مغاور ومحابس اكتشفت حديثاً في وادي قنوبين

مغاور ومحابس اكتشفت حديثاً في وادي قنوبين
مغاور ومحابس اكتشفت حديثاً في وادي قنوبين: يتوالى اهتمام الخبراء والناشطين البيئيين لاكتشاف معالم مغمورة من وادي قنوبين ذات صلة بأبعاده التاريخية والتراثية والروحية. وفي هذا الاطار، اكتشف ناشطون من رابطة قنوبين للرسالة والتراث، والجمعية اللبنانية للابحاث الجوف

يتوالى اهتمام الخبراء والناشطين البيئيين لاكتشاف معالم مغمورة من وادي قنوبين ذات صلة بأبعاده التاريخية والتراثية والروحية. وفي هذا الاطار، اكتشف ناشطون من رابطة قنوبين للرسالة والتراث، والجمعية اللبنانية للابحاث الجوفية مجموعة مواقع جديدة في الوادي هي مغاور طبيعية ومحابس اقام فيها الانسان في حقبات تاريخية متنوعة.
المواقع الجديدة ظهرت في باطن المنطقة المعروفة بـ "قرن الديمان" حيث حديقة البطاركة الموارنة، وتقع في الناحية المعروفة باسم المحابس، وهما مغارتان في اسفل القرن لجهة الوادي ومغارة معلقة في باطن القرن. والمواقع هي محابس مهجورة قبالة دير سيدة قنوبين. وتضمّ مدفناً يحوي هياكل عظمية بشرية جنوب كنيسة مار يوحنا مارون والكرسي البطريركي القديم في الديمان باتجاه وادي قنوبين، اضافة الى مغاور أخرى.

مغارة "حتيفة صعب"
المغارة الاولى التي اكتشفت تدعى وفق التقليد المعروف لدى المعمّرين من ابناء الوادي مغارة "حتيفة صعب"، اكتشفها الناشط في رابطة قنوبين سمير غصن خلال جولته في الوادي المقدس ومحيطه. تقع فوق الطريق المعروفة باسم طريق المحابس الممتدة من مجرى مياه الديمان - وادي قنوبين غرباً باتجاه سيدة الكرم. والمغارة كناية عن تجويف صخري تبلغ فتحته 20 متراً بعلو يقارب العشرة أمتار. يمكن الدخول اليها من هذه الفتحة لتصل الى مساحة داخلية تقارب المئة متر مربع مقسمة الى اربعة تعرجات صخرية هي بمثابة غرف يقارب ارتفاعها المنظور الـ 20 متراً. تضمّ ترسبات مائية متحجرة وتراباً رملياً وكلسياً في ارضها، وعلى جدرانها آثار تفحم اسود وبقع صمغية نباتية، وداخلها مرتع لحيوانات متعددة آثار اقدامها واضحة للعيان. تسد فتحة المغارة مجموعة من شجرات السنديان المعمّرة التي تحجبها عن العابر، فيما طريق الوصول الى المغارة وعرة وقاسية. ولا تظهر فيها اية بقايا هياكل بشرية او عظام مما يبعد احتمال ان يكون ثمة مدفن في احد جوانبها.

