
تعتبر أحراج الصنوبر في أقضية بعبدا، المتن، عاليه، جزين والشوف، أكثر وأكبر من دورة إنتاج ومال. فأهميتها ...
تعتبر أحراج الصنوبر في أقضية بعبدا، المتن، عاليه، جزين والشوف، أكثر وأكبر من دورة إنتاج ومال. فأهميتها المناخية والبيئية تفوق بكثير مردودها المادي المباشر. من هنا فهي تعرف بأنها «ثروة جمال ومال»، تؤمن انتاجاً زراعياً من جهة، وتشكل عامل جذب للسياح والمصطافين وللاستثمارات السياحية من جهة ثانية، فضلاً عن هوائها الذي يبقى مقصد الباحثين عن بيئة صحية بعيدا من ملوثات المدينة.
انطلاقا من أهمية هذه الثروة الوطنية، أو ما بقي منها بعد التمدد العمراني وموجات الحرائق السنوية، لا بد من اعتماد السبل الأنجع لادارة مستدامة لهذه الأحراج. واذ لم تكن الدولة يوما قريبة وتقدم حلولا للمزارعين، إلا ان ثمة ظاهرة جاءت لمصلحة هذا القطاع متمثلة بالإقبال العالمي على الصنوبر. فالدول التي كانت تغرق أسواق لبنان ما عاد في مقدورها تلبية الطلب المتزايد أوروبيا ودوليا. انعكس هذا الأمر إيجابا على العاملين في هذا القطاع. فالمردود المادي العائد من الإنتاج، هو الآن أكبر من الاستثمار في بناء مجمعات سكنية ليس ثمة من يشغلها، خصوصا أن هناك طفرة في عدد الوحدات السكنية قياسا لعدد السكان، تبعا لدراسة أنجزها قبل نحو عشر سنوات مكتب هندسي متخصص عن منطقة المتن الأعلى لمصلحة المديرية العامة للتنظيم المدني. يضاف إلى ذلك تراجع القطاع السياحي ما يمنع على من وظفوا أموالهم في البناء، الإفادة من عائدات الايجارات وعقود البيع.
المفارقة الجديدة
ثمة مفارقة هنا تسترعي الاهتمام، فللمرة الأولى يصبح الإنتاج الزراعي أكثر مردودية من قطاعي البناء والعقارات، ويشكو العاملون في مجال الاستثمار العقاري والسكني في المتن الأعلى من ركود أفضى إلى نشوء مشكلات اقتصادية ناجمة عن تجميد رؤوس الأموال في أبنية لا تلقى إقبالا شراء وايجارا.
وتبقى أحراج الصنوبر عامل جذب سياحي أهم من منشآت خرسانية ضخمة. حتى أن الأكواز المنثورة على أسطح المنازل تجذب قاصدي المناطق الغنية بالصنوبر، إذ يبدأ المزارعون في هذه الفترة نقل إنتاجهم من الصنوبر إلى أسطح المنازل، وهي خطوة ثانية بعد القطاف، وتستمر حتى أواخر شهر حزيران، ويعمدون إلى «تشميس» أكواز الصنوبر لتتفتح وتخرج منها تلقائيا ثمار الصنوبر الصلبة «السوداء»، قبل إرسالها إلى «المكاسر» لاستخراج الثمار البيضاء الصالح للاستهلاك، في دورة إنتاج طويلة محفوفة بالمخاطر خصوصا عند قطف الموسم الذي يتطلب مهارة عالية في تسلق الاشجار الباسقة، وفي التقاط الثمار المتساقطة وسط منحدرات خطرة.
الشمس تفتح الاكواز
تجذب أكواز الصنوبر على أسطح المنازل المرء بما تصدره من أصوات، في مشهد رائع وسط «موسيقى إيقاعية» تزداد سرعة مع اشتداد حرارة الشمس، إذ كلما تفتح جزء من «كوز» الصنوبر يصدر صوتا حادا بسبب صلابة الكرز، ولكم أن تتخيلوا آلاف الثمار وهي تتفتح دفعة واحدة. «هذا العمل وإن كان شاقاً لكنه يعطي الصنوبر اللبناني مذاقا مميزا وجودة عالية»، يقول المزارع فريد حاطوم، ويضيف «في الدول المنتجة للصنوبر يتم إدخال الأكواز إلى أفران خاصة ما يفقد الصنوبر بعضا من جودته ومذاقه».
