
حرج علي الطاهر في النبطية يتحول إلى محمية... بعد تأهيله: يُنتظر أن ينعم «حرج علي الطاهر» بالاخضرار والجمال مجدداً بعد اليباس والدمار الذي طاوله إبان الاحتلال الاسرائيلي له على مدى حوالى عقدين من الزمن، وذلك من خلال حملة كانت قد أطلقتها بلدية النبطية الفوقا قبل
يُنتظر أن ينعم «حرج علي الطاهر» بالاخضرار والجمال مجدداً بعد اليباس والدمار الذي طاوله إبان الاحتلال الاسرائيلي له على مدى حوالى عقدين من الزمن، وذلك من خلال حملة كانت قد أطلقتها بلدية النبطية الفوقا قبل فترة من الوقت، بهدف إعادة تأهيله وتشجيره، وتحويل أجزاء منه إلى حديقة ومحمية عامة حملت اسم «محمية شهداء المقاومة» عربون وفاء وتقدير لتضحيات وجهود المقاومين الذين استشهدوا دفاعاً عن أرض الجنوب والوطن.
اشتهر حرج علي الطاهر قبل العام 1975 بغابته الكثيفة من أشجار السنديان والملول المعمِّرة المترامية الأطراف، والممتدة على مساحة مئات الدونمات من المرتفعات الصخرية العائدة «لمزرعة الطهرة» التابعة عقارياً لبلدة النبطية الفوقا، التي تحده من الجهة الغربية، ونظراً لهذه المواصفات فقد شكّل الحرج «محمية طبيعية» قائمة بحد ذاتها باتت مرتعاً للحيوانات البرية كالضباع والثعالب والذئاب والخنازير ومختلف أنواع الطيور، إلا أنه ومع بداية الحرب الأهلية اللبنانية تعرض الحرج المذكور لهجمة شرسة من الحطابين من أبناء القرى والبلدات المجاورة له، ما أدى إلى القضاء على قسم منه، قبل أن يتحول لأكثر من سبع سنوات إلى خط للتماس بين ما كان يسمى «بدويلة سعد حداد» والمناطق المحررة، مما عرضّه لتبادل القصف المدفعي بين الطرفين، الأمر الذي أدى إلى إحراق قسم كبير منه، ونفق وهرب معظم حيواناته وطيوره.
سمي حرج علي الطاهر، نسبة لمقام الولي «علي الطاهر» المدفون في التلة الجنوبية منه قبل مئات السنين، والذي كان حتى منتصف السبعينيات يعتبر مزاراً مهماً يقصده أهالي منطقة النبطية للتبارك به، وإيقاد الشموع بداخله، كما شكّل الحرج والمقام مقصداً للرحلات والنزهات المدرسية والمخيمات الشبابية والكشفية لجمال طبيعته وهدوئه ونظافة بيئته وكثافة أشجاره.
حولت قوات الاحتلال الإسرائيلي في العام 1985 «مقام علي الطاهر» إلى موقع لميليشياتها المتعاملة معها، كما يقول مختار بلدة كفرتبنيت علي بشر، لافتاً إلى أنه منذ تلك الفترة وحتى موعد الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب والبقاع الغربي في الخامس والعشرين من أيار عام 2000 تعرض حرج علي الطاهر لأبشع مجزرة بيئية طاولت شجره وحجره وحيواناته وطيوره، جراء تحوله إلى ساحة حرب أكلت الأخضر واليابس لأكــثر من ستة عشر عاماً متواصلة، فقضت على أكثر من ثمانين في المئة من أشجار السنديان والملول الكثيفة التي كــانت تكـــسو تلاله، بعد أن غدت غابته الخضراء الريانة شبــه صحــراء قاحــلة، لم يتبقَ منها في الوقت الحاضر سوى مئات الأشجار المثخنة بجراح الحرب.
