
على الحافة غزو المشروبات الغازية!: لطالما أثرنا قضية او مشكلة «دمج الأعمال بالبيئة»، التي اعتبرناها جزءا من المشكلة البيئية المتمادية. ان عن طريق استخدام وسائل اعلام «بيئية» لتبييض صفحة الملوثين، او عبر دعم مؤتمرات عن البيئة برعاية ودعم ملوثين، او تبني مفاهيم
لطالما أثرنا قضية او مشكلة «دمج الأعمال بالبيئة»، التي اعتبرناها جزءا من المشكلة البيئية المتمادية. ان عن طريق استخدام وسائل اعلام «بيئية» لتبييض صفحة الملوثين، او عبر دعم مؤتمرات عن البيئة برعاية ودعم ملوثين، او تبني مفاهيم مثل «الاقتصاد الاخضر» لتبرير تسويق تكنولوجيا جديدة تحت عنوان البيئة...الخ. اما ان تستعين جامعات عريقة بشركات ومؤسسات تجارية (اقل ما يقال فيها ان طرق استثمارها تشكل كوارث بيئية)، للقيام بنشاطات بيئية... فامر لم يعد يجوز السكوت او تجاهله!
فمن يتابع حجم التبرعات السنوية للجامعات الكبرى في لبنان، لا سيما تلك التي تأتي من مصادر غير ذات مصلحة، لا يستطع ان يقتنع بأن هناك اضطرارا ما يدفع هذه الجامعات الى تقبل هبات ومساعدات ومنح من شركات متهمة بالقضاء على بعض الانواع الطبيعية النادرة او التسبب بتلوث بيئي عالمي كبير، او بتهديد مصادر موارد طبيعية او بتملك مصادر مياه عامة من غير وجه حق، او بانتاج سلع غذائية او غير غذائية مضرة بالصحة العامة او انها تنتج نفايات كلفة معالجتها عالية جدا... الخ.
مناسبة هذا الكلام ليس عقد المؤتمرات الإقليمية الضخمة التكاليف برعاية ودعم من مؤسسات ملوثة كما بات يحصل سنويا تحت عنوان ضمني «الاستثمار في البيئة»، انما قبول جامعات عريقة بتمويل «نشاطات بيئية» من إحدى اكبر شركات المشروبات الغازية المعروفة!
فكيف تقبل جامعات عريقة تلقي هبات ومساعدات ورعايات من شركات للمشروبات الغازية العالمية، والترويج لمنتجاتها بطريقة غير مباشرة مع علمها ان هذه الشركات تمارس ارتكابات ضخمة بحق البيئة والصحة العامة؟ فكما هو معلوم، تنفق هذه الشركات اكثر من مليار دولار سنويا على الإعلانات، ولا يضيرها شيء ان تنفق جزءا من اعلاناتها بواسطة الجامعات. الا ان الجامعة ليست وسيلة إعلان او لوحة على طريق او وسيلة نقل للترويج... ففي الجامعة يصنع العلماء وهي مصدر الاختبارات والاختصاصات والقيم... وان استخدام صروحها العلمية للترويج، امر في غاية الخطورة... ما يعيد طرح علامات استفهام واسئلة كبيرة مثل: ما هو دور الجامعة؟
كنا ننتظر من الجامعة ان تقوم بابحاث تبين فيها نوعية المياه المستخدمة في المشروبات الغازية ومصادرها، او بأبحاث عن عبوات المشروبات الغازية نفسها الزجاجية او المعدنية، والمواد الاولية التي تستهلكها من رمال او معادن لتتحول بعدها الى نفايات، بالاضافة الى حجم استهلاكها للطاقة، ودراسة عن الانبعاثات التي ترسلها معامل الانتاج والشاحنات التي تنقل هذه المشروبات يوميا وسنويا لتسويقها حول العالم، ودراسة عن المواد الكيميائية الضارة كالملونات والمواد الحافظة والأحماض والغازات والسكر التي تضاف اليها... بالإضافة الى محاولة تفكيك أسرار تركيبة بعض المواد المغرية والمخدرة المضافة التي تجعل أولادنا مدمنين لا يعرفون ان يأكلوا وجباتهم الا معها! او دراسة عن مادة الاكريناميد المحلية و المسرطنة لمشروبات الدايت، او دراسة عن نوعية المياه المستخدمة ومصادرها وطرق تملكها وكيفية تسعيرها بسعر ينافس اسعار المياه الطبيعية المعدنية المعبأة في الكثير من الاحيان.
فإذا كان المصدر الاساسي لهذه المشروبات هو المياه، فكيف تكون اسعارها تنافسية؟
من المتوقع ان يبلغ عدد سكان العالم اليوم 7 مليارات نسمة وهي نسبة مرجحة للتزايد بشكل كبير في السنوات المقبلة. ولعل الضغط الاكبر الذي ستشكله هذه الزيادة كما هو متوقع، سيكون على المياه العذبة. واذ نلاحظ ان الشركات المعولمة للمشروبات الغازية قد نجحت في ايصال بضاعتها الى العالم اجمع، ولا سيما الى الأحياء الأشد فقرا في البلدان النامية، فلا نعرف كيف يجسر احد على الكلام عن النقص في المياه!
فمتى يعاد النظر بهذه الافكار المعولمة التي تروج لكوارث مناخية ونقص كبير في المياه، ثم تعود لتسيطر على مصادر المياه وتلونها وترسلها في اوعية براقة الى كل بيت بأسعار تنافسية للمياه الطبيعية (التي يفترض ان تكون حقا من حقوق أي إنسان)... من دون أي مساءلة او محاسبة او ضريبة عادلة على الاقل؟!