قبل نحو خمس عشرة سنة، ومع كثرة الطلب على الصنوبر وفتح أسواق التصدير إلى الاردن ودول الخليج، استخدم مزارعون من بلدة رأس المتن خيم البلاستيك المخصصة لزراعة القرنفل، ووضعوا فيها الانتاج للاستفادة من درجة الحرارة العالية داخل الخيم، واختصار فترة تفتح الاكواز لتسريع نقل الحبوب السوداء المستخرجة منها إلى «المكاسر» حيث تتم عملية كسر الحبوب السوداء واستخراج الصنوبر الأبيض.
ويقول سامي المشطوب الذي اعتمد هذه الطريقة في الماضي ان «استخدام بيوت البلاستيك لا يؤثر في جودة الصنوبر»، ويلفت إلى أنه «ما أبقينا على درجة حرارة مقبولة فلا مشكلة أبدا».
رحلة الانتاج
بين موسم تم «تصريف أكثر من 80 بالمئة منه» على ما يشير رئيس «نقابة عمال ومزارعي الصنوبر في لبنان» فخري المصري، وموسم بدأ وضعه على أسطح المنازل التي تبدو كأنها «بيادر» وسط غابات الصنوبر الخضراء، تبدأ رحلة الإنتاج.
«يعيش قطاع الصنوبر الآن مرحلة ازدهار استثنائية مع ازدياد الطلب العالمي عليه. فتركيا على سبيل المثال التي كانت تغرق السوق اللبناني بالصنوبر أصبحت تستورد كميات من لبنان لتلبية طلب الأسواق الاوروبية»، على ما يشير المزارع وهبي غرز الدين. حتى أن ثمة من يعتبره «ذهب لبنان الأبيض»، فالأسعار ارتفعت لتعوض تعب العاملين في هذا القطاع. فقبل خمس سنوات، ونتيجة إغراق السوق اللبناني بالصنوبر التركي والاسباني والصيني وعدم فتح المجال لتصدير الانتاج اللبناني، كان سعر كيلو الصنوبر الأبيض في حدود الـ 20 دولارا، فيما ينوف سعره اليوم على الـ 40 دولار، وهذا من شأنه أن يساهم في العناية أكثر بغابات الصنوبر في المتن الأعلى.
ويقول غرز الدين: «الأمر لا يقتصر على الاهتمام بالأحراج فحسب، وانما هذه المرة الاولى التي نرى فيها أن المزارعين يقومون بإعادة التشجير على نطاق واسع».
هذه المقاربة تؤكد أن البيئة غير منفصلة عن التنمية، فعندما شهد قطاع الصنوبر تراجعا وركودا أعرض المزارعون عن الاهتمام بالأحراج، فيما نراهم اليوم ضنينين على كل شجرة ويعتنون بها تقليما لأغصانها و«تقشيشا» حول جذعها لحمايتها من الحرائق، ويزرعون أغراسا لن تعطي مردودا قبل خمس عشرة سنة، ويندفعون لقطف الموسم وتكديسه على أسطح منازلهم.
إدارة مستدامة للأحراج
إلا أن ثمة مشكلات عبر عنها المصري لافتاً إلى أن «المطلوب إعطاء صلاحيات للنقابات والجمعيات الاهلية، كي تتمكن من تأمين إدارة مستدامة للأحراج»، واشار إلى أنه «لا يمكن أن نقطع شجرة أصابها مرض اليباس قبل أخذ موافقة الجهات المعنية. والامر يتطلب الانتظار وسط الروتين الاداري بحيث يكون المرض قد انتقل إلى أشجار سليمة».
وقال: «ليس هناك من هو أكثر حرصا على الاشجار مثل أصحابها»، منوها الى ان «الحفاظ على الغابة الصنوبرية مسؤولية مشتركة بين جميع المعنيين، لكن وفق قوانين مرنة تراعي الحفاظ على هذه الثروة وتطويرها».
ويبقى ثمة سؤال: هل نصل يوماً إلى تكريس رؤية علمية حيال واحدة من أهم الثروات الطبيعية في لبنان؟
السفير