العمارة البيئية: تدوير وتوفير.. واحترام المحيط

العمارة البيئية: تدوير وتوفير.. واحترام المحيط
«انظر تحت قدميك وابنِ» مقولة مشهورة لشيخ المعماريين «حسن فتحي» الذي انتهج عمارة الفقراء كمنهج في البناء ...

«انظر تحت قدميك وابنِ» مقولة مشهورة لشيخ المعماريين «حسن فتحي» الذي انتهج عمارة الفقراء كمنهج في البناء باستخدام الموارد المحلية... مقولة لخّص بها مفهوم العمارة لتكون من البيئة والمكان والموقع والمناخ، وتتوجه نحو الإنسان الذي ينتمي إلى هذه البيئة ويعيش في هذا المكان، ويستخدم ذلك الموقع، ويعايش مناخه. وهو بذلك ألقى على كاهل المعمار مسؤولية اجتماعية وبيئية للنهوض بإنسان هذا المجتمع وتوفير احتياجاته المكانية بأقل كلفة ممكنة.
ينطلق المعمار جمال مكي من التعريفات. وهو يرى ان العمارة البيئية عمارة قديمة العهد، ظهرت في الحضارات القديمة، في محاولة الإنسان للتّأقلم والتعايش في بيئته، بطرقٍ مختلفة، بدءاً من اختيار الموادّ وطرق استخدامها، وانتهاء بالأساليب الّتي اتّبعها للتّعامل مع عناصر البيئة من أمطار ورياح وحرارة وضوء شمس وغيرها.
تبرز أهمّية دور المعماري اليوم في إنشاء عمارة بيئية صحية، تنسجم مع الظروف المحيطة بها، وتستخدمها لصالحها؛ كما ينصح الدكتور حسن فتحي المعماريّين حين يقول: «يجب ألا تتعامل مع البيئة مثلما تتعامل مع الورقة التي ترسم عليها على أنها فارغة بيضاء... فإن البناء الجيد الذي تكون بصدد إنشائه إنما سيضاف حديثاً على بيئة قائمة من قبله... فالواجب احترامها وفهمها والتعامل معها والاستفادة منها لصالح ما تقوم به».


استخدام الموارد المحلية

انطلاقاً من مقولة المعمار حسن فتحي في العمارة البيئية، يتضح لنا أن المعيار الأساس في تطبيقها هو استخدام الموارد المحلية التي تنتمي إلى نفس المكان والموقع والمناخ الذي يعيش فيه الإنسان. فكيف يطبق مشروع الساحة معايير العمارة البيئية؟
يرى مكي أن الساحة هي أنموذج متكامل يراعي شروط العمارة البيئية، فهو صرح تراثي صمم ونفذ ليكون متحفاً حياً، ينقل صورة من صور العمارة التراثية بمختلف عناصرها وأشكالها وموادها. ويعتبر الحجر الرملي المادة الأساس التي قامت عليها دعائم الساحة. إنه الهوية التي رسمت معالمها وأكدت انسجامها مع بيئتها، خاصة أنها بنيت على الساحل اللبناني، الذي يعتبر الحجر الرملي من سماته الطبيعية المحلية.


العمارة الخضراء

وحول الظروف التي ساهمت في نشأة العمارة الخضراء، يرد مكي الموضوع الى أزمة الطاقة التي ظهرت في السبعينيات من القرن المنصرم. حيث أدى الاستهلاك الأعمى للطاقة وللموارد الطبيعية، إلى خلل كبير في النظام البيئي، ما أثًر سلباً في صحة الإنسان. إضافة إلى أن ارتفاع تكاليف المواد المقرون بالخلل الذي طال النظام البيئي، أثر كذلك على النمو الاقتصادي.
من هنا برز مفهوم التنمية البشرية المستدامة، ليلغي الخطوط الفاصلة بين البيئة والاقتصاد، وليؤكد أن ضمان استمرارية النمو الاقتصادي، لا يمكن أن يتحقق في بيئة مهددة بالملوثات واستنزاف الموارد. من هنا بدأ البحث عن الطاقات البديلة وعن كيفية ترشيد استهلاكها. وتعالت صرخة المعماريين للبحث عن عمارة جديدة، أكثر كفاءة في الحفاظ على هذه الطاقة وترشيد استهلاكها. وعليه بدأت أنظمة ومعايير تقويم المباني تنتشر في الدول الصناعية المتقدمة مثل معيار LEED ومعيار BREEAM وذلك لمنح شهادات للمشاريع المتميزة في تطبيق معايير العمارة المستدامة والخضراء.


