
كثر الحديث في الفترة الأخيرة عن «البناء الأخضر»، حتى أن البعض قد استخدم هذا المفهوم لتحصيل ضرائب إضافية ولتمويل ...
كثر الحديث في الفترة الأخيرة عن «البناء الأخضر»، حتى أن البعض قد استخدم هذا المفهوم لتحصيل ضرائب إضافية ولتمويل سلسلة الرتب والرواتب! ثم درجت عادة الترويج للأبراج الشاهقة داخل المدن، تحت العنوان نفسه، بحجة توفير المساحات الخضراء والاستثمار في الارتفاع بدلاً من الاستثمار في المساحات. كما يتم الترويج لإجراءات معينة للتوفير في المياه داخل الأبراج والتخفيف من الانبعاثات بالإضافة إلى إيجاد آليات لمعالجة النفايات...الخ.
إلا أن كل هذه الإجراءات الترويجية لا يمكن أن تستوفي شروط البناء الأخضر. أول هذه الشروط، ان مفهوم البناء الأخضر نفسه، لا يمكن ان يكون له جدوى بالمعنى الايكولوجي او البيئي، الا ضمن نظم خضراء متكاملة، او على الأقل ضمن مدن خضراء أيضاً. عند هذا الحد، يصبح السؤال: كيف تكون المدن خضراء؟
فما معنى ان يكون البناء أخضر وشاهقاً في شوارع ضيقة ولا تتوفر فيها البنية التحتية اللازمة؟ وما معنى إنشاء بناء شاهق في حي تراثي متواضع؟
ما معنى أن يكون البناء موفراً للماء في حين ان مصدر الماء للمدينة ليس نبعاً طبيعياً بل تمّ حصر مياه الأنهر خلف سدود مكشوفة ومن ثم يتم تكرير هذه المياه وجرها الى المدن (كما هو مخطط)، أي تم تدمير النظم الايكولوجية للأنهر، كما تم تلويث المياه ومن ثم تكريرها؟!
ثم كيف يكون البناء، ومهما بلغ ارتفاعه، أخضر وموفراً للطاقة، اذا كان المصدر الرئيسي للطاقة في المدينة من معمل حراري يعمل على حرق الفيول وبمواصفات بالغة في السوء وتتسبب بتلويث أجواء مدن ومناطق أخرى؟؟
ولائحة الأسئلة المماثلة تطال أيضاً المواد الأولية ومواد البناء. فكم علينا أن ندمر جبالاً ومناطق حرجية لاستخراج الحجارة والرمال والأخشاب؟
في ظل كل هذه الإشكاليات، بدأت ظاهرة انتشار الأبراج في سماء بيروت. ليس هذا هو العنوان. المسألة تتعلق بادعاء أصحاب هذه المشاريع بأنها تتطابق مع مفهوم «البناء الأخضر». أي ان الأبنية الشاهقة التي تناطح السحاب، هي أبنية صديقة للبيئة! فما مدى صحة هذا الزعم؟ ماذا يقول المروّجون وبماذا يرد المتحفظون؟
يؤكد مروّجو أحد اكبر الأبراج في لبنان، بأنه سيجسّد مفهوم «البناء الأخضر» بكل تفاصيله، سواء لجهة الحدائق والمساحات الخضراء الواسعة التي ستحوطه، أو من حيث تقنيات الاستدامة المعتمدة فيه، او من حيث النظم الحديثة للطاقة والمياه والصرف الصحي والتهوئة والتدفئة ومعالجة النفايات... التي تجعله نموذجًا في الحفاظ على البيئة.
وتؤكد إدارة هذا المشروع «أن المساحة المبنية منه لن تتعدى 1050 متراً من مساحة عقاره البالغة 5200 متر مربع، أي نحو 20 في المئة من مساحة العقار، مشيرة إلى أن الطبقات الخمسين التي سيتألف منها البرج، ستكون منسجمة مع الروحية البيئية للمشروع. وأبرزت أن الهوية «الخضراء» للمشروع «لا تتجسد فحسب في الحزام النباتي الجميل الذي يزّينه ويشكّل متنفساً للقاطنين فيه وفي هذا الجزء من المدينة، بل كذلك في كل تفصيل من التفاصيل المعمارية والإنشائية».
وشرحت إدارة المشروع في بيان أن الحلول والتقنيات التي تبناها هذا البرج تساهم مثلاً «في تحقيق وفر بنسبة 30% في استهلاك المياه».
المياه الرمادية والنفايات
أما المياه الرمادية أو المياه المبتذلة المتأتية من الحمامات وأحواض الغسيل والغسالات، «فلن تذهب هدراً، بل ستتم معالجتها في محطة خاصة في الطبقة السفلية، بحيث يعاد استخدامها لأغراض الريّ والتبريد وغيرها»، بحسب ما جاء في البيان.
أما فيما يتعلق بالنفايات، فأوضح البيان أنها، «لن ترمى اعتباطياً، إذ ستزوّد كلّ شقّة حجرة صغيرة فيها بثلاثة مستوعبات لإعادة تدوير النفايات، أحدها مخصّص للورق والكرتون والثاني للألمنيوم والمعادن والزجاج والبلاستيك والثالث للنفايات العضوية وغيرها». ويلحظ هذا المشروع، بحسب بيانات الشركة «تركيب وحدات لطحن فضلات الأطعمة في أحواض غسيل الأطباق، ممّا سيسمح بتلف 50% من النفايات العضوية المنتَجة ويوفّر نقل 120 كيلوغرامًا من النفايات إلى خارج الموقع يوميًّا».