المحبسة
المغارة الثانية معروفة باسم المحبسة، وهي مواجهة مباشرة لدير سيدة قنوبين وتنكشف منها عبر زاوية مواجهة تبرزه بطريقة رائعة مع محيطه من الشجر والحجر. باب المحبسة يتجاوز الـ 15 متراً عرضاً ويرتفع الى حدود العشرة امتار، تبدو أمامه آثار جدار صخري مبني على يد الانسان الذي سكنها. في داخلها آثار حجرية، وتتقاطر من سقفها الصخري نقاط المياه بلا توقف. تتصل بمجموعة من الكهوف الصغيرة المغمورة في اسفل شير القرن المنتصب من وادي قنوبين الى الديمان.
غصن وصل الى المحبسة ودعا اليها مجموعة من متطوعي رابطة قنوبين للرسالة والتراث. ونظمت جولة شارك فيها عضوا الجمعية اللبنانية للابحاث الجوفية فادي بارودي وكارلوس فغالي ومن رابطة قنوبين ماريان عريضه وسمير غصن والكاتب انطوان فرنسيس والزميل جورج عرب وريمون البيسري احد نواطير الوادي. واشار بارودي الى ان المرحلة التالية، بعد استكشاف هذه المواقع هو اجراء الابحاث العلمية لتحديد الحقبة التاريخية التي اقام فيها الانسان، ولدرس الحقبة الجيولوجية التي تشكلت فيها هذه المغاور المحابس، وخصوصاً انها تضمّ ترسبات وتحجرات مائية وبقايا حجارة كلسية.

محبسة مار اسطفان التحتا
من المحبسة الى موقع شديد الخطورة معلق في باطن القرن المنتصب من وادي قنوبين باتجاه الديمان، حيث توجد احدى المحابس المهمة ذات الخصوصية التاريخية. الوصول الى المحبسة كان مغامرة حقيقية شارك فيها بارودي والفغالي والبيسري وعرب. وقد نصبت الحبال للتسلق الى المحبسة المعلقة وسط شير يعلو نحو 250 متراً، منتصبة وخالية من اي انحدار. باب المحبسة يقارب العشرة

امتار عرضاً بارتفاع يبلغ نحوعشرة امتار ايضاً، ومنه الى الداخل حيث المحبسة دائرية يقارب قطرها الستة امتار وعلوها داخل التجويفات الصخرية يقارب الـ 15 متراً. لا توجد في المحبسة اية ترسبات مائية متحجرة ولا حجارة كلسية. تحتوي على بقايا كسر فخارية وبلاط صخري مشغول على يد الانسان الذي سكنها. كما لا تظهر فيها اي دلائل لوجود مدفن داخلها، وفي محيطها شجرات لوز مثمر هي الوحيدة في تلك الناحية الحرجية الكثيفة باشجار السنديان مع القلة من الارز والشربين. طريق الوصول اليها في موازاة طريق المشاة الى قنوبين، نزولاً من كنيسة مار يوحنا مارون في الديمان. يتصل بالمحبسة لجهة الشمال الشرقي، كهف صخري صغير لا يحتوي اية آثار. ويمتد التجويف الصخري الى الشمال الشرقي ايضاً باتجاه موقع مزار مار اسطفان الاثري الذي بني سنة 1112 وهدمه المماليك سنة 1283 لدى حصارهم عاصي حدث الجبة، وعلى احد جوانب هذا التجويف الصخري، درج محفور بيد الانسان يؤدي الى الطبقات العليا من الشير الخالية من اية آثار ظاهرة ويعرف بـ "حتيفة بيت بو موسى". الطريق الى المحبسة شديدة الوعورة والقساوة وعبورها ليس متاحاً الا لمحترفي المشي ذوي الخبرة في تسلق المغاور والكهوف المعلقة، ولا ينصح تالياً بسلوكها.
في نهاية الجولة، يؤكد ناشطو الرابطة والجمعية متابعة الجهد التطوعي لاكتشاف المزيد من معالم الوادي المقدس. واشاروا الى ان المرحلة التالية من عملهم ستتركز على الجانب الغربي من قرن الديمان نزولاً من حديقة البطاركة نحو الوادي وحدث الجبة حيث توجد مجموعة مغاور وكهوف لم تكتشف بعد.

