختلف المناطق، ممن عثروا على طيور مصابة، بمعنى أننا نجد مشهدا نقيضا للقتل والإبادة لدى أناس يقطعون مسافات طويلة في محاولة لإنقاذ طائر مصاب سقط بالقرب منهم أو رأوه صدفة على قارعة الطريق مضرجاً بدمه.
حرام صيدها
استقبل المركز منذ عشرة أيام أكثر من مئة طائر مصاب، فيما يتوقع أن يتضاعف هذا الرقم عندما يصل موسم هجرة الطيور إلى الذورة في الأسابيع المقبلة، وحسب رئيس المركز الدكتور منير أبو سعيد «هناك موسمان للهجرة في الربيع والخريف، وخلالهما نستقبل طيورا جلّها من الطيور الجارحة، أي أنها لا تؤكل وتقتل خلال مرورها فوق لبنان، وهذه الطيور حرام صيدها نظرا لمنافعها الكثيرة بحيث نخسر حلقة مهمة من حلقات التوازن البيئي، كونها خلال مرورها تقتات على الجرذان والفئران والافاعي والحشرات ومنها دودة الصندل».
وحسب أبو سعيد «تمر فوق لبنان معظم أنواع الطيور الجارحة مثـل (عقــاب بو الحيــات)، (عــقاب بو فار)، (الصقر الجراح) وكان يعيش في لبنان قبــل أن ينقــرض من بيئتنا الطبيعية، فضلا عن (باشق العويسق) الذي كان يعشش في لبنان أيضا، و(الشاهين)، و(الباز) وأنواع من النسور، إضافة إلى أنواع كثيرة لم تعد موجودة وما عدنا نراها كطيور مهاجرة، كما هناك طيور (اللقلق) أو (البجع) ويعرف أيضا بـ (الرهو الابيض)».
تغيير مسارات الهجرة... وأخطارها
وبحسب خبراء بيئيون، هناك 15 منطقة مهمة في لبنان بالنسبة الى الطيور المهاجرة، ويرى أبو سعيد أن «لبنان محظوظ بوجود تيارات الهواء الساخنة التي ترفع الطيور وتخفف عنها صرف الكثير من الطاقة التي غالباً ما تستهلكها خلال الطيران»، ويضيف «لكن إلى جانب ذلك هناك الصيد العشوائي غير المنظم، ومع مرور الوقت وعندما تجد هذه الطيور أنها موضع خطر دائم ومن أجل الحفاظ على النوع تقوم بتغيير مسار هجرتها من لبنان إلى مواقع أخرى، لذلك شهدنا تراجعاً في أعداد الطيور المهاجرة فوق لبنان بشكل مخيف، ومن هنا نجد أن الآفات الزراعية كثرت بشكل غير معهود من قبل ونضطر لمكافحاتها بالمبيدات السامة»، وأكد أن «أنواعا كثيرة غيرت مسارها وما عدنا نراها بكثرة في سمائنا».
حماية الطيور المهاجرة
وثمة مشروع بيئي قيد الإعداد لتكون منطقة «رأس الجبل» في مدينة عاليه موئلا بيئيا لحماية الطيور المهاجرة كي يتمكن المواطنون من الإفادة من السياحة البيئية بهدف تحويل هواية مراقبة الطيور الى قطاع اقتصادي منتج بدلا من قتل الطيور وصيدها، خصوصا أن هذه المنطـقة تعتبر ممرا لانواع كثيرة من الطيور المهاجرة في هذا الفترة من العام.
ويشير رئيس بلدية عاليه وجدي مراد إلى «أهمية التوازن البيئي والحفاظ على الانواع المهددة بالانقراض»، مؤكدا «استعداد بلدية عاليه دعم مبادرة الحفاظ على الطيور وتنظيم الصيد البري وتقديم كل التسهيلات الضرورية التي تسهل مراقبة الطيور ضمن مفهوم تنموي عام، الهدف منه تشجيع السياحة البيئية انطلاقاً من منطقة رأس الجبل».
أما أبو سعيد فيتوقــع زيادة كبيرة في أعداد الطيور المصابة طوال الشهر الحالي، ويقول: «الطيور المصابة إصابات خفيفة نداويها ونعيد إطلاقها، أما الطيور المصابة بكسور في أجنحتها فتبقى في المركز إلى أن تنفق لأنها غير قابلة للشفاء ومعاودة الطيران، ونؤمن لها الطعام والرعاية الدائمة»، ويشدد على «ضرورة تنظيم الصيد والاستناد لقوانين واضحة تحاسب وتقاضي المعتدين».
وعن كلفة علاج الطيور المصابة، يوضح أننا «نعالجها على نفقتنا كمركز ولا نريد توظيف هذه المشكلة في طلب الاغاثة من أحد، وعندما لا يعود في مقدورنا استقبال الطيور المصابة نعلن ذلك، لأننا موجودون منذ عشرين سنة في هذا المركز وسنستمر»، ويشير إلى أن «هناك صعوبات تحول دون إمكان تكاثر الطيور الجارحة في المركز خلافاً لبعض أنواع الحيوانات البرية، ولا نطالب بأكثر من تنظيم الصيد البري».
السفير - انور عقل ضو