الحفاظ على الطاقة

كيف طبق مشروع الساحة معايير العمارة الخضراء؟ يرى مكي ان مشروعه طبق وتبنى المبدأ الأساس وهو «الحفاظ على الطاقة»، والذي ترجم باستغلال التهوية الطبيعية: وقد ترجم عملياً في الساحة عبر ربط الساحة الداخلية المتصلة بالخارج بواسطة ممرات ضيقة تلعب دور الناقل للهواء، حيث إن اختلاف الضغط الناشئ نتيجة ضيق الممر مقارنة بمساحة الساحة الداخلية يسمح بانتقال الهواء من خلال المداخل عبر المحل الضيق المظلل (ضغط عال) إلى الساحة الداخلية (ضغط منخفض). هذا إلى جانب العناصر المائية التي تساعد على ترطيب الهواء وخفض درجة الحرارة في أيام الصيف الحارّة كالشلال والبئر والساقية والعين، من دون إغفال المعالجات البيئية القديمة كالأسقف المقبّبة والمشربيات والملاقف... والاستفادة من استخدام الظلال للتخفيف من حدة أشعة الشمس في الفناء. كما تم البدء باستخدام الطاقة البديلة (الطاقة الشمسية)، في بعض أقسام الساحة، كالنادي مثلاً. بالإضافة الى ضبط الحرارة الداخلية عبر استخدام مواد بمواصفات مناسبة: بالاضافة الى استخدام الحجر الرملي كعنصر مميز في البناء؛ فهو يتمتع بمسامية عالية تشكّل ما يشبه الجيوب الهوائية التي تلعب دور العازل الحراري بين الداخل والخارج، والذي اعتمد بناؤه على طبقتين داخلية وخارجية، بسماكة وصلت أحياناً إلى متر طوليّ، الأمر الذي ضاعف من قدرة الحوائط على الحد من التسرب. كل ذلك من دون الحاجة إلى استخدام الآلة، والاقتصار فقط على الأيدي العاملة الماهرة التي قامت بالبناء يدوياً وبدقة متناهية، وهو ما يبدو جلياً في الواجهات والمداخل والحوائط الداخلية والخارجية. بالاضافة الى ذلك تم استعمال الخشب لتغطية الأسقف (كون الخشب عازلا جيدا للحرارة) واستعمال الطين في تغطية بعض الجدران الداخلية.
ويشدد مكي على أن كل هذه المواد هي مواد صديقة للبيئة، إضافة إلى كونها مواد عازلة تسهم في خفض استهلاك الطاقة.


