
تعلو الأصوات في لبنان كلما فاضت الأنهر بمياه الأمطار ودخلت المنازل والمحلات التجارية (نهر الغدير وحي ...
تعلو الأصوات في لبنان كلما فاضت الأنهر بمياه الأمطار ودخلت المنازل والمحلات التجارية (نهر الغدير وحي السلم نموذجاً)... وهي مشكلة اقل خطورة من فيضان مياه الصرف الصحي غير المعالجة والمقدرة بما يقارب 250 مليون م3. كما هي اقل خطورة أيضا من النفايات الصناعية السائلة التي ترمى في البحر او في الأنهر والوديان والتي تختلط مع مياه الأمطار ومياه الصرف الصحي والمقدر حجمها بما يقارب 60 مليون م3 سنويا... فكيف اذا دخل قسم من هذه المياه الى المنازل أيضاً؟
كيف ستكون الحال اذا اختلطت النفايات الصناعية السائلة بالتربة والمياه الجوفية او اذا اختلطت بمياه البحر؟
في لبنان، كما في معظم البلدان النامية، تنتج مشكلة التلوث من مياه الصرف الصحي جراء عدم كفاية شبكات الصرف الصحي وعدم وجود محطات للمعالجة. كما ان التصريف اليومي لمياه الصرف الصحي والنفايات الصناعية السائلة في الوديان او الأنهر او في المياه الساحلية يؤثر سلبًا على الصحة العامة ويؤدي إلى تدهور في نوعية الموارد المائية والبيئة البحرية. وتكبر المشكلة أكثر وأكثر عندما يتم تصريف معظم النفايات الصناعية السائلة دون أي معالجة، كون هذه النفايات هي أكثر تعقيداً وخطورة من مياه الصرف المنزلية لأنها تحتوي على مواد كيميائية سامة غير عضوية، أو على معادن ثقيلة مثل النحاس، والكروم، والرصاص، الفضة، الزئبق ... وغيرها.
لطالما قيل في لبنان منذ أن تم إنجاز أول دراسة حول النفايات الصناعـية الـعام 1998، ان الصناعات ليست قادرة على متابعة متطلبات المعالجة التي وضعتها السلطات المختصة بسبب كلفـتها العالية وعدم قدرتها على تحديد الخطط والطرق المناسبة للمعالجة... غير انه من الضروري ان تعتمد هذه الصناعات على تنفيذ خطط فعالة من ضمن أسعار معقولة. فهناك أنظمة بسـيطة فعالـة للمعالجة الأولية (في المؤسسات الصناعية) وهي تحتاج إلى مـبادرات وبـعض الدعـم، خاصـة ان لبنان من الدول الموقعة على اتفاقية برشلونة بما في ذلك بروتوكول حماية البحر المتوسط من التلوث البحري.
فما هو اثر هذه النفايات السائلة على البيئة والصحة وكيف يمكن معالجتها؟ وهل تصلح شبكات ومحطات معالجة مياه الصرف الصحي في معالجة النفايات الصناعية السائلة؟ وبأية شروط؟
حجم المشكلة
تقدر الدراسات الصادرة عن وزارة الطاقة والمياه حجم النفايات السائلة بحوالي 310 ملايين متر مكعب سنوياً، حيث تشكل مياه الصرف الصحي حوالي 250 مليون م3 منها، اما النفايات الصناعية السائلة فهي تشكل حوالي 60 مليون م3 سنويا. من الجدير الإشارة ايضا الى ان الخصائص الكيميائية والفيزيائية والبكتيريولوجية لمياه الصرف الصحي والنفايات الصناعية تختلف اختلافاً كبيراً. وتشير التقديرات ايضًا إلى أن نسبة الطلب على المياه الصناعية تتراوح بين 150 و163 مليون متر مكعب في السنة، أي ما يعادل نحو 11٪ من إجمالي الطلب على المياه السنوية.
حتى الآن، قامت الدولة اللبنانية (متأخرة) ببناء محطات عدة لمعالجة مياه الصرف الصحي، ولكنها لم تقم بأي استثمار في بناء محطات معالجة النفايات الصناعية السائلة! ولطالما حذر من يشرف على إنشاء محطات الصرف المنزلية بأن لا يتم تصريف مياه النفايات الصناعية السائلة في الشبكات وهذه المحطات لأنها غير معدّة لذلك.
