
من الكورة الى زغرتا والضنية.. مقالع فوق القانون: افي كل يوم تخسر الطبيعة مساحات شاسعة من الاخضر بالجملة وان غرس بالمفرق، حتى أضحت معظم الجبال مشوهة بفعل ما ترتكبه مقالع المرامل والكسارات فيها من خرق فاضح للبيئة، لا ترتدع يد الانسان التي أضحت أشبه ... التفاصيل
افي كل يوم تخسر الطبيعة مساحات شاسعة من الاخضر بالجملة وان غرس بالمفرق، حتى أضحت معظم الجبال مشوهة بفعل ما ترتكبه مقالع المرامل والكسارات فيها من خرق فاضح للبيئة، لا ترتدع يد الانسان التي أضحت أشبه "بميليشيا"مستفيدين فوق القانون تفتك بالطبيعة ولا تبالي بالثروة الحرجية، أو أي نوع من الاشجار المعمرة، بهدف تحقيق الكسب المادي على حساب الطبيعة، على غرار ما ترزح تحته الجبال في قضاء الكورة، كما حال الثروة الحرجية في زغرتا.
ويصف العضو السابق في لجنة حقوق الانسان في الامم المتحدة المحامي عبد الله زخيا مأساة البيئة في لبنان بـ "حاميها حراميها"، ويعتبر ان "الحياة نشأت واستمرت على الارض بفضل تطور مستمر استغرق مليارات السنين ونحن نقضي عليها هدما وتلويثا في أشهر، انه انتحار لنا ونحر للاجيال المقبلة".
ويرى ان "المقالع والكسارات محمية وحماتها من المسؤولين في الدولة، فالدولة ترعى التصحر وهدم الجبال كما رعت ردم البحر والتلوث وقطع الاحراج والتعدي على الاملاك العامة البحرية ".
ووفق رئيس هيئة حماية البيئة والتراث المحامي رفعت سابا فإن "ملف البيئة عموما وفي قضاء الكورة على وجه الخصوص ضخم جدا يبدأ بتلوث الشركات وانبعاث السموم منها، ولا ينتهي عند قضم الاخضر الذي لا حدود له. والمشكلة محصورة بالمقالع الضخمة، المفترض ان تنظم بطريقة جيدة للحد من أضرارها سواء من عملية تشويه الجبال أو انبعاث الغبار الذي يؤثر على صحة المواطنين في القضاء وكذلك على المواسم الزراعية المتنوعة ".
ويقول:" سابقا كنا نأكل التين والعنب من الكرم مباشرة واليوم لا نستطيع فعل ذلك. هناك اصابات سرطانية في بلدة فيع الكورة فهل مصدره هذا التلوث ؟ يجب وضع دراسة علميه وهو ما كنا نسعى اليه قبل نحو ثلاث سنوات من خلال تشكيل لجنة تتمثل فيها كل الهيئات، هذه اللجنه التي أنيط بها مهمة الاشراف على التلوث وتحديد مصدره لم تبصر النور، بسبب عدم تخصيص الاعتمادات وتأمين المعدات لها كي تباشر عملها". ويضيف : "لا توجد آلية لتطبيق القوانين ولا فائدة من الحديث اذا كان العمل يتم وفق تراخيص رسمية او لا، نحن نطالب بآلية لمراقبة وتنفيذ القانون وهذا يفترض ان يتم من خلال اللجنة الى اتفق عليها من الافرقاء كافة ولم تكتب لها الحياة ! والقانون يلحظ اعادة تأهيل الموقع بشكل شامل بعد رفع الاتربة منه، و تحديد الانبعاثات من خلال قياس الغبار،أو الآزوت، والكبريت...".
ويلفت الى ان "الكورة الخضراء معلنة محمية ولا تقف مشاكلها البيئية عند المقالع فقط بل تتعداها الى الماشية التي ترعى على أرضها وتهدد مواسمها، ومشاريع التحريج فيها، وكذلك عدم مكافحة مرض عين الطاووس بشكل جماعي وجدي حيث أضحت اشجارالزيتون المعمرة معرضة للمرض".
