
بعد معاناة طويلة وأزمة بيئية مزمنة أنتجها التلوث الذي يجتاح مجرى نهر الجوز ومياهه منذ زمن في المنطقة الجردية ...
بعد معاناة طويلة وأزمة بيئية مزمنة أنتجها التلوث الذي يجتاح مجرى نهر الجوز ومياهه منذ زمن في المنطقة الجردية من قضاء البترون، تم وضع مشروع الصرف الصحي ومحطة التكرير على سكة التنفيذ بعد إنهاء الدراسات اللازمة وتلزيم المشروع للشركة المتعهدة لتنفيذ الشبكة والمحطة ومراكز التجميع.
هذه الخطوة التي شكلت مصدر ترحيب من معظم أهالي منطقة البترون والقرى والبلدات الجردية، لاقت اعتراضاً من عدد سكان واصحاب المنازل السكنية القريبة من الموقع الذي تمّ اختياره في «بساتين العصي» لاقامة المحطة، فأعربوا عن احتجاجهم وطالبوا بنقل موقع المحطة الى عقار آخر، بعيداً عن منازلهم وعن مجرى النهر.
بين ضرورة قيام محطة التكرير وبين تخوّف الأهالي من موقع المحطة وعدم جدية تنفيذ المشاريع العامة ومتابعتها وصيانتها... حصل تباين وتضارب في المواقف من المشروع.
الا أن الجميع يرحب بتنفيذه كي لا يبقى النهر مجروراً والمجرور نهراً جراء تدفق مياه الصرف الصحي الى مجرى نهر الجوز الذي يروي المنطقة والأراضي الزراعية بما فيها سهل بساتين العصي.
فمنذ سنوات يتعرض وادي نهر الجوز الأثري السياحي والديني على امتداده من جرود البترون الى ساحلها لحالة بيئية سيئة جداً نتيجة المياه المبتذلة للصرف الصحي التي تمتزج بمياهه وتؤثر على الحياة الحيوانية والزراعية والبيئية بشكل عام.
واذ من المعلوم أن لا حفر صحية في القرى والبلدات التي تعلو نهر الجوز وكل المياه المبتذلة تدخل الى مياه نهر الجوز... كانت المشكلة الكبرى التي تتطلب حلاً جذرياً من خلال هذا المشروع الذي وجد فيه الاهالي حاجة ملحة. ولكن كيف التوفيق بين تلبية هذه الحاجة وبين أصوات المحتجين التي ارتفعت للاعتراض على موقع المحطة؟
التحفظات على الموقع والإدارة
يقول مختار بلدة دير بللا الياس صعب الذي يسكن قرب الموقع المذكور: «نحن نريد مشروع صرف صحي، ونرحب كل الترحيب به، لكن اعتراضنا هو على الموقع الذي تم اختياره. نحن لن نقبل بأن يشتمنا أولادنا ومن بعدهم أحفادنا. نحن نخاف من مشاريع الدولة التي إن نفذت لا تحظى بالمتابعة والصيانة اللازمة. وهذا ما نلمسه في مشاريع كثيرة منها محطة الضخ في كفرحلدا التي تتوقف عن العمل تارة بسبب انقطاع التيار الكهربائي وتارة أخرى بسبب فقدان مادة المازوت وغيرها. نحن علينا أن نحذر من المستقبل، ولا يجوز أن تقوم المحطة في الجهة المقابلة لشلالات كفرحلدا والمطاعم التي تشتهر بها كفرحلدا وبساتين العصي». وسأل: «اذا فتحت غدا قساطل معاصر الزيتون وتدفق الزيبار الينا فماذا ستكون النتيجة؟ نحن اليوم نركب في مركب نجهل اتجاه بوصلته. نحن مع المشروع قلباً وقالباً ولكن علينا اختيار الموقع الصحيح في منطقة سياحية نقية نظيفة يقصدها الزوار، وعلينا معرفة استثمارها». وختم بالتأكيد: «نحن نسعى للتفاهم على تبديل الموقع من أجل مصلحة البلدة لا أكثر ولا أقل».
تطمينات
ويشير منسق الهيئات الاهلية في كفرحلدا حميد داوود «الى وجود هاجس الخوف لدى الأهالي من انبعاث الروائح الكريهة من المحطة، لكن المشروع المنوي تنفيذه سيقوم بشكل مدروس حسب دفتر الشروط والمواصفات المطلوبة والمحددة نظرياً، والتي تؤكد أن وجود المحطة بين المنازل لا يؤثر على صحة الناس ولا على البيئة. لذلك نسعى مع الأهالي على إزالة هاجس الخوف من المحطة لأننا شددنا على تطبيق المواصفات العالية». واضاف داوود قائلاً: «وكي لا يبقى النهر مجروراً والمجرور نهراً، سيتم تركيب قسطل بشكل دائم يربط المجرور الى أمكنة بعيدة عن ضرر الناس لرفع الهاجس عنهم... وفي حال حصل أي طارئ لجهة سوء إدارة التشغيل في المحطة أو انقطاع التيار الكهربائي يصار الى فتح القسطل منعاً لاي انبعاثات لروائح نتنة وهذا يشكل ضمانة للناس في المنازل القريبة من المحطة».