المؤسف في حرج علي الطاهر هو تحول جزءٌ منه بعد التحرير إلى مكبٍ للنفايات ومحارق لإطارات السيارات المستعملة بحسب فايز جابر المجاور منزله للحرج، مما ساهم بنظره في تشويه أراضيه وأشجاره وطبيعته، وجعلها بؤرة للحرائق والأوساخ والنفايات، ليزول بذلك أثر آخر لجمال الطبيعة في الجنوب بفضل الحروب والعبث والإهمال التي استهدفت بشره وشجره وحجره من دون هوادة.
شجرة بدل كل لغم
إعادة تشجير وتأهيل حرج علي الطاهر، بعد ما عانى الكثير من الاحتلال الاسرائيلي، جاءت بعد سلسلة قرارات من البلدية واللجنة الأهلية البيئية، والقاضية بإطلاق حملة لإعادة زراعة وتشجير حرج علي الطاهر، وفق رئيس بلدية النبطية الفوقا راشد غندور، الذي اكد أن هذا الحرج عمره يفوق مئات السنين، وكان مرتعاً ومتنزهاً يطل على جميع القرى والبلدات الجنوبية الأبية من مختلف الجهات، فكان أخضر على مدار السنة، «لذلك نريده أن يبقى كذلك، وعلى هذا الأساس كان لا بد من إعادة زراعة شجرة مكان كل واحدة أحرقت أو اقتلعت».
ويوضح غندور أن البلدية باشرت بهذه الحملة بعد التأكد من انتهاء عملية نزع الألغام والقنابل العنقودية الإسرائيلية من الحرج المذكور التي أنجزتها الفرق العاملة في نزع الألغام في الجنوب والجيش اللبناني وهم مشكورون على ذلك، للتمكن من الدخول إلى هذه الغابة باطمئنان، لافتاً إلى أن أقل الوفاء للمقاومين ولدمائهم الزكية التي سالت على أرض حرج علي الطاهر وروته وفتّحت أزهاراً ورياحين، أن تقدم لهم «محمية شهداء المقاومة»، على بقعة أرض مساحتها ثمانية دونمات لا يزال القسم الأكبر منها يحتفظ بأشجار السنديان الصلبة، فيما القسم الآخر تعرض للحريق واليباس والتهمت النيران أشجاره، لذلك أعدنا غرس هذا القسم بأشجار السنديان والسرو والصنوبر والأرز والشوح والغار والشربين وبعض اللوزيات.
امكانيات البلدية
وطالب غندور وزارة الزراعة والمسؤولين المعنيين والمهتمين بالشأن العام لكي يلتفتوا إلى أهمية موقع حرج علي الطاهر بما يحفظ جماله وأشجاره وصخوره وطبيعته، وذلك من خلال العمل على تشحيله وتنظيفه وتشجير المساحات الفارغة منه، مشيراً إلى أن كلفة الاهتمام بالحرج وإعادة تشجيره والحفاظ عليه تفوق إمكانيات البلدية المادية، لذلك فإنها بحاجة لمساعدة وزارة الزراعة على هذا الصعيد.
وبالرغم من ذلك يؤكد غندور أن البلدية تحافظ على الحرج في الوقت الحالي بإمكانياتها المتواضعة، لافتاً إلى قيامها في بداية العام الحالي وبالتعاون مع قيادة الجيش اللبناني وتوجيه من رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان برش بذور السنديان والصنوبر والأشجار الحرجية الأخرى على أرض الحرج والمنطقة المحاذية له بواسطة مروحية للجيش، كما كشف عن قيام البلدية بالكثير من حملات التشجير لكافة الطرقات العامة والفرعية وأحياء البلدة وفي خراجها العقاري، إضافة لإنشاء عدد من الحدائق العامة انطلاقاً من أن الاهتمام بالاخضرار والأشجار يشكل الشغل الشاغل للبلدية، وبفضل هذه الحملات تحولت البلدة إلى جنة غناء.