
بعد أن أثارت «السفير» مخاطر إضافة مادة الفلور الى ملح الطعام بشكل الزامي بدءاً من هذا العام تطبيقاً للقانون رقم ...
بعد أن أثارت «السفير» مخاطر إضافة مادة الفلور الى ملح الطعام بشكل الزامي بدءاً من هذا العام تطبيقاً للقانون رقم 178 الذي تم اقراره العام 2011، فتح السجال واسعاً حول هذه القضية التي تطال كل اللبنانيين الذين يدمنون على تناول الملح وإضافته الى غالبية المأكولات. وقد ظهر تخوف حقيقي من الكثير من المرجعيات العلمية والصحية من اضافة مادة سامة الى مادة سامة اخرى، أي اضافة مادة كيميائية كالفلور يمكن ان تتحول الى سامة (بمقادير معينة) الى مادة (الملح) تعتبر متهمة رئيسية بالتسبب بالكثير من الأمراض، في طليعتها ارتفاع ضغط الدم المعروف بـ«القاتل الصامت»! صحيح ان حجة المدافعين عن اضافة هذه المادة الى الملح يهدفون الى محاربة تسوس الاسنان، الا ان حجة المناهضين لهذا الاجراء تبدو اكثر إقناعاً، اذ تتوفر مادة الفلور في الطبيعة، في المياه وبعض المأكولات والمشروبات، ومعجون الاسنان، ولا حاجة الى اضافة هذه المادة الكيميائية التي قد تترك انعكاسات خطرة اذا ما تم تجاوز نسب محددة منها، خصوصا في بلد يحب اضافة الملح الى طعامه مثل لبنان.
اكبر المدافعين عن اضافة هذه المادة هو عميد كلية طب الاسنان في الجامعة اللبنانية ورئيس اللجنة الوطنية لصحة الفم والاسنان البروفيسور منير ضومط. الذي ينطلق في دفاعه من دراسات عن تسوس الاسنان في لبنان وعن نسب وجود مادة الفلور التي يقترحها في الطبيعة.
ينطلق ضومط في حججه من تأكيده لمخاطر تسوس الأسنان وانعكاسات هذا المرض على صحة الانسان عامة. كما ينطلق من اعتبار هذا المرض في بلادنا من بين الأمراض الأكثر كلفة (لا تغطيه شركات التأمين ولا الضمان الإجتماعي) وخاصة في أيامنا هذه. وأن الكلفة المفروضة على ميزانية العائلة اللبنانية باهظة جداً. وان فائدة الوقاية من مرض التسوس مهمة جدا...الخ
عند هذا الحد، لا يختلف احد مع البروفسور ضومط، خصوصا عندما لا يقلل، على الصعيد الفردي، من أهمية الدور الذي تلعبه تغذية متوازية مع تحديد شديد لاستهلاك السكاكر والحلويات علاوة عن نظافة دقيقة للفم... ولكن المشكلة تبدأ عندما يقترح اضافة مادة الفلور الكيميائية، كمادة للوقاية من التسـوس، الى الملح، وليـس عبر استخدامهـا في معجـون الاسـنان فقط.
وحجة المناهضين لهذه الفكرة، ان احدا لا يستطيع التحكم بنسب تناول هذه المادة المضافة الى الملح في بلد يحب هذا الأبيض القاتل!
ح . م .
ينطلق البروفسور ضومط من الاعتماد على أبحاث وبائية مقارنة أجريت في العالم منذ أكثر من 30 عاما، وبينت أن التناول المنتظم لمقادير قليلة من الفلور يؤدي إلى تراجع مدهش (أكثر من 60%) من تواتر تسوس الأسنان، هذا وإن كانت نظافة الفم والأسنان رديئة ومهما كان مقدار استهلاك السكر!
كما تظهر دراسات اخرى بحسب ضومط، ان سكان البلدان والمناطق والقرى والتجمعات السكنية حيث تحتوي المياه على كمية كافية من الفلور لا يتعرضون كثيرا لأمراض التسوس.
وقد خلصت هذه الدراسات الى اعتبار أن الكمية الفضلى من الفلور في ماء الشرب تتراوح بين 1 و 1.2 ملغرام أيون فلور سلبي في الليتر الواحد (1 إلى 1.2 جزء في المليون).
ويشير ضومط الى الدراسات والقياسات التي اجريت في لبنان وعددها 332 قياساً (قدرة امتصاص على 625 نانو متر لمقدار الفلور في مياه التوزيع في لبنان) وشملت هذه القياسات تقريباً غالبية شبكات توزيع المياه في لبنان بالإضافة إلى جميع المياه المعبأة والمبيعة في القناني. وقد اظهر تحليل النتائج افتقار مياه لبنان لمادة الفلور.
واذ استند الى تقرير وزارة الموارد المائية الذي يظهر فيه عدم امكانية اضافة الفلور الى المياه، لذا وضمن إطار خطة وطنية للوقاية وللحد من أمراض الفم والأسنان، تم اقتراح إضافة الفلور إلى الملح المعد للمائدة والمطبخ.