واذا كان حال طبيعة الكورة بهذا البؤس، فإن بؤس القرى الخمس في الضنية عبر خط زغرتا أشد وطأة وأقسى، من خلال استعمال المتفجرات بشكل واسع ! بحيث يدرك العابر على طول هذا الخط حجم المعاناة التى ترزح تحتها الجبال والثروة الحرجية بعد ان التهمتها الكسارات والمرامل العاملة في الليل والنهار جراء جشع المتسلطين عليها ، كما يبدو حال الطريق العام، التى تحولت الى خط رملى، جراء تصاعد الغبار الكثيف المنبعث من الكسارات التي تأكل الاخضر واليابس من جبال المنطقة المشهورة بثرواتها الحرجية، وبغنى أشجارها المتنوعة.
ولكي لا يظلم أبناء القرى الخمس، فهم يعانون بدورهم من آثار هذا الاعتداء على الطبيعة كما على صحتهم جراء ما تخلفه الكسارات من تلوث في الاجواء وهم الذين يتنقلون على الطريق العام بشكل يومي ويتألمون أكثر مما يجري من دون أن يكون لهم ناقة ولا جمل في الموضوع من أساسه بل يدفعون الثمن أيضا من صحتهم ومن تشويه الصورة الجمالية للجبال المحيطة بهم .وعند العبور من قرية صخرة التابعة لقضاء زغرتا ومن بعدها قرية الخالدية التابعة لقضاء بشري صعودا باتجاه القرى الخمس، تظهر مباشرة حركة الشاحنات العاملة على الطريق وما تنقله من مواد بحص ورمول لاستخدامها في المشاريع العائدة للابنية بعد ان تكون الجرافات امعنت عبثا وتدميرا في جبال المنطقة حيث لا تعرف محركاتها الهدوء ولا السكينة .
ويبدو ان العبث لا يقتصر على هذه المنطقة بل يتعداها الى العديد من القرى والبلدات الجردية الشمالية بعيدا عن القانون وعن تدابير وزارة البيئة وعن عيون الناس ونداءات الجمعيات البيئية وأنصار البيئة الذين يطالبون بوضع حد لانتهاك الطبيعة المتمادي حيث تدرك الجمعيات أن خلف الكسارات والمرامل قوى تحميها وهي تضرب عرض الحائط بالقوانين وبالسلطة نفسها التي تبقى قاصرة عن معالجة المشكلة المستعصية، جراء استقواء الكثيرين على مؤسسات الدولة والقوانين التي تنظم عملها.
ولا تخفي نائبة رئيس لجنة رعاية البيئة في الشمال المحامية رنا الجمل امتعاضها الشديد "من استمرار عمل الكسارات والمرامل في كل المناطق الشمالية دون استثناء ومن دون الالتزام بنصوص القوانين التي ترعى هذا العمل".
وتشير الى ان "أعداء الطبيعة يمعنون في عدوانهم ولا شيء يقف في طريقهم ولوكانت سلطة شرعية، نحن طالبنا سابقا ونجدد المطالبة اليوم بتطبيق القوانين فقط وبردع كل من يخالف القانون" .
وتقول : "أصبحت العملية بمثابة كر وفر، هناك قوى تغطي عمل الكسارات، وتستفيد أيضا مما تجنيه من أرباح لتوسيع نفوذها وسلطتها، وتكريس وجودها وتحولت الى ميليشيا لا احد يستطيع الحديث عنها أو حتى الاعتراض عليها بمجرد الكلام، فكيف اذا كان المطلب تطبيق القانون او محاولة تنفيذه ؟".
وتناشد الجمل "كل اصحاب الضمائر الحية المساعدة لوقف المجزرة المستمرة التى ترتكب بحق الطبيعة والثروة الحرجية التي نخسر كل يوم منها الشيء الكثير".
وتطالب" بروادع وعقوبات على كل من تسول له نفسه العبث بالطبيعة تحت شعارات متعددة حتى ولو كان مسؤولا ليكون عبرة للآخرين".
علاء بشير
جريدة المستقبل
19 أيلول 2011