تعهدات ومسؤوليات
وكان عقد اجتماع بدعوة من رئيس بلدية كفرحلدا الدكتور عادل حبيب ضم رؤساء بلديات ومخاتير الجرد المعنيين بالمشروع وتم التأكيد على تحمل المسؤولية في تنفيذ المشروع ومتابعته ومراقبة تشغيله كضمانة للناس. وتم توجيه كتاب الى اتحاد بلديات منطقة البترون لتبني الإشراف على هذا المشروع بحرفيته من أجل الحصول على محطة سليمة مئة في المئة.
بدوره أكد رئيس بلدية كفور العربي نصر فرح «أهمية المشروع وضرورة قيامه وعلى حق الناس في بيئة سليمة».
ويشير البعض الى وجود أزمة نفسية لدى جيران المحطة. وهو أمر يجب تبديده. فهم لا يقتنعون بعدم حصول أعطال في المحطة أو عدم تجاهل الصيانة فيها. وبين حقهم وبين أهمية المشروع، يفترض أن يتم التوفيق بين أهمية تنفيذ المشروع وحق المواطنين في بيئة نظيفة. من هنا أهمية التنسيق بين البلديات والمخاتير وباتجاه وزارة الطاقة ومجلس الإنماء والإعمار والشركة المتعهدة لتنفيذ المشروع وفق المواصفات السليمة، لأنه مشروع يحفظ المياه الجوفية.
أهمية المشروع
تملك تنورين أكبر خزان جوفي في لبنان، وتنفيذ المشروع يساهم بالاضافة الى تنظيف نهر الجوز وتحويله من مجرى للصرف الصحي الى نهر مياه نظيفة، تنظيف القرى ومساعدة البلديات التي تفتقر للإمكانات لشفط الحفر... مع الإشارة الى أن في بساتين العصي بساتين زراعية جدية فيها اراضٍ مزروعة تروى بمياه الصرف الصحي! الى جانب الثروة السمكية النهرية التي قضى عليها التلوث. ومع مياه نظيفة في النهر سيتم إحياؤها ومعها يتم إحياء مصدر رزق للمواطنين، بالاضافة الى توفير محيط مائي نظيف للمطاعم والأماكن السياحية على ضفاف النهر. من هنا أهمية تنفيذ المشروع بشكل جيد لأن العكس سينعكس سلباً على المستويات كافة. لذلك الحلقة الأهم بعد تنفيذ المشروع هي تأمين جهاز مراقبة لعمل المحطة وتشغيلها.
تاريخ التلوث والمحاولات
يؤكد رئيس بلدية كفرحلدا الدكتور عادل حبيب أنّ «مشكلة تلوث النهر في البلدة عمرها أكثر من خمسين عاماً، وقد سعى اتحاد البلديات في وقت سابق الى شراء قطعة أرض لإنشاء محطة تكرير عليها، ولكن الملفات والدراسات جُمّدت لأسباب تقنية وفنية، إذ إنّ مساحتها لا تتعدّى الـ 10 آلاف متر».
ولم ينفِ حبيب «حق الأهالي بالقلق والتخوّف من إهمال الدولة صيانة المحطة، ولكن هذا لا يعني أنهم يعارضون المشروع ككلّ، فالمنطقة بحاجة ماسّة له»، مؤكداً «ان المحطة لن تسبّب أي إزعاج أو تشويه لجمالية الشلال، لأنها لن تكون على مرأى من أعينهم، بل ستقام خزّاناتها وإمداداتها تحت الأرض، كما أكد لي القيّمون على المشروع».
وشدد على ان «كل ما يشاع عن تحويل الصرف الصحي الى الشلالات ليس كلاماً دقيقاً وعارياً من الصحة، فالهدف الرئيسي من هذه العملية هو تنظيف النهر والشلالات، ما يؤدي الى تحسين أوضاع المنطقة والمواطنين». كما اكد «ان هذه المحطة ستكون الحل الجذري لمشكلة التلوث في مجرى النهر الذي يروي الاراضي الزراعية في الوسط والساحل البترونيين».
السفير
تقنيات جديدة ومبتكرة لزراعة أغراس الأرز
لزراعة أغراس الأرز تقنيات خاصة، تبدأ من إحضار الأكواز الناضجة الكبيرة للحصول على البذار الجيد، إلا أن الأمر ليس بهذه السهولة، فهو يتطلب دراية وخبرة لتأمين أغراس قابلة للحياة، وغرسها لاحقاً في بيئتها الطبيعية، خلافاً لأنواع أخرى من الأشجار التي تنمو من دون الحاجة إلى رعاية استثنائية.
تتطلب شجرة الأرز لإنباتها الاهتمام والصبر، منذ تكوّنها كبذرة وصولاً إلى زرعها في أوعية خاصة من أكياس النايلون أو البلاستيك. كما تتطلّب الاعتناء بها سنوات عدة لتصبح غرسة يمكن زراعتها في الأرض، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة من الرعاية لتتعمّق جذورها في التربة لتصبح شجرة بإمكانها مواجهة الظروف الطبيعية بعيداً من تدخل الإنسان.