لماذا الملح وليس المياه
ويؤكد ضومط ان هذا الملح الفلوري يستعمل للوقاية ضد التسوس في أوروبا وأميركا خاصة في المناطق التي تفتقر فيها مياه الشرب لمادة الفلور. فعندما تكون نسبة الفلور في المياه ما دون 0.5 ملغرام أيون فلور سلبي في الليتر الواحد (هذا هو واقع المياه اللبنانية). هنالك ثلاث طرق للتعويض عن هذا النقص: إما وصف حبوب تحتوي مادة الفلور، وهذه الطريقة مكلفة. او إضافة الفلور إلى مياه الشرب التي تعتبر من قبل المنظمة العالمية للصحة، إذا نفذت هذه الإضافة بشكل سليم بمثابة الإجراء المتعلق بالصحة العامة الأكثر توفيراً والأكثر فعالية. لكن في الظروف الحالية التي يمر بها لبنان من الصعب جداً التفكير بهذه الحلول. إلا أن ذلك لا يمنعنا أبداً من أن نضع برنامج عمل لتطبيق هذه الفكرة حتى ولو بعد عدة سنوات. واما إضافة الفلور إلى الملح وهي الطريقة التي يتبناها ضومط كونها متبعة في عدة بلدان أجنبية.
ويدعم رأيه بالاستناد الى الدراسات الأجنبية التي لم تسجل لدى تناول هذا الملح الفلوري أية تأثيرات فيزيولوجية أو مرضية مضرة بصحة الأفراد بما فيهم أولئك المصابين بأمراض الكلي. ولا يوجد خاصة أية حساسية أو عدم تحمل ولم يلاحظ أي تأثير مؤذ وتراكمي.
كما يدعم رأيه بدراسات أساسية حول فلورة الملح في لبنان والتي تشمل: تحديد الفلور في مصادر المياه المحلية ومسح تسوس الأسنان وداء الإنسمام الفلوري والتعرض للفلور في لبنان وإفرازات الفلور الكلوية عند الأطفال بين سن الثالثة والخامسة.
الدراسات الاساسية
يستنتج من نتائج هذه الدراسات الأساسية ضرورة تسريع العمل وتطبيق التوصيات الصادرة عنها بالنسبة لفلورة الملح في لبنان وهي: تنسيق الاتصالات بمصنعي الملح لتأمين المشورة التقنية التي قد تكون ضرورية لإطلاق عملية فلورة الملح والحفاظ عليها. إضافة الفلور إلى كل الملح المخصص للاستهلاك المستورد والمصنع محلياً (ملح المائدة وملح المطبخ). وتشكيل لجنة وطنية خاصة بفلورة الملح تضم ممثلين عن المؤسسات الحكومية مثل وزارة الصحة ووزارة التجارة (مكتب المعايير) وعن القطاع الخاص (صناعة الملح وأطباء الأسنان والمنظمات الخاصة) للمساعدة في تطوير فلورة الملح وتطبيقه وتقييمه (ضبط الجودة والمراقبة والوبائية). وضع وتطبيق معيار وطني للملح يشمل متطلبات النقاوة والرطوبة وحجم لجزئية ومحتوى الفلور وفقاً للمعدل الموصى به هو من 200 إلى 250 ملغ من الفلور في كيلوغرام واحد من الملح. واصدار تشريع أو تفويض ينص على أن كل الملح المستورد أو المعالج والمعد للاستهلاك البشري يجب أن يحترم معيار الملح المفلور.
لماذا الالزام؟!
المعترضون على هذا الموضوع، يستغربون كيف تم ترجمة توصيات دراسات غير دقيقة وغير مكتملة وغير شاملة في قانون ياخذ طابع الالزام! وهم يعتبرون ان الدراسات المقارنة التي استند اليها المروجون لاستخدام هذه المادة الكيميائية في الملح، قد تغيرت في بلد المنشأ. وهي تؤكد ان معظم بلدان الاتحاد الاوروبي قد رفضت مشروع الفلورة. وان في طليعة الدول الرافضة: السويد ـ النروج، الدانمرك، هولندا، النمسا، فلندا، ايطاليا، ايرلندا الشمالية، تشيكيا، كرواتيا، اسكتلاندا، وكذلك فعلت أيضاً الصين واليابان. ولقد تمت بعض التغيرات في القوانين المتعلقة بالملح المفلور بعد العام 1996، اذ ابقت بعض الدول الأوروبية مثل المانيا وسويسرا وفرنسا ورومانيا وهنغاريا السماح ببيع الملح المفلور في الأسواق، ولكن ان تترك الحرية للمواطن في استعماله او عدم استعماله، حيث يمكن للمواطن شراء ملح مفلور أو ملح عادي من دون فلورة أي من دون زيادة مادة الفلور إليه بنسبة 250 غرام على الكيلوغرام ملح. إضافة إلى ذلك واستناداً على دراسات قامت بها هذه الدول، فقد شجعت هذه الدول استعمال الملح المفلور الطبيعي الذي يصدره البحر أو الجبال... لتجنيب المواطن استعمال الملح المفلور اصطناعياً (أي بزيادة الفلوراية على الملح).
