
"البيئة" والعتمة السياسية: جميل شعار وزارة البيئة في حكومة "كلنا للوطن.. كلنا للعمل": "البيئة السياسية في خدمة السياسة البيئية". وحفاظاً على جمال الشعار، لن أدخل في "البيئة السياسية". أتوقف عند "السياسة البيئية" لأسأل: هل من سياسة بيئية في لبن
جميل شعار وزارة البيئة في حكومة "كلنا للوطن.. كلنا للعمل": "البيئة السياسية في خدمة السياسة البيئية".
وحفاظاً على جمال الشعار، لن أدخل في "البيئة السياسية".
أتوقف عند "السياسة البيئية" لأسأل: هل من سياسة بيئية في لبنان؟.
وقبل الإجابة، يفرحني أن الوزارة باتت تستخدم تعبير "السياسة البيئية" بعد زمن طويل من الانقطاع رفع فيه مع تعاقب وزراء شعار "إبعاد البيئة عن السياسة".
وأسارع بعد الفرح الى الإجابة: لا، لا سياسة بيئية في لبنان.
وللتأكيد.. فإن المشكلة البيئية الأساس في لبنان هي غياب السياسة البيئية، ولو كانت لنا سياسة بيئية لما تحولت "ملفات"، كالنفايات الصلبة المنزلية والصناعية والطبية والزراعية والنفايات السائلة على أنواعها والمقالع والكسارات والمرامل والتلوث على أنواعه والتدهور البيئي براً وبحراً وجواً.. الخ الى "مشاكل".
ولأن لا سياسة بيئية عندنا تكون اساساً ومنطلقاً وخريطة طريق لخطط وبرامج وحلول لـ"ملفات" تحولت "مشكلات" فإننا نغرق في مياه ملوثة وهواء ملوث وتراب ملوث وارتجال مشاريع تطلق في "همروجات" تتكرر مع كل وزير، مرة في مجابهة "وحش" المقالع والكسارات وثانية للمحافظة على ما تبقى من أخضر وثالثة للوصول الى إدارة النفايات ورابعة لرفع التلوث عن الليطاني بقاعاً وجنوباً وخامسة للحد من تلوث الهواء القاتل والمكلف..
وسبحة "الهمروجات والانجازات" تطول بين وزير ووزير، لكن..
الوحش مستمر في تصحير الوطن الأخضر..
والأخضر تلتهمه النار موسماً إثر موسم..
وإدارة النفايات إدارات وسياسات قاصرة والمكبات المشكوفة وضفاف الأنهر والشواطئ والوديان والأراضي الزراعية والانفاق غير المجدي في كل حدب وصوب شواهد على السياسة القاصرة..
والليطاني شريان الحياة بقاعاً وجنوباً تحوّل مكباً لكل أنواع النفايات الصلبة ومصباً لكل أنواع النفايات السائلة..
وهواؤنا يزداد غنىً بما ينفثه أسطول السيارات المتنامي من انبعاثات تنافس انبعاثات معامل الطاقة "الرسمية" ومعامل الاسمنت "الحضارية" والمصانع الغائبة عن رصد ومراقبة وتطوير.
ولأن لا سياسة بيئية عندنا فإننا مهددون باستمرار الغرق وباستمرار التدهورالبيئي.
وفي الوقت الذي يرسم فيه العالم آفاق "ريو+20" متجهاً الى "الاقتصاد الاخضر" وإيجاد الأطر المؤسسية لتحقيق التنمية المستدامة، فإننا في غياب سياسة بيئية لم نصل الى "ريو 1992" يوم اعتمد العالم في مؤتمر قمة الأرض في ريو دي جينيرو في البرازيل جدول أعمال القرن الواحد والعشرين، أي برنامج العمل من أجل التنمية المستدامة وتم فيه التوصل الى اتفاقيات بشأن المحافظة على الغابات والتنوع البيولوجي وتغير المناخ والعمل على التخلي عن أنماط الانتاج والاستهلاك غير المستدامة ووضع السياسات التي تؤمن استدامة التنمية والقضاء على الفقر، فأين نحن من "إعلان ريو" والاتفاقيات والسياسات التي تؤمن الاستدامة؟.
وقّعنا اتفاقية التنوع البيولوجي، أصدرنا قوانين اعلان عدد من المحميات ووقعنا اتفاقية الأمم المتحدة الاطارية بشأن تغير المناخ...
وتدرك وزارة البيئة قبل غيرها، ان التنوع البيولوجي تدهور ولا يزال وان أنواعاً مستوطنة ومتفردة في بيئة لبنان الطبيعية، نباتية وحيوانية، انقرضت وان أنواعاً مهددة بالانقراض..
وتعلم ان عدم تطبيق قانون الصيد البري أدى الى استمرار "قنص" الطيور والفتك بأنواع على اللائحة الحمراء للطيور المهددة بالانقراض..
وتعلم أن الصيد الجائر والملوثات التي تصب في البحر صحرت بحرنا وبات السمك نادراً والحياة البحرية الى تقهقر..وتعلم أن المحميات المعلنة بقوانين لا تحظى كلها بالحماية الفعلية.. وتعرف ما في محمية شاطئ صور وواقعها كل المعرفة..
وتعرف من يعتدي على الشاطئ من مسؤولين ووزراء..
وتعلم أنها لم تخطُ خطوة عملية وازنة في التخفيف من تلوث الهواء وفي الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، اذا استثنينا الوعد اللبناني الذي أطلقه رئيس الوزراء يومها سعد الحريري ووزير البيئة محمد رحال في قمة تغير المناخ في كوبنهاغن بالعمل على اعتماد الطاقة المتجددة الرياح والماء والشمس لانتاج 20% من الطاقة اللازمة للاستهلاك في لبنان، فهل يتابع الوعد؟ وهل تسعى الوزارة الى الوفاء بهذا الالتزام في المدى المحدد بعد 9 سنوات؟ وهل تسعى الى التوسع باعتماد الطاقة المتجددة التي أثبتت جدواها فتساهم في إزاحة عتمة استأنست اليها وزارة الطاقة منذ عهود ولا تزال؟.
أملنا أن تفي وزارة البيئة بالوعد وأن تسعى.
وأملنا أن يكون لها - لنا "سياسة بيئية" واضحة وسليمة وتكون خارطة طريق لتنمية مستدامة وقضاء على الفقر وحل لـ"الملفات.. المشكلات" وانتصار على عتمة بيئة سياسية فهل تفعل؟
عساها.. وعساها تنجح فننجح.