
حطب البساتين ملاذ الفقراء في "بورصة" المازوت و"شبيحة الحطب" يستبيحون الأشجار الحرجية: باتت الشتوية على الحطب طقسا متبعا في معظم قرى وبلدات راشيا والبقاع الغربي، يفاخر به المواطن، ليس انتقاصا من قدر مدافئ المازوت أو الغاز، بل هربا من التورط في الحديث عن الا
باتت الشتوية على الحطب طقسا متبعا في معظم قرى وبلدات راشيا والبقاع الغربي، يفاخر به المواطن، ليس انتقاصا من قدر مدافئ المازوت أو الغاز، بل هربا من التورط في الحديث عن الاكتواء بنار ارتفاع سعر مادة المازوت، إذ بات الميسور متقززا من بلوغ برميل المازوت أكثر من 350 ألف ليرة، فكيف بالفقير المعدم الذي لا يقوى على شراء بضع تنكات من تلك المادة، وكيف يمضي الشتاء على وجاق المازوت؟
واقع الغلاء في مادة المازوت، دفع بمئات العائلات الى العودة الى أراضيهم بعد هجرانها، فتراهم يبكرون الى بساتينهم، يشحلون ما تيسر من أغصان وجذوع يابسة، ويعملون الفأس أو المنشار الكهربائي في شجرة بطم من هنا أو زعرور من هناك أو كعب لوزة تميل الى اليباس نتيجة عطشالسنين وقلة ذات اليد. هذه العودة الى الارض قد لا تكون موسمية، لكن أحدا من المزارعين والفلاحين لن يمس شجرة سنديان او ملول، ليس لأن العين مفتحة على أهل القرى واصحاب الارزاق بل لأن ثقافة اصحاب الرزق تعرف قيمة تلك الشجرات المنتشرة في حنايا الحقل.
ما لم يقدم عليه أصحاب الرزق في كرومهم وبساتينهم، أقدم عليه قراصنة الحطب الأخضر في وضح النهار وفي كنف الليل إذ امتدت اياديهم اليابسة الى الأشجار الحرجية في عدد من قرى راشيا، سيما وأن رياح "التشبيح" على الغابات مؤاتية، نظرا لبعد تلك الأحراج عن عيون حراسها وحماتها الغائبين عن مهامهم، تبعا لظروف باتت معروفة ومستهلكة، فمرة هناك نقص في العديد ومرارا عدم توفر آليات التنقل التي تصل الى تلك الأحراج، وأكثر المرات، صعوبة في مراقبة هذا الكم الكبير من غابات واحراج المنطقة، سيما وأن الرقابة المحلية من البلديات شبه غائبة خاصة في الليل الذي يسرح فيه شبيحة الحطب ويمرحون، لا بل يعملون مناشير الحطب الكهربائية في الليالي العاصفة، لأن لا أحد يسمع ولا عين ترى، فيما مساحات راشيا الخضراء تتقلص، وثمة من يتملص من مسؤوليته تجاه واقع بدأ يميل نحو تصحر حرجي، إذا لم يتحرك المعنيون لوضع حد لهذا التدهور البيئي.
قد يكون غلاء مادة المازوت مبررا لاستخدام الحطب عند مئات العائلات التي تقصد رزقها، ولكن واقع الامر مختلف في جوهره، إذ يرى رئيس بلدية المحيدثة في قضاء راشيا نبيل جمال ان الحطب ملاذ الفقراء ومقصدهم كونه أوفر لجيوبهم من المازوت من جهة، وأكثر جاذبية لواقعهم من جهة ثانية، ولكن تجميع الحطب عند غالبيتهم يبدأ منذ فصل الربيع والصيف، عبر تشحيل الكروم وتبديل النصوب، وتجميع ما هو يابس في اراضيهم أو في الاحراج القريبة، لا سيما أن التكسير كان ضخما العامين الفائتين بسبب العواصف والثلوج، ومن المستحسن اخراج هذه الاشجار اليابسة من الاحراج كي لا تسبب الحرائق، لكنه تخوف من سياسة مد اليد على الثروة الحرجية في المساحات الخضراء المحيطة ببلدة المحيدثة وجبالها، نظرا لانفتاحها على طرق فرعية متعددة وبعيدة عن عيون ابناء البلدة، إذ تخوف من يد غريبة تمتد على الاحراج، داعيا مسؤولي الاحراج الى اتخاذ الاجراءات التي من شأنها مساعدة البلديات في مهامها لحماية الاحراج واتخاذ الأساليب الرادعة التي تمنع هذه القرصنة المنظمة من تجار ومواطنين ومن "حرامية الليل"، إذ اعتبر ان دعم المازوت من قبل الحكومة اللبنانية من شأنه ان يخفف من حالات القرصنة.
واذ شجع على توسيع المدى الاخضر وتحريج الجبال والمناطق التي بدأ يجتاحها التصحر، شدد جمال على اطلاق يد البلديات ودعمها في ميزانياتها من اجل مراقبة الاحراج وحمايتها، وبالتالي تنظيم حق المواطنين في ارزاقهم وارشادهم، لكنه لم ينف ان شتوية الحطب هاجس اهل القرى الجبلية، لا سيما قبالة جبل الشيخ الذي تكلل بثلوجه واخذ يرسل صقيعه وبرده الى قرى المنطقة، التي لا تقاوم الا بالحطب.
المواطن جودت زين الدين من بلدة البيرة، اعتبر ان مادة المازوت حيوية وحاجة ملحة لكل منزل رغم وجود وجاق الحطب ولكن الوضع المعيشي يسوء يوما بعد يوم والمواطن غير قادر على تحمل اعباء اضافية، لا سيما ان موجة الغلاء طالت كل شيء، اذ رأى ان مادة المازوت باتت سلعة في سوق سوداء، تختفي وتظهر دون حسيب او رقيب وبورصة تحتاج الى حساب قطع، فيما نقلة الحطب على الـ "كاش" ومن بمقدوره ان يدفع اكثر من الف دولار ثمن بيك اب حطب؟
فراس جمال صاحب ستوك حطب في بلدة المحيدثة يرى أن تجارة الحطب ناشطة في راشيا والبقاع الغربي، وهناك تحول كبير باتجاه الحطب نتيجة عدم دعم المازوت من جهة ونظافة الحطب، لافتا الى أن لهذه التجارة قوانين باتت صارمة، حيث منعت تجارة الشجر الحرجي بالمطلق في الاملاك العامة والخاصة، حتى تلك المحاطة ببساتين الليمون، كاشفا عن اجراءات جديدة هي الكشف على حمولة حطب الليمون اذا كانت صالحة وخضراء او يابسة.
ولفت الى ان سوق الجنوب لم تعد كما كانت في ظل تلك القوانين، فيما السوق الرئيسية من سوريا مجمدة في ظل ما يجري من احداث أمنية، لا سيما من منطقة حمص ومن بعض المناطق على الحدود مع تركيا خاصة سوق حطب الزيتون، حيث كان يدخل الى لبنان عبر الجمارك وكان يكفي السوق المحلية ويشحن قسم منه الى قبرص. واشار الى ندرة دخول حطب اللوز عبر منطقة القاع من حمص الى البقاع بسبب ما يحصل على الحدود، معتبرا ان هناك اعتمادا على جفت الزيتون المضغوط عبر مكابس خاصة، وعلى بذور التمر المجروشة وقشر اللوز وغصون الصنوبر، وفرم العريش، فضلا عن تجارة دوالي وكعوب عرائش العنب والكروم الارضية.
جريدة المستقبل