التهوئة السليمة

في العمارة الخضراء يفترض التقليل من استخدام الموارد الجديدة التي تسبب تفشي المرض في المباني لما تحويه من مواد كيميائية وانبعاثات ضارة، مع غياب التهوئة المناسبة، باعتبار أن المبنى الذي لا يتنفس بانتظام، يكون عرضة لتراكم هذه الانبعاثات الضارة والملوثة لهذه البيئة، ولذلك فقد جرى التنبه إلى ذلك خلال عملية بناء الساحة، كذلك تأمين التهوئة الجيدة من خلال اعتماد الشبابيك الطويلة ذات الأباجور الخشبي القديم الذي يسمح بإدخال الهواء اللطيف إلى الغرف، والفتحات الصغيرة (القمريات) الموزعة أعلى الجدران، كأسلوب آخر في تأمين التهوئة المناسبة. هذا بالإضافة إلى التقليل ما أمكن من استخدام الطلاء، والاستعاضة عنه بالبناء بالحجر الرملي واعتماد الطين المخلوط بالقش في طلاء الحوائط والجدران وفق عملية مزدوجة الهدف تؤدي إلى الحد من الانبعاثات الضارة كونها مواد طبيعية، كما إلى معالجة الحرارة الداخلية وضبطها.
كما تم التشديد على ضرورة التكيف مع المناخ، أي التفاعل بين الثروات الطبيعية والمناخ السائد، وتوجيه المبنى ضد استهلاك الطاقة. وهذا ما حصل في الساحة، حين تم استخدام المواد الطبيعية كالحجر الرملي والخشب القطراني، والتي تشكل عازلاً للحرارة، إضافة إلى اعتماد مبدأ الحوش الداخلي الذي يسهم في إبقاء الجو لطيفاً. كذلك المشربيات التي تسمح بإدخال النور ورؤية الخارج. كما تم احترام الموقع، وما حصل في الساحة يتخطى احترام الموقع، فالموقع الذي كان مكباً للنفايات، وبؤرة تسهم بانبعاث الروائح الكريهة والغازات السامة الناتجة عن التفاعل الكيميائي والبيولوجي، قد تم تحسينه وتجميله، حتى تحول المشروع هذا إلى مقصد للقاصي والداني، وساهم في تجميل المكان ورفع أسعار العقارات المجاورة سنة بعد سنة، كذلك ساعد على إعادة الروح إلى المنطقة وتهافت المستثمرين للاستفادة مما فيها من عقارات.


العمارة التدويرية

يعرف مكي العمارة التدويرية بالعمارة التي تقوم على مبدأ استعمال المواد والعناصر والمقتنيات القديمة، وإعادة توظيفها في مجال البناء، وذلك من خلال الاستفادة من مخلّفات البيوت المهدمة التي كانت ترمى ردماً في البحر، ومن العناصر المهملة، ومن مخلفات الأبنية القديمة، كذلك من المقتنيات الأثرية والتجهيزات اليومية التراثية؛ كعدّة الفلاح وعدة النجار والأدوات المستعملة في البيوت، وما شابه... وإعادة توظيفها في مجال البناء، بأسلوب عصري جديد، وطريقة مبتكرة. بمعنى آخر، الاستفادة بشكل أو بآخر من كل ما خلّفه الآباء والأجداد، إلى جانب ما جادت به الطبيعة، وما تدعمه الخبرة الطويلة المتراكمة لكل شعب وحضارة على مر العصور، بحيث لا نترك أداة أو مادة أو عنصراً إلا ونجد له الوظيفة الملائمة؛ إنْ للهدف الذي وضع من أجله، أو من خلال خلق هدف جديد مبتكر له.
اما معايير العمارة التدويرية، فهي في مدى توفير الطاقة: إذ تقل الحاجة إلى المواد الخام، وبالتالي تقل الحاجة إلى استهلاك الطاقة في عملية تصنيع المواد وتحضيرها، والمحافظة على الموارد الطبيعية، فإعادة استعمال المواد يقلل من الحاجة إلى استنزاف مواد جديدة. كما في المحافظة على البيئة الطبيعية عبر الحد من كمية النفايات الناتجة عن عملية تلف المواد التي تطمر أو تحرق. والتوفير في الكلفة. ومن الأمثلة عن العمارة التدويرية في الساحة: تدوير الحجر الرملي، تدوير الأخشاب، تدوير عناصر معمارية من الحجر، تدوير التجهيزات القديمة: النورج، دولاب الحنطور، خوابي الزيت... تدوير الأبواب الخشبية، فضلات الأقمشة، الموزاييك وكسر الزجاج.



السفير