انطلاقاً من ذلك، فإن غياب محطات معالجة النفايات الصناعية السائلة في لبنان وعدم تطبيق القوانين المتعلقة بضبط التلوث... قد شجع القطاع الصناعي على تصريف النفايات السائلة الناتجة عنه إلى شبكات الصرف الصحي أو مباشرة إلى البيئة الطبيعية دون أية معالجة ودون أي رادع ذاتي ودون أي إجراء عقابي من الدولة والأجهزة المعنية.
تشمل النفايات الصناعية السائلة مياه الصرف الصناعية (والزراعية ايضاً). هي ناتجة من النشاطات المتعلقة بتجهيز وتصنيع المواد الخام، بالإضافة إلى غسل، طبخ، تبريد، تنظيف، استخراج المنتجات وتفاعلها ونقلها. وقد تشمل أيضاً مياه الصرف الصناعية بعض مياه الصرف الصحي المنزلية من مرافق الغسيل المتوفرة للعاملين في المصنع.
القطاع الصناعي في لبنان
أجريت دراسات وإحصاءات عدة للواقع الصناعي في لبنان، ووفقاً للدراسة الأخيرة التي أجرتها وزارة الصناعة في العام 2007 التي نشرت في العام 2010، فقد تم تحديد حوالي 4033 مؤسسة صناعية كبيرة الحجم وحوالي 3065 مؤسسة صناعية صغيرة الحجم (مع الإشارة إلى دراسات أخرى قدرت عدد المؤسسات الصناعية بما يقارب 22 ألف مؤسسة). وتعرف المراسيم المرعية الإجراء المؤسسة الكبيرة الحجم وفقاً للآتي:
التي تضم خمسة عمال على الأقل، التي تزيد مساحة العمل فيها عن 100 م 2، التي يزيد استهلاك الطاقة فيها عن 50 أمبيراً أو ما يعادلها.
وفقا لدراسة وزارة الصناعة المذكورة، فإن نصف المؤسسات الكبيرة الحجم تقع في محافظة جبل لبنان، و18,4 % منها تقع في محافظة البقاع، وبالتالي فمن المحتمل أن تكون الانعكاسات السلبية على البيئة شديدة في هاتين المحافظتين، مع العلم بأن هاتين المحافظتين تلعبان دوراً رئيسياً في النمو الاقتصادي في لبنان.
تم تصنيف المؤسسات الصناعية في لبنان وفقا للمرسوم رقم 5243 الصادر بتاريخ 5/4/2001 وهي تقسم الصناعات إلى خمس فئات (من الفئة الأولى حتى الخامسة) وتعتبر الصناعات المصنفة من الفئة الأولى تلك التي تشكل خطراً كبيراً) مثل الدباغات، مصانع الاسمنت، تصنيع الورق والكرتون، الأسمدة الكيماوية، المتفجرات والذخائر، وإنتاج الغاز)؛ أما الصناعات المصنفة من الفئتين الثانية والثالثة فهي تلك التي تشكل خطراً يتراوح بين الكبير والمتوسط؛ أم الصناعات المصنفة من الفئة الرابعة فهي تلك التي لا تشكل خطراً جدياً على صحة الإنسان وعلى البيئة (مثل مصانع منتجات الخضار والفاكهة والعصير، ومصانع البطاطا)، أما الفئة الخامسة فهي تحتوي على الصناعات التي لا تشكل أي خطر على صحة الإنسان وعلى البيئة.
بالنسبة للمناطق الصناعية، فهناك حوالي 71 منطقة صناعية في لبنان، 22 منطقة منها فقط تم تصنيفها بمرسوم (كانون الثاني 1999 ).
كما توجد صناعات عدة في جميع أنحاء لبنان من إنتاج الأسمنت في شكا (شمال لبنان) الى إنتاج الصابون في صيدا (جنوب لبنان) وإنتاج النبيذ في وادي البقاع. وبالرغم من ذلك يصنف القطاع الصناعي في لبنان بأنه «غير متنوع»، ويقود هذا القطاع الصناعات الغذائية والمشروبات.