يقوم بهذه العملية المعقدة طلاب المدارس من أعضاء الأندية البيئية التربوية، بإشراف «جمعية غدي» التي توفر مستلزمات الزراعة من خلال «المشتل البيئي التربوي» الذي أطلقته قبل عشر سنوات بالشراكة مع وزارة البيئة في ثانوية النهضة الوطنية دير الشير في بلدة بمكين قضاء عاليه. يوائم هذا المشروع بين التربية والبيئة بالعمل والتجربة، خصوصاً أن التلامذة من مختلف المراحل هم من يقومون بزراعة الأغراس والعناية بها مستفيدين من الامكانيات المتاحة في المشتل.
طريقة الزرع
عن زراعة الأرز يقول رئيس الجمعية المربي فادي غانم لـ «السفير»: «اننا نحضر الأكواز الناضجة من محمية أرز الشوف ونحن على تعاون وتنسيق مع القيمين عليها». وأضاف: «يقوم التلامذة بفتح الأكواز بطريقة معينة واستخراج الأوراق التي تحمل البذور الجيدة، واذ تكون كل بذرة ملتصقة بورقة رقيقة، نضع البذور المنتقاة في أوعية خاصة ونقوم برش التربة الرملية فوقها ونضعها في البراد على درجة حرارة ما دون الصفر للاحتفاظ بالرطوبة لفترة تمتد شهراً أو أكثر. في هذه الفترة تكون البذرة قد أصبحت جاهزة للزرع بعد تصمّغها، ومن ثم نبدأ زراعتها في أوعية صغيرة لسنة واحدة، ومن بعدها نقوم بنقلها الى وعاء أكبر أو زرعها في الأرض مباشرة اذا توفرت سبل العناية».
وأشار غانم إلى «اننا تأخرنا هذا العام ولكن لم يفتنا الموسم وبدأنا الزرع منذ خمسة عشر يوماً وذلك بسبب انتظار أن تصبح البذور جاهزة».
وحث المدارس على «الاحتذاء بهذه التجربة لتكريس علاقة وطيدة بين التلميذ والأرض لأن من يزرع من الصعب أن يقتلع شجرة مستقبلاً»، ودعا المدارس كافة «لزيارة المشتل والوقوف على تجربتنا».
زراعة أشجار أخرى
«لدينا أغراس من الأرز عمرها ست سنوات نزولاً حتى سنة واحدة، فضلاً عن الاغراس الجديدة، ونحن مستمرون في زراعة ليس الأرز فحسب وإنما الصنوبر المثمر والسنديان والزيتون والورد والملول، ونحضر لزراعة أنواع جديدة كالزيزفون والصفصاف وأشجار لبنانية تلائم بيئتنا ومناخنا». كما يقول غانم. ويضيف : «اننا زرعنا حتى الآن على مدى عشر سنوات 30 ألف شجرة صنوبر و 7 آلاف شجرة ارز و7 آلاف شجرة سنديان وساهمنا من خلالها في حملات تشجير في مختلف المناطق اللبنانية»، لافتاً إلى أن «دعم وزارة البيئة معنوي والعبء الأكبر يقع على عاتق الجمعية».
أما التلامذة فعرضوا بدورهم لتجربتهم، فأكد علي مغربل «اننا قادرون على القيام بدور ومهمة تفترض تضافر كل عناصر المجتمع المدني للوصول الى بيئة سليمة وتنمية مستدامة»، ورأى أن «الفرح الذي نعيشه يختصر سنوات من الجهد والتعب»، وأشار الى ان «اهتمامنا الآن يتركز على زراعة الأرز بعد أن زرعنا الصنوبر والسنديان».
فرح النمو والشعور بالأمومة
ايلي خلف اعتبر أن «من يزرع غرسة ويعتني بها لا يمكن ان يقطع شجرة»، وقال: «اننا نتعايش مع الحياة الطبيعية، فبذرة الأرز الصغيرة جداً، نستخرجها من الأكواز ونقوم بطمرها، والفرح الذي نعيشه هو عندما تبدأ بالنمو».
سارة عامر، قالت: «لم يقتصر عملنا في المشتل وحسب، وإنما هناك أنشطة بيئية كثيرة نقوم بها، ففي العام الماضي قمنا بتجربة رائعة خصيصاً لمناسبة عيد الأم، فساعدتنا المدرسة والجمعية على شراء شتول ورود صغيرة مع بداية العام الدراسي، واعتنينا بها وأزهرت وقمنا بنقلها إلى أوعية أكبر، ولففناها بورق معاد تدويره وقدمناها لأمهاتنا في عيدهن»، وأشارت إلى «أن زراعة بذرة الأرز يدخل البهجة إلى قلوبنا عندما تتفتح وتصبح غرسة صغيرة ونشعر أننا نساهم في إعادة المساحات الخضراء الى لبنان».