مدفن مار يوحنا
يقع المدفن في شق صخري لا تتجاوز فتحته المتر وبعمق يقارب الثلاثة امتار في باطن الشير الصخري الممتد من وسط الديمان باتجاه وادي قنوبين جنوب الكرسي البطريركي القديم في الديمان، الذي بوشر بناؤه سنة 1875 في عهد البطريرك بولس مسعد، واستكمل سنة 1899 في نهاية عهد البطريرك يوحنا الحاج، وجنوب كنيسة مار يوحنا مارون التي بناها البطريرك يوسف حبيش سنة 1834. مساحة المدفن تبلغ نحو 3 امتار عمقاً بارتفاع يقارب المترين وبفتحة تشكّل مدخلاً تقارب المتر الواحد عرضاً، وهو كائن في تجويف صخري متصل بمغارة معروفة باسم مغارة الجماجم. وتوجد في المدفن كمية كبيرة من العظام والجماجم غير المتفككة.

مغارة الشلقة
من المدفن نزولاً، والى الناحية الشرقية من مجرى المياه المنصب من الديمان الى وادي قنوبين، تنتشر مجموعة كهوف ومغاور غير مكشوفة ابرزها المغارة المعروفة بحسب التقليد باسم مغارة الشلقة. وهي تجويف صخري عرض فتحته يقارب الـ10 امتار بعمق وبارتفاع ستة امتار. لا توجد فيها اية آثار توحي بأن الانسان سكنها. تتصل بكهف معلق في باطن الجبل عرض مدخله وعمقه 3 امتار وارتفاعه نحو 4 امتار. يغمر المغارة والكهف رذاذ خفيف من مياه تتسرب ضمن تعرجات وفجوات باطن الشير الصخري.

"مغارة المادنة"
معلقة في باطن الامتداد الصخري، من الديمان الوسطى باتجاه وادي قنوبين. ترتفع عن اسفل الشير الصخري نحو مئة متر. فتحتها واسعة تتجاوز الـ 25 متراً وعمقها زهاء العشرة امتار فيما يقارب ارتفاعها الـ 15 متراً.
تنقسم الى ثلاثة تعرجات او فتحات صخرية وتظهر فيها ترسبات مائية متحجرة على شكل اعمدة دقيقة في داخلها العميق وعلى اشكال مختلفة في سقفها ومجموعة نباتات تغطي سقفها وواجهتها العلوية الخارجية الى غطاء متفحم اسود في بعض جوانب سقفها. ينكشف منها جزء الوادي المتوسط، حيث قرية وادي قنوبين والغربي المعروف باسم وادي قزحيا. تتصل بهذه المغارة لجهة الشمال، مغارة اخرى تدل آثارها الظاهرة على سكن الانسان فيها خلال احدى الحقبات التاريخية. في ارضها، بقايا كسر فخارية وحجارة منحوتة على يد الانسان، واستناداً الى تسمية المغارة باسم مغارة المأذنة ينفتح باب البحث التاريخي عن وجود المتصوفين المسلمين في تلك الناحية. الوصول الى الموقع مغامرة محفوفة بالأخطار بسبب الصخور المرتفعة والحادة، المهجورة والخالية من أية معالم لطرق مشاة مألوفة.

معصرة كرم الزيتون
تقع عند الطرف الغربي لكرم الزيتون الكائن بين ديري سيدة قنوبين وسيدة حوقا. منحوتة في صخر ابيض داخل مغارة تتسع فتحتها لنحو 10 امتار بارتفاع يقارب المترين وبعمق يصل الى 10 امتار. في وسطها جرن منحوت قطره زهاء المتر وعمقه متر ونصف متر. ووفق التقليد الموروث في وادي قنوبين، كانت المعصرة تستعمل لعصر زيتون الكرم الكائن الى جانبها وهو كرم معمر تتجاوز اعمار اشجار الزيتون فيه مئات الاعوام، وابرزها الشجرة الضخمة المعروفة باسم زيتونة العروس كرمز للخير والخصب. يمكن الوصول اليها عبر طريق مشاة قنوبين حوقا أو من مجرى نهر قاديشا صعوداً.

طوني فرنجية - جريدة النهار