
منذ عام ٢٠٠١ تتصارع وزارتا الزراعة والبيئة على صلاحية إعادة تحريج الغابات في لبنان. أربعون مليون شجرة هو ...
منذ عام ٢٠٠١ تتصارع وزارتا الزراعة والبيئة على صلاحية إعادة تحريج الغابات في لبنان. أربعون مليون شجرة هو الرقم الذي نطمح إلى أن نصل إليه بعد عشرين عاماً، بكلفة تلامس نصف مليار دولار
رغم الخطط الطموحة لزيادة مساحة الغابات إلى ٢٠ في المئة من المساحة الكلية للأراضي اللبنانية خلال فترة عشرين عاماً، تشير التقديرات الى أن إزالة الغابات تبلغ معدلاً سنوياً قدره 0.4 في المئة، في حين تقدّر إعادة التحريج السنوي بنسبة 0.83 في المئة. وفي تقييم للموارد الحرجية أجرته منظمة الأغذية والزراعة في عام ٢٠١٠، تغطي الغابات 137 ألف هكتار (أي 13% من مساحة الأراضي اللبنانية)، وتشمل الأراضي الحرجية الأخرى 106 آلاف هكتار (حوالى 10% من مجمل المساحة)، ما يعني مساحة تغطي 23% من لبنان. ويتألف 57% من الغطاء الحرجي من النباتات العريضة الأوراق (كالسنديان بشكل رئيسي)، إضافة الى الصنوبريات التي تمثّل نسبة 31%، أما الباقي فهو مزيج من النباتات العريضة الأوراق والصنوبريات. مدير مشروع حماية واستعادة الموارد الحرجية في وزارة البيئة، غارو هاروتيونيان، أكد في مقابلة مع «الأخبار» أن أكثر المشاكل التي تواجه استقطاب المنح الدولية لإعادة التحريج في لبنان هي الكلفة المرتفعة لعملية التحريج والتي تبلغ ١٣ ألف ليرة لبنانية لكل غرسة، في حين يبلغ متوسط الكلفة دولياً حوالى ٣ آلاف ليرة لبنانية. ولفت هاروتيونيان إلى أن أحد أهداف وزارة البيئة حالياً هو البحث عن الطرق المناسبة لخفض الكلفة لتصل إلى خمسة دولارات أميركية.
وفي خطوة تعرّضت لانتقادات واسعة، خصّصت الحكومة اللبنانية عام ٢٠٠١ مبلغ ٢٥ مليار ليرة لوزارة البيئة بهدف تنفيذ الخطة الوطنية للتحريج وإعادة تكوين الغابات والأحراج، وذلك عبر تنفيذ أعمال تحريج في مختلف المناطق اللبنانية عبر التعاقد مع شركات خاصة تقوم بزرع أنواع حرجية أصلية في مشاعات بلدية وجمهورية في 23 موقعاً مختلفاً. وقد بلغت المساحة التي جرى تحريجها خلال هذه المرحلة حوالى 305 هكتارات.
وفي الفترة الممتدة بين عامي 2004 و2006، أُطلقت المرحلة الثانية للتحريج، إذ جرى تنفيذ الأعمال من قبل شركة خاصة في 28 موقعاً على مساحة 278.5 هكتاراً. وتوقفت أعمال التحريج بين عامي 2006 و2008 بسبب العدوان الاسرائيلي في تموز 2006 وتداعياته. وابتداءً من عام 2009، استأنفت وزارة البيئة العمل على الخطة الوطنية للتحريج من خلال توقيع عقود اتفاق بالتراضي مع البلديات. ويشير هاروتيونيان إلى أن قرار التعاون مع البلديات مباشرة كان خطوة فائقة الأهمية كبديل من تلزيم الشركات الخاصة، وقد وقّعت وزارة البيئة 41 عقد اتفاق خلال عام 2010 بقيمة 1.9 مليار ليرة لبنانية موزّعة على مساحة 185 هكتاراً.
في المقابل، أطلقت وزارة الزراعة في إطار «البرنامج الوطني للتحريج» مبادرة لزرع 40 مليون شجرة حرجية ضمن البرنامج الوطني للتحريج. وبحسب مدير التنمية الريفية والثروات الطبيعية في وزارة الزراعة شادي مهنا، يهدف مشروع وزارة الزراعة إلى إعادة الغطاء الحرجي إلى نسبة 20% من خلال زراعة 40 مليون شجرة حرجية على مساحة 70.000 هكتار من الأراضي البور في العقد المقبل، تضاف إليها مساحة 20 ألف هكتار من الأراضي الحرجية الصالحة للتدخل والتأهيل، وذلك بهدف تعويض المساحة المتوقع خسارتها خلال فترة العشرين عاماً.
وتقول وزارة الزراعة إن المرحلة الأولى من المشروع تشمل إنشاء البنية التحتية وتمتد الى أربع سنوات، على أن يبدأ العمل الميداني في التحريج في نهاية السنة الثانية، بحيث يتم تأهيل ألف هكتار من الأراضي الحرجية وتشجير ٢٠٠٠ هكتار من الأراضي البور، أي ما مجموعه ٣٥٠٠ هكتار بكلفة تصل إلى 24.3 مليون دولار أميركي سنوياً، وبكلفة إجمالية تصل إلى ٤٨٧ مليون دولار لفترة ٢٠ عاماً. ويشمل المشروع تأهيل ثمانية مشاتل حرجية تابعة للوزارة تقدّر طاقتها سنوياً بإنتاج مليوني غرسة حرجية. وتشمل الخطة الحماية من الرعي، والمحافظة على كثافة مدروسة للأشجار، مع الأخذ في الاعتبار الزيادات الناتجة من أنشطة إعادة التحريج.
يرى هاروتيونيان أن مشروع وزارة الزراعة طموح جداً، لكنه يواجه عقبة أساسية وهي قابلية إيجاد أراض مشاع جاهزة لإعادة التحريج. كذلك فإن الظروف المناخية في المناطق المرتفعة وفي السلسلة الشرقية لجبال لبنان تفرض تحريج أنواع معينة من الأشجار تحتاج إلى موارد عالية لضمان إنبات الأغراس، ومن الأمثلة على ذلك شجر اللزاب التي يرتبط إنباتها بطائر الكيخن.
ويلفت هاروتيونيان إلى أنه يجب أن تُقرّ خطة موحدة لإعادة التحريج لجهة طريقة التنفيذ وتحدي الأنواع وتدريب الكادر البشري وبناء القدرات، والاستفادة من الخبرة الفنية والتقنية للكوادر البشرية المتوافرة في وزارتي الزراعة والبيئة، مع الإصرار على التعاون والتنسيق مع كل الشركاء ذوي الصلة المباشرة أو غير المباشرة بالغابات.
ومن الأمثلة التي يعطيها عن اختلاف طريقة العمل قرار وزارة الزراعة تحريج ٥٠٠ غرسة في الهكتار الواحد في حين تصرّ وزارة البيئة على ألا تقلّ الأغراس عن ٨٠٠ ضمن الهكتار إلا في حال وجود طبيعة صخرية تمنع ذلك. ويشدد هاروتيونيان على أنه ينبغي كبح رغبة البلديات في تحريج أغراس الصنوبر بسبب مردودها الاقتصادي المباشر، لأن ذلك سيؤثر على المدى الطويل على التنوّع البيولوجي، لافتاً إلى أن الخروب ينتج الدبس، والسنديان والملول يمكن استثماره في إنتاج عسل عالي الجودة، لكن البلديات تفضّل الصنوبر بسبب ارتفاع قيمته التجارية.
السفير