الانبعاثات والمواد
كما يؤكد البيان أن مشروع سيتميز بإجراءات للحدّ من تأثير الانبعاثات التي يولّدها. وفي هذا الإطار، «سيجري تركيب أجهزة على عوادم المولّدات والغلايات بهدف تنقية البخار من أوّل أكسيد الكربون. كذلك تجري حماية الأنابيب والمواد النافذة من التلوّث عبر استخدام مرشّحات عالية الكفاءة لإزالة الجسيمات العضوية المتطايرة والدخان وتحسين جودة الهواء».
وحول مواد البناء، تفيد الإدارة بأن «كلّ المواد اللاصقة والمواد المانعة للتسرّب ومركّبات الخشب والدهانات المستخدمة في البرج، تتميز بعدم إنتاجها أيّ جسيمات عضوية متطايرة أو بإنتاجها كمّية قليلة من هذه الجسيمات».
ملاحظات وتحفظات
مصادر هندسية للبناء الأخضر التي فضلت عدم ذكر اسمها وضعت ملاحظات عدة حول الادعاءات بأن يتطابق إنشاء الأبراج مع شروط ما يسمى «البناء الأخضر».
بالنسبة الى استهلاك المياه ، تقول المصادر إنه من الممكن تحقيق وفر ثلاثين في المئة من الماء من خلال اعتماد خلاطات المياه الموفرة المستعملة للدوش والمغاسل والمعدات المستهلكة للمياه مثل الغسالات والجلايات... ولكن بشرط أن يكون لدى المستعمل الوعي الكافي لكيفية ترشيد المياه، اذ ان أكثر الخلاطات وفراً لا تجدي نفعاً إذا تركت المياه جارية، على سبيل المثال.
أما بالنسبة للمياه الرمادية، فالادعاء ان المياه لن تذهب هدراً قد لا يكون دقيقاً، اذ ليس بالإمكان استعمال جميع المياه الرمادية الناتجة عن المشروع لأن المساحات الخضراء لن تكون كافية لاستيعابها من شهر تشرين الأول حتى شهر أيار. وحتى في أيام الصيف لا تستطيع الاستيعاب، اذ ان الكميات المتوفرة هي أكثر بكثير من الطلب لري المساحات الخضراء.
مخاطر التنقية والتبخر
من جهة أخرى لا يرى الخبراء في البناء الأخضر انه من المستحب اعتبار مياه صرف الغسالات مياهاً رمادية اذ أن نسبة الملوثات عالية في تلك المياه.
أما لناحية استعمال المياه الرمادية للتبريد، فيجزم المصدر بأن هذا الإجراء خطير للغاية لأن أي جرثومة (أكانت فيروس أو بكتيريا) قد لا تزال في المياه المكررة، قد تؤدي من خلال عملية تبخر المياه الى انتشارها في الهواء مما قد يؤدي الى إصابات مرضية بشرية بالغة الخطورة، وقد حصل ذلك في حالات عدة أدت الى وفيات (مثلاً جرثومة اللجيونيللا).
أما بالنسبة لطحن فضلات الأطعمة في أحواض غسيل الأطباق، فيرى المصدر أنها لا تقلل من وطأة النفايات اذ ان الحمل البيولوجي لمياه الصرف سيزداد أضعافاً مضاعفة... وسيترجم ذلك فعلياً في تلوث زائد لمياه البحر، طالما ليس عندنا محطات معالجة لمياه الصرف.
ويعتبر المصدر أن المعلومات المقدّمة حول تنقية الغازات المنبعثة من عوادم المراجل والمولدات غير دقيقة بتاتاً من الناحية التقنية ولا تستند على أي أساس علمي. اذ ان نظام «مرف» هو تصنيف لأداء المرشحات لإزالة الجزيئات الصلبة في الهواء وليس له أي صلة فيما يتعلق بتنقية الغازات المنبعثة من عوادم المولدات او المراجل.
هل يصبح النقل جواً أيضاً؟
لا يعرف حتى الآن ما هو حجم الشقق والمكاتب والمحلات التجارية لهذه الأبراج، وكم ستتسبب بزيادة سكان المدن؟ وما سيكون انعكاس ذلك على البنية التحتية من طرقات وتسبب بزحمة سير، او بتلك الضغوط الناجمة على شبكات الصرف او بزيادة الطلب على المياه والطاقة...الخ. واذ تقول المصادر ان احد اكبر هذه الأبراج يحتوي على سبيل المثال على سبعين شقة وثمانين مكتباً وأربعين محلاً تجارياً ومقهى ومطعماً... فيعني ذلك ان علينا ان نتوقع زيادة في عدد السيارات والآليات في حي واحد، ضيق، كمعظم أحياء بيروت، بما لا يقل عن ألف سيارة وآلية يومياً، ستدخل وتخرج الى الحي نفسه (وربما في الوقت نفسه)، بالإضافة الى السيارات والآليات الموجودة الآن أصلاً والتي تتسبب بزحمة سير يومية! مع ما يعنيه ذلك من زيادة بنسب عالية جداً في تلوث الهواء المديني وباستهلاك أعلى للوقود المستخدم في قطاع النقل وهدر في ساعات العمل... مما يضيع كل المكتسبات التي تحدث عنها دعاة الأبراج كأبنية خضراء.
وإذا ما طبقنا اعتماد مبدأ إنشاء الأبراج على شكل واسع في ظل مدن وأحياء مقفلة وصغيرة، فعلينا أن نحدّث في وسائل النقل لتصبح في الجو، انسجاماً مع الأفكار الطيارة أيضاً!
السفير