في لبنان، هناك العديد من القوانين، والمراسيم والقرارات التي تتعلق بضرورة معالجة النفايات الناتجة عن القطاع الصناعي ولكن تمت تجزئة هذه الوسائل التنظيمية، وفي حالات متعددة لم يتم فهمها من قبل الأجهزة المسؤولة عن مراقبة وضبط التلوث أو من قبل الملوثين أنفسهم... وفي غالب الحالات لم يتم احترام القرارات والمراسيم التنظيمية.
تعدد خصائص وطرق المعالجة
يمكن للنفايات الصناعية السائلة أن تكون عضوية، او قابلة للتحلل بسهولة، او غير عضوية إلى حد كبير. هذه التصنيفات تحدد نوع التدخلات اللازمة لمعالجتها. كما تختلف هذه النفايات في تكوينها، تدفقها، في قوة تلوثها، إمكانية التحلل الحيوي، كميتها وطريقة معالجتها... وهذا يتوقف على نوع الإجراءات التشغيلية المعتمدة في كل صناعة، وعلى المواد الخام المستخدمة داخلها. فبالتالي تختلف الخصائص من صناعة إلى صناعة أخرى، حسب التكنولوجيا المعتمدة، وحسب نوع العمليات المعتمدة في طريقة التصنيع والإنتاج والتنظيف المستخدمة... وحتى عندما يتم تصنيع المنتج نفسه في أكثر من مؤسسة صناعية.
بالإضافة إلى ذلك، يمكن ان يحدث اختلاف في المصنع ذاته عندما يتم اعتماد خطوط او وحدات إنتاج مختلفة لتوليد منتجات مختلفة.
بين المنزلي والصناعي
على عكس مياه الصرف الصحي المنزلية، فإن تدفق مياه الصرف الصناعية يختلف تبعا لطبيعة العمليات داخلها. فقد يكون لبعض الصناعات دورات عمل يومية، أسبوعية، وأحياناً موسمية... حسب موسم الحصاد (المنتجات الزراعية على سبيل المثال) أو تبعاً لزيادة الطلب على بعض المنتجات (المشروبات الغازية).
من العوامل المهمة التي تؤثر في نمط تدفق النفايات الصناعية هي دوامات ودورات العمل التي تتراوح ما بين 8 ساعات إلى 12 ساعة. يمكن أن تصل إلى ثلاث دورات في اليوم الواحد ويمكن ان يتم العمل من خمسة إلى سبعة أيام في الأسبوع... وبالتالي، على عكس مياه الصرف الصحي، يمكن أن لا يكون هناك تدفق عندما لا يكون هناك عملية انتاج صناعي.
في العادة، ساعات التصريف هي ساعات العمل وتتوقف عمليات الإنتاج في الصناعات الغذائية عند التنظيف الذي يولد معظم النفايات السائلة. علاوة على ذلك، فإنه من المستحسن أن يتم تصريف مياه الصرف الصناعية خلال الليل وخاصة عندما يتم وصلها بمياه الصرف الصحي المنزلي عندما يكون التدفق في ذروته بين 8 صباحا و6 مساءً، بشرط ان تتم معالجة هذه النفايات في المصانع معالجة أولية، حسب نوعها.
مشكلة زيادة حرارة المياه
ولعل السؤال الجوهري الذي يطرح والذي يهم المواطن العادي: ما هي اهم آثار النفايات الصناعية السائلة على الثروة المائية وعلى الصحة العامة وعلى شبكات ومحطات تكرير المياه المبتذلة؟
تتسبب العكارة الناجمة عن تواجد المواد العضوية او غير العضوية بتشكيل طبقة تؤثر على وضوح المياه فتتداخل مع مرور الضوء والأكسجين... مما يقلل من عملية الأكسدة والـphotosynthesis. وهذا ما يؤثر سلبا على الحيوانات المائية التي لن تعود قادرة على رؤية والتقاط فرائسها. كما قد تعيق الجسيمات الصغيرة التنفس مما يؤدي الى قتل الأسماك.