ويرى المناهضون للقانون الملزم، ان على المسؤولين الذين استندوا الى التجربة الاوروبية لإصدار هذا القانون ان يعملوا الآن وفوراً على تعديله استنادا الى التجربة (الاوروبية) نفسها واستبدال فرض استعمال الملح المفلور على كل مواطن بمنحه حق الاختيار وجعل هذا الموضوع اختياريا كما في أوروبا، وعدم إدخاله في الصناعات الغذائية والأفران والمطاعم.
ويشير احد الخبراء المعارضين، الذي فضل عدم ذكر اسمه، في هذه المرحلة، ان القانون الفرنسي الذي سمح باستعمال الملح المفلور عام 1982 لم يسمح باستعماله في الأماكن التي تحضر طعاماً للعموم وفي الصناعات الغذائية مثل الأفران والمطاعم والمصانع التي تصنع المأكولات. كما يؤكد ان القانون الذي اقر في لبنان عام 2011 لم يستند الى دراسات عميقة كما فعلت الدول الأوروبية التي رفضت فلورة الملح. ففي لبنان لم يتم دراسة استهلاك الملح بالنسبة للفرد وحسب المناطق. كما لم يتم دراسة استهلاك الفلور في الطعام والماء للفرد. علماً ان في بعض المناطق اللبنانية يستهلك الشاي بشكل كبير جداً بمعدل 4,8 كلغ للفرد في السنة كمعدل وسطي بمعدل من 3 إلى 6 أكواب في النهار لاعتباره مادة تساعد على الهضم وتريح الأعصاب. علماً ان نسبة الفلور في الليتر 5 ملم ج م م (جزء في المليون) وهي نسبة عالية بالإضافة إلى الفلور في السكر.
تشكيك في الدراسات
اما بالنسبة إلى الدراسات الأساسية التي استند إليها ضومط لتحديد الفلور في المياه، فهي بحسب الخبراء قديمة (العام 1996) وليست شاملة (بسبب الحروب). كما لا تشمل مياه آبار القرى، والمعلوم ان نسب الفلور في الآبار الارتوازية مرتفعة أكثر من مياه الينابيع الجارية. بالإضافة إلى الآبار القريبة من الساحل والتي زادت ملوحتها وزادت نسب الفلور فيها. وقد أقرت الدراسة نفسها انه في 14 مصدر نسب الفلور فيها أكثر من 0,5 ملغ/ فلور وفي بعض المناطق تصل إلى 2,5، وهي معدلات عالية جداً (سبلين على سبيل المثال).
أما بالنسبة لدراسة مسح التسوس وراء التسمم الفلوري فهو يعود للعام 1994، وقد بين الجدول رقم 17، أن 12% لديهم تسمم فلوري... مما يعني ان إضافة الفلور إلى الملح ستزيد هذه النسبة. وهي لم تشمل الكثير من المناطق.
كما ان الدراسات التي تم الاستناد اليها لا تشمل أي قرية يزيد فيها شرب الشاي وأكل العنب والسردين والبيرة التي تحتوي على نسب عالية من الفلور... فما سيحصل لهؤلاء اذا اضيف الفلور الى ملح طعامهم ايضا؟
المطالبة بتعديل القانون
انطلاقاً من كل ما تقدم، تتحضر مجموعة من الاطباء والناشطين في المجتمع المدني في لبنان للمطالبة بتعديل هذا القانون. ونزع عنه صفة الالزام على الاقل. مؤكدين قبل السماح بلفورة الملح، اجراء دراسة عن كمية استهلاك الملح للفرد وفي المناطق المختلفة.
فاللبناني يستهلك من 3 إلى 60 غرام ملح يومياً لأن الكثير من اللبنانيين مدمنين استهلاك الخبز الذي يحتوي على كميات عالية من الملح تتراوح من 1,4% إلى 3,4 في المئة من الوزن. ويدخل الملح وبكمية كبيرة في معظم المأكولات اللبنانية وكلها غنية بملح الطعام من كبيس إلى الفلافل إلى القورما والبزورات والألبان والأجبان البلدية والزيتون والشيبس...الخ بالاضافة الى الأخذ بالاعتبار الدراسات التي تربط بين الكثير من الأمراض وزيادة استهلاك الملح! فكيف يتم الترويج لاضافة مادة سامة الى مادة اكثر سمية؟
كما تسبب مادة الفلور (المفترض اضافتها الى الملح) اذا تجاوزت الحدود المعينة بتكلس العظام وبضرب الكلي والكبد وتناقض دور اليود الموجود في الملح ايضا. فاذا كانت مادة الفلور دواء، لا يوجد دواء كيميائي في العالم ليس له آثار جانبية. فكيف ستكون الحال اذا فقدنا السيطرة على نسب الفلورة وعلى نسب استهلاك الملح؟