
دول العالم الأكثر تقدماً وتسبباً بالكوارث... تدفن رأسها في رمال كانكون: لم يساعد الطقس الجميل ولا فخامة المنتجع السياحي في كانكون، الذي عقدت فيه الجولة الـ16 من المفاوضات المناخية العالمية، ان يمنح الحرارة للمباحثات التي كانت قد تجمدت في كوبنهاغن وقبلها في بوز
لم يساعد الطقس الجميل ولا فخامة المنتجع السياحي في كانكون، الذي عقدت فيه الجولة الـ16 من المفاوضات المناخية العالمية، ان يمنح الحرارة للمباحثات التي كانت قد تجمدت في كوبنهاغن وقبلها في بوزنان (بولندا). وقد فضلت وزيرة خارجية المكسيك باتريسيا اسبينوزا ان تكسر تعهدها بأن لا تمدد موعد نهاية اعمال المؤتمر الـ16 للأطراف المعنية بتغير المناخ بالتمديد لليل كامل وطويل، على ان لا يخرج مؤتمر كانكون الذي ترأسته بلا أية نتيجة ولو جزئية. وهكذا توافق ممثلو نحو 200 بلد على نص اخير يتضمن بعض الإجراءات الشكلية لمكافحة التغير المناخي بينها إنشاء «صندوق أخضر» لمساعدة البلدان النامية، الذي سبق وتم التوافق عليه على مستوى كبار رؤساء دول العالم العام الماضي في كوبنهاغن. وقد أُقر النص بمعارضة بوليفيا، التي اعتبرت من قبل البيئيين حاملة الراية البيئية العالمية ضد تغير المناخ وحاملة التشخيص الأعمق للمشكلة. وقد بذل المفاوض البوليفي بابلو سولون جهوداً كبيرة في المفاوضات للخروج بنصوص اكثر التزاما لحل قضية تغير المناخ بعد الكلمة القوية التي القاها الرئيس البوليفي ايفو موراليس يوم الخميس 9/12/2010 قبل يوم من موعد انتهاء المؤتمر.
خلاصة البيان الاخير لكانكون انه شكل محطة او ورقة تحضيرية للمؤتمر القادم الذي سيعقد بعد عام تماما في ديربن (جنوب افريقيا)، كما هو نوع من تتمة وتأكيد لمؤتمر كوبنهاغن غير الملزم كما توقعنا في رسائلنا السابقة («السفير» 9 و10 و11 /12/2010)، ولا سيما التوافق على مبدأ عدم تخطي درجات حرارة الكوكب الدرجتين بالنسبة الى العصر الصناعي.
وقد اعتبر ممثلو البلدان المتقدمة ان قبول البلدان النامية بهذا السقف سيلزمهم لاحقا باتخاذ اجراءات التخفيف التي اعفاهم منها بروتوكول كيوتو. فيما اعتبرت البلدان النامية التزام البلدان الغنية بتمويل «الصندوق الأخضر» لمساعدتها باجراءات التكيف مع تغير المناخ، وضخ مئة مليار دولار اميركي في السنة ابتدأ من عام 2020، هو بمثابة مكسب ما، وإقرارها بمسؤوليتها التاريخية عن تغير المناخ. مع الاشارة الى ان هذا الموضوع كان قد اقر في اتفاق كوبنهاغن العام الماضي، وجديد كانكون امس انه سلم البنك الدولي ادارة هذا الصندوق ولا سيما اقرار صرف 30 مليار دولار اميركي من الآن وحتى عام 2012، من دون ان تقر آلية التمويل ولا كيفية وآلية الصرف والاتجاهات... مع التأكيد على اهمية مكافحة التصحر وحماية الغابات المجمع على اهميتها لدورها في امتصاص الكربون المتسبب بتراكمه في تغير المناخ.
الا ان هذه التسوية السطحية للمفاوضات، لا تعتبر تقدما في حل مشكلة تغير المناخ التي كانت تتطلب إقرار اتفاقيات ملزمة ولا سيما البند والملف الأهم المتعلق بالالتزام بالتخفيف من الانبعاثات بنسب محددة وبمهل ملزمة مع التوافق على طرق قياس...الخ هذا الملف الساخن الذي رحل الى دربن العام القادم. وكذلك الامر بالنسبة الى البحث في المرحلة الثانية من بروتوكول كيوتو التي بقيت في المجهول، وكان هذا البوتوكول الملزم الوحيد قد ترك ليموت موتاً طبيعياً عام 2012.
