
لم توجه الطبيعة القاسية إنذارها لأهالي القرى الجبلية الأسبوع الماضي فعقدت العزم على مفاجأتهم بثلجة من "كعب ...
لم توجه الطبيعة القاسية إنذارها لأهالي القرى الجبلية الأسبوع الماضي فعقدت العزم على مفاجأتهم بثلجة من "كعب الدست" كما يقول أحد كبار المعمرين في بلدة عين عطا الشيخ "أبو سليمان" صالح القاضي، الذي كان قد تحسب لثلج تشرين فكيف الحال بثلج كانون.
أبو صالح الذي يوقد وجاق الحطب منذ الفجر، حيث يدكه حطبة بعد حطبة، تحسب منذ الصيف لمواجهة الشتاء بثلوجه وعواصفه ورعوده وبروقه التي لها وقع خاص على أهالي عين عطا المقابلة لجبل الشيخ والتي تعلو أكثر من 1450 متراً عن سطح البحر عند آخر بيت مسكون فيها. ولا يزال أبو صالح الذي تقدم به العمر، يجمع الحطب من أرضه فتراه ينشغل في أيام الصيف بقطع الحطب من حقل "القبوعة" و"باب الأصفر" شمالي البلدة، ليشحل أشجار البطم والسنديان والملول والزعرور فيفرغ ما يثقلها من أغصان وجذوع تقدم بها العمر لتخلي الساحة لتلك الشجيرات الصغيرة التي تتفرع منها، فكيف بحقل "رحاك" الذي يقصده بعيداً عن القرية ليعمل فأسه بأشجار لا تثمر إلا دفئاً في الشتاء وفيئاً في الصيف، بطريقة علمية من دون خبرة علماء البيئة ونظريات مأموري الأحراج، كي لا يأتي صيف من دون فيء ولا شتاء من دون مؤنة الحطب، فيما يحدث الشيخ عن نبتة نادرة لا توجد إلا في ذاك الحقل "تسمى "سجرق" تزهر في أيام الربيع زهراً ليلكياً، يؤكل ولا يعقد وتنتشر النبتة في الحقل فنقطع بعضها علقة للنار ولا أشعل من ذلك".
ويضيف أبو صالح: "وجاق الحطب القديم، متجذر فينا نحن جيل الحقول، جيل الطبيعة، فلا نكترث كثيراً للمازوت وغلائه أو فقدانه رغم أننا "نصبناه في الصالون" للضيوف، لكن علاقتنا بالحطب لا تنقطع ولا تنتهي مع انتهاء سهرة شتوية في عز الثلج". ويعود الشيخ للذاكرة وللتاريخ، لأن العاصفة قطعت أوصال القرى، وقطعت معها الكهرباء، في وقت تمزقت فيه أوصال المولدات الخاصة فعدنا لليلتين للقنديل والسراج، والتين المجفف والزبيب، واللوز والجوز، وعدنا لحكايات السمر وقصص القرية.
أبو صالح شكر الله على نعمته على العباد وعلى النبات والحيوان، لم يفاجأ لا بالشتاء ولا بالثلج رغم ما تحدث عنه الجميع عن جفاف يطال القرى، وعن يباس قد يلحق بالأرزاق، فتراه يقول "الله هو الذي يعلم وهو المعين وصاحب الفضل".
حال أبو صالح هي حال مئات العائلات التي تنشغل بجمع الحطب من الكروم أو شرائها من الباعة المتجولين في القرى، لكن المشكلة في قلة تتمرد على الطبيعة وعلى القوانين ممن يغزون الأحراج ليعملوا مناشير الحطب الآلية في جذوع السنديان والملول في راشيا وكفرقوق وعين عطا وعيحا، وبكا، وكوكبا وكفرمشكي وغيرها من القرى التي تكاد تفقد ثروتها الحرجية لأن اليد امتدت إلى ضلوع الشجر دونما استئذان أو رحمة، ودونما قاعدة أو خطة.
غلاء المازوت الذي تجاوز برميله 250 ألف ليرة دفع باتجاه الحطب، حتى عند العائلات الميسورة، فكيف بذوي الدخل المحدود في ظل الأزمة المعيشية التي يمر بها البلد كما يقول رئيس بلدية عين عطا طليع خضر، الذي وصف حال عشرات العائلات بالبائسة والمعدمة نتيجة أوضاع البلد السياسية من جهة، وفي ظل قسوة الطبيعة من جهة ثانية، معتبراً أن القدرة الشرائية فقدت عند كثيرين من أبناء القرى، الأمر الذي دفع بالمواطنين إلى غزو الأحراج واقتلاع أحطابها بطريقة غير منظمة أحياناً عند حديثي النعمة.
وطالب خضر بدعم مادة المازوت عل ذلك يحمي الأحراج والكروم، ويلبي بعض حاجات المواطنين وحقهم، معتبراً أن ضيق الحال لا يجب أن ينال من ثروة المنطقة الحرجية، ومن بساتينها وأشجارها المثمرة.
ويصف أبو جلال الخطيب من بلدة الرفيد، الوضع بالمزري إذ عبر عن معاناة قاسية في ظل هذه الأزمة التي تترافق مع غلاء فاحش لا يطاق أمام مدخول محدود لا نقوى على مواجهته، مطالباً بدعم مادة المازوت لأن الطلب الكثيف على الحطب رفع من سعره ونحن غير قادرين على احتمال المزيد من الاكتواء بنار السلع، ولكن يبقى الحطب أرحم وأنظف وأنقى، وملاذنا في أوقات البرد الشديد خصوصاً في أيام الثلج
جريدة المستقبل
20 ك2 2010