على عكس مياه الصرف الصحي، يمكن ان تكون درجة حرارة التصريفات الصناعية مرتفعة جداً مما يتسبب بما يسمى «التلوث الحراري» نتيجة لرفع درجة حرارة المسطحات المائية مما يقلل من قابلية ذوبان الأوكسجين. وبالإضافة إلى ذلك، قد يسبب التغير السريع في درجات الحرارة بصدمات حرارية، وهذا قد يشكل خطرا بالنسبة للأنواع الاكثر حساسية، فيعرضها للانقراض ويؤدي الى تكاثر الأنواع الأكثر قابلية على التحمل. كما ان الحرارة تقلل من قدرة المياه على التجدد، مما يؤثر على الحياة البحرية، والتنوع البيولوجي على مر الزمن.
الخطر الأكبر من المعادن الثقيلة
مع وجود مستويات عالية من المواد العضوية (BOD أو مستويات COD) يؤدي ذلك الى انخفاض في مستوى الأكسجين الذائب (DO) إلى حد ما، فتسيطر الظروف اللاهوائية (septic condition) فتنتج الروائح النتنة والسامة.
اما المعادن الثقيلة الناتجة من جراء الممارسات الصناعية، فهي تشكل الخطر الاكبر على الصحة العامة، وهي تصنف مسرطنة، سامة... وتؤدي الى أمراض مزمنة وخطيرة على المدى القريب والبعيد، كالفشل في عمل الدماغ والكلى وغيرها.
الأثر على محطات الصرف
لعل السؤال الذي يطرح، الا يمكن معالجة النفايات الصناعية السائلة في محطات الصرف؟
بحسب الخبراء، صممت محطات تكرير مياه الصرف الصحي لمعالجة مياه الصرف الصحي المحلية فقط، وليس لمعالجة الملوثات السامة وغير التقليدية من المستخدمين الصناعيين.
فان تصريف مياه الصرف الصناعية غير المعالجة يسبب مشاكل في شبكات الصرف الصحي ويعطل عملية المعالجة في محطات التكرير... وذلك لان الملوثات الصناعية تتداخل مع العلاج البيولوجي، مما يؤدي الى انخفاض في نوعية الرواسب (sludge) ومياه المجاري المعالجة (wastewater effluent) بسبب احتوائها على مواد عضوية سامة أو معادن ثقيلة... وهذا يحد ايضًا من إعادة استخدامها لاحقا، أو تدويرها، أو التخلص منها بشكل آمن. بالإضافة الى المشاكل المتعلقة بزيادة الانبعاثات الجوية من خلال توليد الغازات السامة، المخالفة للمواصفات والمعايير الدولية والوطنية.
وتتحدد مدى خطورة هذه الآثار بحسب خصائص النفايات الصناعية السائلة ومنها (درجة الحرارة، درجة الحموضة، الروائح، الالوان، الكمية، التركيز ونسبة التدفق)، بالإضافة الى حجم وتصميم محطات التكرير ومعايير الانبعاثات الهوائية والمياه الناتجة عند تصريفها في البيئة البحرية.
كما قد تتسبب زيادة كميات مياه الصرف، جراء حادث او عطل في المعدات او خلال انتاج عادي، الى تعطيل المعدات الميكانيكية والى حمولة زائدة في عملية المعالجة البيولوجية من (TSS ، البكتيريا FC، الزيوت والشحوم، درجة الحموضة) فتؤثر سلبا على التفاعلات الكيميائية و نظام المعالجة البيولوجية (الهوائية أو اللاهوائية).
لذلك تنصح وكالة حماية البيئة (EPA) القيام بمعالجة مسبقة (pretreatment) لمياه الصرف الصناعية. كما وضعت معايير صارمة على عمليات التصريف لاسيما على: الملوثات التي يمكن أن تسبب انفجار (flammables)، او بتآكل المجاري الحديدية والاسمنت وغيرها (الأحماض، القلويات) او بعرقلة التدفق.
في الخلاصة، حين يتم تصريف مياه الصرف الصناعية في أنظمة الصرف الصحي يجب القيام بمعالجة مسبقة في المصنع. يمكن للمعالجة الأولية ان تشمل معالجة وضبط نسبة الحموضة إلى ما بين 6 و9 والحد من BOD5 إلى أقل من 400 في أو ملغ / لتر. هذا الإجراء يحمي المجاري من التآكل، ويحمي محطة المعالجة من تلقي نسبة زائدة من التركيزات العضوية.
السفير