وخلاصة النتيجة بعد 13 يوماً (ضمنها تمديد يوم إضافي) من المفاوضات الشاقة ان دول العالم دفنت رأسها في رمال شاطئ كانكون، كي لا تشهد على الظواهر المناخية المتطرفة الذي سيشهدها كوكب الارض، بالرغم من إقرارها وإجماعها على وجود هذه المشكلة.
كان الرئيس البوليفي ايفو موراليس نجم مؤتمر كانكون من دون منازع. فقد تحدث بلغة البيئيين المتشددين في الكلمة التي القاها في المؤتمر، حين استخدم تعابير مثل «حقوق امنا الارض» بالتماهي مع مقولة «حقوق الانسان» التي تقرها الامم المتحدة في خطاباتها وتشريعاتها. كما حمل النظام الرأسمالي مسؤولية مشكلة تغير المناخ العالمية. كما تجدر الاشارة الى ان الرئيس موراليس كان قد لعب العام الماضي في كوبنهاغن دورا حاسما في تحريض دول الالبا (فنزويلا والاكوادور وكوبا) لرفض المقترحات والتسويات التي كانت تدفع بها الولايات المتحدة الاميركية بزعامة الرئيس باراك اوباما. وقد وضع موراليس العالم امام خيارين لا ثالث لهما: «اما ان تموت الرأسمالية واما ان تموت امنا الارض».
مواقف الرئيس البوليفي لم تكن خطابية فقط، فقد نشط ممثل الدولة في المفاوضات بابلو سولون بشكل لافت في اروقة وطاولات المفاوضات الى درجة ان احد المفاوضين الاوروبيين قال فيه: «اذا لم يكن ممثل بوليفياعلى الطاولة فهذا سيسهل المفاوضات والعمل». الا ان بوليفيا تركت وحدها في النهاية، في الليلة الأخيرة الممددة من المفاوضات لتعارض الصيغة الضعيفة والتسوية الفارغة من المضمون. وقد اعتبرالممثل البوليفي ان النتيجة النهائية لمؤتمر كانكون ستتسبب بارتفاع درجة الحرارة الى اربع درجات.
«ويكيليكس» في كانكون
في مقابل الضجيج البوليفي اللافت، سجل صمت اميركي لافت ايضا في هذه الجولة من المفاوضات، وقد انخفض عديد الوفد الاميركي عشرة اضعاف عما كان عليه العام الماضي في كوبتهاغن (150 مندوبا). صحيح ان سبب ذلك كان حضور الرئيس الاميركي باراك اوباما الى كوبنهاغن العام الماضي، الا ان ذلك لا يفسر صمت ممثلي الولايات المتحدة الاميركية طوال فترة المفاوضات في كانكون، كما لاحظ اكثر من مفاوض ومراقب. وما شغل المفاوضين في كانكون ما سرب مما تنشره ويكيليكس عن مفاوضات كوبنهاغن العام الماضي من رسائل اميركية وتدخلات لانجاح مهمة الرئيس اوباما. وقد تم التداول ببعض الوثائق التي تظهر كيف تدخلت الديبلوماسية الاميركية مع الدول لتأمين توقيع اكبر عدد ممكن من رؤساء الدول على اعلان كوبنهاغن عندما عجز الرئيس الاميركي عن تأمين التواقيع التي لم تتجاوز الـ30 توقيعاً من اصل اكثر 200 دولة كانت مشاركة في مؤتمر كوبنهاغن على مستوى الرؤساء والوزراء. وقد وصفت بعض التقارير مواقف العربية السعودية بالشيزوفرينيا (انفصام الشخصية) بين السلطات الرسمية في المملكة المسهلة والمتعاونة وسلوك كبار المفاوضين السعوديين في قضية تغير المناخ الذي يعرقل المفاوضات المناخية وينتقد الورقة المعدة من قبل الاميركيين لـ«اعلان كوبنهاغن». بينما تم التداول شفهياً بفضيحة ان الولايات المتحدة الاميركية وعدت اثيوبيا ببعض المساعدات لقاء التوقيع فوراً على «اتفاق كوبنهاغن». عربياً
عربياً ظهر التضامن العربي في هذه المفاوضات والتفاعل بين الدول الـ22 المشاركة بشكل اكبر بكثير من اي جولة مضت، مع استعادة العراق نشاطه في الجولتين الاخيرتين. وقد ظهر هذا التضامن في اوسع مداه لدعم مطلب استضافة قطر للمؤتمر الـ18 للاطراف بعد عامين (بعد مؤتمر ديربن العام المقبل)، وكان لافتا ان الذي قاد هذا التوجه ودعمه بقوة ممثل العربية السعودية، ولا سيما عندما اشتد النزاع مع كوريا لاستضافة المؤتمر نفسه. كما ترأست مصر في هذه الجولة من المفاوضات المجموعة العربية ممثلة بوزير البيئة المصري الذي كان يطلع أعضاء الوفود على حركته والمواقف والاتصالات بقبول ورضى الجميع، في الاجتماعات التنسيقية شبه اليومية التي كانت تديرها فاطمة الملاح عن الجامعة العربية.
