هل إنشاء حيد بحري من الآليات التالفة يجوز «بيئياً»؟!

هل إنشاء حيد بحري من الآليات التالفة يجوز «بيئياً»؟!
احتفل الأسبوع الماضي بتدشين مشروع الحيد البحري الاصطناعي Artificial reef الذي تم إنجازه في 17 حزيران 2012 في ...

احتفل الأسبوع الماضي بتدشين مشروع الحيد البحري الاصطناعي Artificial reef الذي تم إنجازه في 17 حزيران 2012 في منطقة العبده شِمال لبنان. وقد اعتبر «المشروع البيئي السياحي الاقتصادي، والأول من نوعِهِ في منطقةِ شرقِ المتوسط». فما هو هذا المشروع الذي يقوم على دفن الهياكل التالفة للآليات العسكرية وتلك التابعة لوزارة الأشغال في البحر؟ وما مدى صحة هذا الزعم؟ وهل هو بيئي فعلاً ويمكن تعميمه على طول الشاطئ اللبناني كما تتمنى النوادي المنظمة بتأييد من وزارة البيئة؟!
نفذ المشروع بالشراكةِ بينَ مؤسستي أندية الليونز الدولية وجمعية أندية الروتاري الدولية وبالتعاون مع وزارةِ البيئة ووزارتَي الأشغالِ العامة والنقل، الدفاعِ الوطني، وقيادةِ الجيش التي قدمت الآليات الثقيلة المعدّة للتلف، لبناءِ «الحيد الاصطناعي».
كما تمّ التعاون مع جامعة البلمند (قسم الدراسات البيئية) التي أشرفتْ على الدراساتِ التقنية في البحرِ، وعلى العمقِ الذي تم الإنزال فيه (حوالي 24 متراً)، وعلى الأمواجِ والتيارات ليكونَ هذا الحيد، المربعِ الشَكل، في وضعيةٍ علميةٍ تساعدُ على تجميعِ عدد كثيف من الأسماك.
يتألف هذا الحيد من ثلاث وحدات، تَفصل بينها مسافة 70 إلى 75 متراً.
وقد استغرق إنجاز هذا المشروع الاصطناعي فترة سنة وهو بحسب الجهات المشرفة على المشروع، يهدف ليس فقط إلى زيادةِ الثروةِ السمكية مما يعود بالمنفعة على الجميع وخاصةً على الصيادين، إنما يهدف أيضا إلى تشجيع ِالسياحة البحرية من غطسٍ وغيرِها.
أعلن عن المشروع في احتفال الأسبوع الماضي بمشاركة وزراء البيئة ناظم الخوري والأشغال غازي العريضي والدفاع فايز غصن والإعلام وليد الداعوق والنائب سمير الجسر وممثلين عن قائد الجيش والمدير العام لقوى الأمن الداخلي ومكتب الفاو في لبنان ومستشار رئيس الحكومة خلدون الشريف وجهات شمالية وجمعيات بيئية.


أسئلة

يقول أحد المنظمين (من النوادي غير البيئية في الأصل) في حفل التدشين بحضور الوزارات المعنية أنه «تم انتقاء هذا المشروع من ضمن مشاريع عدة كانت وزارة البيئة صنّفتها كمشاريع ملحة». مع العلم أن وزارة البيئة وأثناء عرضها برامج عملها منذ ثلاث سنوات وخطتها السنوية لم تذكر ولا مرة واحدة أنواعاً من المشاريع كهذه، لا ضمن «ال
مشاريع» ولا تحت بند «ملحة». وهي في الحصيلة ليست أكثر إلحاحاً من معالجة المكبات العشوائية في الوديان وعلى الشاطئ نفسه، ولا هي أكثر إلحاحاً من معالجة مياه الصرف التي تصب في الوديان وعلى الشاطئ إياه. وقد تمنى المتحدث باسم النادي «أن يكون تدشين هذه المحطة الأولى من ضمن مشروع متكامل يهدف الى تكرار التجربة على كامل الشاطئ اللبناني من الشمال الى الجنوب». وقد أيد وزير البيئة هذا التمني في ختام كلمته! فبناء على أية دراسات تم اعتماد هذا الخيار والتوسع به؟! هل هناك من يريد ان يحول الشاطئ اللبناني الى مكب لكل ما هو هياكل آليات تالفة ونفايات صلبة وخردة؟ وكيف يمكن الاتكال على دراسات جزئية لموقع محدد في وقت محدد لإنشاء مشاريع دائمة كهذه؟ ومن قام بمسح للحياة البحرية على المواقع التي تم اختيارها للقيام بهذه العملية وأعد الدراسات المسبقة لمعرفة ما سيكون لهذا المشروع (وغيره) فيما بعد؟ ومن قال إن الدمج بين البيئي والاقتصادي والسياحي هو بهذه البساطة؟ فكيف يمكن جعل هذا الموقع مركز أبحاث وطُعماً للأسماك الكبيرة وصيداً سميناً للصيادين ومشهداً جميلاً للغواصين... في الوقت نفسه؟! فأي موقع او موضع لا يصلح للدراسة الا اذا كان على شيء من الثبات ولا تتغير معطياته باستمرار. وهذا لن يتوفر في موقع تحصل فيه عمليات استثمار في الصيد او في السياحة؟


تحفظات

يتحفظ الدكتور عماد سعود المتخصص في علوم البحار في الجامعة الأميركية في بيروت على هذا المشروع من ناحية المبدأ وليس من ناحية إمكانية التحقق. وهو يسأل عن الدراسات المسبقة التي سبقت الإعداد لهذا المشروع والهدف منها؟ كما سأل كيف تم اختيار هذا الموقع. وقد توقع أن يجذب هذا الريف (الحيد) الأسماك الكبيرة التي تأكل عادة الأسماك الصغيرة، معتبراً أن هذه الأسماك إذا ما تم تسهيل صيدها في هذا المشروع فسيتم القضاء عليها وعلى ذريتها مما يهدد التنوع البيولوجي البحري.
كما سأل عن الحكمة من وضع الحيد على عمق 24 متراً، مشككاً في أنه لن يستطيع الصمود أمام التيارات البحرية والأمواج والعواصف القوية والتي يمكن أن تزيل هذا المشروع ولا نعرف أين ترميه، مع اعترافه بأن الآليات العسكرية الكبيرة والثقيلة يمكن أن تكون صالحة لهذا المشروع إذا تمّ تنظيفها وإعدادها لهذه الغاية.
وكشف سعود عن وجود تجارب ودراسات في الولايات المتحدة الأميركية حول هذا الموضوع، وأنها اعتمدت على الآليات العسكرية الضخمة والسميكة وليس على الحافلات والسيارات الرقيقة السماكة والتي لا تصلح لأنها تتعرض للصدأ والزوال قبل ان تنمو عليها الكائنات البحرية والمرجان.
كما سأل عن كيفية حماية هذه البنية؟ ومَن يحميها؟ مشدداً على أن تسهيل صيد الأسماك الكبيرة سيهدّد الثروة السمكية، كالقضاء على الأمهات التي تلد تلك الثروة وتجددها دائماً.


السفير