
بعد مرور ما يقارب الشهر على نهاية الاجتماع الـ18 لتغير المناخ الذي عقد في الدوحة هذا العام، تعقد اليوم في ...
بعد مرور ما يقارب الشهر على نهاية الاجتماع الـ18 لتغير المناخ الذي عقد في الدوحة هذا العام، تعقد اليوم في وزارة البيئة جلسة تقييم هذه الجولة الاخيرة من المفاوضات التي لم تكن موفقة (كالعادة). يأتي اجتماع اليوم الذي تعاونت على تنظيمه وزارة البيئة مع الهيئة اللبنانية للبيئة والإنماء وتحالف المناخ ومع مؤسسة هنريش بل، والذي بات يعتبر لقاء شبه سنوي قبل جولات المفاوضات السنوية وبعدها، ليؤكد أن هذه القضية لم تعد حكراً على بعض المختصين المهتمين بالموضوع الذي يعتبر من أعقد مواضيع البيئة. صحيح ان لبنان، على المستوى الرسمي، ملزم بمتابعة الاتفاقيات الدولية ذات الصلة وبنشاطات الأمم المتحدة التي تنظم هذه الجولات من المفاوضات، وان إشراك المجتمع المدني بات من ضمن آليات التشاور والشراكة على جدول أعمال هذه المفاوضات (وإن أخذ شكلاً فولكلورياً)... الا ان النقاشات العميقة حول هذه المسألة وتطوّر هذه القضية الخطرة في مفاعيلها وتداعياتها، قد فرض طريقة جديدة في التفكير، كانت حكراً على بعض المفكرين الأصوليين في البيئة، والتي كانت تقول إنه يفترض تغيير أسس الحضارة الحديثة، من طرق التفكير الى طرق الاقتصاد والاستثمار الى طرق الإنتاج والاستهلاك... لحل قضايا البيئة وفي طليعتها قضية تغيّر المناخ. وقد أثبتت التجارب أن المطلوب لحلّ قضية تغيّر المناخ، من تغيير سياسات كثيرة لاسيما في الطاقة والنقل والسياحة والزراعة والصناعة والصحة... هو نفسه المطلوب لحل معظم القضايا الاجتماعية والاقتصادية.
انطلاقا من ذلك، على متتبعي قضايا تغير المناخ في العالم أن يترقبوا خمسة مؤشرات رئيسية يمكن أن تحدد مسار هذه القضية والمفاوضات المقبلة حولها. اول هذه المؤشرات مدى نجاح دولة صناعية كبرى مثل المانيا، قررت ان تتخلى عن الطاقة النووية لمصلحة الطاقات المتجددة حتى العام 2022 . ثاني هذه المؤشرات كيف ستتوسّع الدول وفي طليعتها الولايات المتحدة الأميركية في الاعتماد على النفط والغاز الصخري وإمكانية تطوير تقنيات الاستخراج وإن كانت ملوثة جداً، مما سيقلل من الاعتماد على الطاقات المتجددة. اما ثالث هذه المؤشرات فيتعلق بمصير الشكاوى التي يرفعها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية على الصين أمام منظمة التجارة العالمية حول مخالفة القواعد في إنتاج التكنولوجيات الخضراء، ومدى تغيير هذه القواعد لتصبح التكنولوجيا النظيفة خارج المنافسة ومتاحة امام الجميع لنقلها وإنتاجها. والمؤشر الرابع مدى إعادة النظر بفلسفة اقتصاد السوق القائمة على المنافسة في كل شيء لمصلحة ايجاد إطار دولي قائم على التعاون وفلسفة محافظة، لا سيما في مواجهة الكوارث العابرة للقارات والقوميات والجغرافيا ككارثة تغير المناخ. ويبقى أخيراً المراهنة على إقرار بروتوكول جديد قوي وملزم وشامل العام 2015 في باريس كما هو مقرر، يحل مكان بروتوكول كيوتو الذي لم يعد ينفع في التخفيف من انبعاثات العالم اذ لا تتجاوز انبعاثات الدول التي لا تزال ملتزمة به الـ20% من انبعاثات العالم.
إن أزمة التعاون مع قضية تغير المناخ في لبنان تكاد تكون شبيهة مع تلك الموجودة في العالم. فلبنان تعهد العام 2009 (وجدد هذا التعهد مؤخراً) بأن ينتج 12% من الطاقة من مصادر متجددة العام 2012، الا انه في الوقت نفسه، اقر قوانين للتنقيب عن النفط والغاز على أعماق بعيدة في المياه الإقليمية، مع ما ينطوي عليه هذا الخيار من مخاطر، ان لناحية التسرب والتلوث او لناحية تخريب بنية الاقتصاد اللبناني او من ناحية إضعاف الاتجاه الى الطاقات المتجددة من شمس وهواء وماء. ولا نعرف كيف سيحلّ هذا التناقض في التوجهات في ظل غياب استراتيجية وطنية للتنمية المستدامة (ضمنها استراتيجية للطاقة)، لا نعرف متى سيتم إنجازها.
من المهم ان يصبح لوزارة البيئة والمجتمع المدني المهتم، تقليد سنوي لتقييم المفاوضات ذات الشأن التي يشارك فيها لبنان على المستوى الرسمي والأهلي والتقني، ولكن الأهم أيضاً ان يبدأ لبنان في وضع الاستراتيجيات وتغيير السياسات وتخفيف الانبعاثات ووضع أسس للتكيف مع هذه الظاهرة الخطرة.
وعلينا ان ننتظر في السنوات الآتية ان يتم عرض مقترحات الوزارة والمجتمع المدني المتابع التي تتعلق بماهية هذه الاستراتيجية والسياسات التي يفترض ان تتغير، وان تتم متابعة التغيرات في السنوات اللاحقة وتقييمها بمشاركة الوزارات المعنية. كما يفترض ان تتبلور الأفكار الجديدة (وربما القديمة) المنقذة، كمثل إنتاج فلسفات محافظة تستلهم التراث القديم المحافظ، لاسيما في طرق التفكير والإنتاج والاستهلاك، الذي كان يرفع من قيمة «الضيان» والاستدامة أكثر من «الجديد» والتجديد... على سبيل المثال.