وحدة البلدان النامية
لوحظ في هذه الجولة من المفاوضات، الابقاء على التضامن بين البلدان النامية في الموقف تجاه البلدان المتقدمة وعدم التفريط بالمطالب التاريخية كالتمسك ببروتوكول كيوتو وتحميل الدول المتقدمة المسؤولية التاريخية عن تغير المناخ، بالرغم من الانقسام بين البلدان النامية التي تشكل الاكثرية الساحقة في مجموع الدول المشاركة في المؤتمر (134 دولة) بين مجموعات متفرقة كانت تجتمع لوحدها ايضا للتنسيق، كالمجموعة الافريقية والمجموعة الاسيوية والمجموعة العربية ومجموعة الجزر الصغيرة ومجموعة الدول المنتجة والمصدرة للنفط ...الخ وقد اشتكى البعض من جنوح الدول الجزرية الصغيرة وقبولها ببعض الاغراءات من المفاوضين الاميركيين والاوروبيين للتخلي عن كيوتو والقبول بمناقشة اتفاق جديد. كما تم تجاوز الفروقات بين البلدان النفطية ومصالحها وتلك غير النفطية التي تجمعها وحدة التصنيف بأنها نامية قياسا الى تلك المتقدمة.
وقد تم التوسع في طرح أسباب قطع الغابات على هامش المؤتمر الرسمي، وطرحت ارقام كبيرة حول عمليات القطع غير الشرعي والتهريب والتجارة، ولا سيما حول زيادة الطلب على خشب الماسيف المطلوب عالميا. كما تخوف البعض من ان يتم التذرع بالاجراءات الجديدة لحماية الغابات لاتخاذ اجراءات لرفع اسعار الخشب وتشجيع الاحتكار والاتجار غير المشروع، وتنشيط تجارة المافيات الموجودة في وقرب معظم غابات العالم!
تقدم ملف حماية الغابات
فيما سجل مراوحة معظم الملفات التي تناقش عادة مكانها في جولة كانكون من المفاوضات، ولا سيما ملف التخفيف من الانبعاثات الذي يعتبر الملف الاهم، بالاضافة الى مراوحة ملف نقل التكنولوجيا، سجل بعض التقدم في ملف التكيف مع تغير المناخ عبر حماية الغابات ومكافحة التصحر. وقد اجمع الخبراء على ان الغابات تستطيع ان تخزن نصف انبعاثات العالم من الكربون، وان مجرد قطعها يتسبب بالانبعاثات بالاضافة الى اضعاف القدرة على التخزين. وقد تقدمت المباحثات في الاتفاقية التي كانت قد اعدت لحماية الغابات من القطع والتصحر، وتقرر تمويل هذا الاجراء عبر دعم ومكافأة الدول التي تحمي غاباتها (كما كان مقترحا منذ عام 2005) من قبل غينيا وكوستاريكا.
وقد تم التأكيد على ان حماية كل هكتار من الغابات يعني اتخاذ اجراء بتخزين بين 250 و350 طناً من الكربون. مع التأكيد ان الغابات المدارية الكبرى هي التي تحتوي ايضا على اهم مصادر التنوع البيولوجي على الارض التي يفترض حمايتها ايضاً.
صعوبة تخفيض الانبعاثات
رأى بعض الخبراء في اصرار الدول المتقدمة وإجماعها على تبني ان لا تتجاوز الزيادة في حرارة الارض الدرجتين، وهو الخيار الذي تم طرحه في اعلان كوبنهاغن العام الماضي، وفي كانكون هذا العام، اعتراف كبير بوجود المشكلة. الا انهم اكدوا ان هذه النتيجة كان يمكن تحاشيها لو تم الالتزام ببروتوكول كيوتو عام 1997. مؤكدين ان الوقت ليس لصالح تغير المناخ، وكلما تقدم العالم والوقت معا سيكون من الصعب ضبط درجات حرارة الارض التي يمكن ان تتجاوز الاربع والخمس درجات.
وفي حساب لأحد الخبراء يقول: لكي نحافظ على زيادة الحرارة لدرجتين فقط، يحق لنا من عام 2000 وحتى عام 2050 ان ننتج الف جيغاطن من الكربون. فاذا كنا قد اصدرنا بين عام 2000 وعام 2010 ما يقارب 300 جيغاطن، يبقى لنا حتى عام 2050 ما يقارب 700 جيغاطن. فاذا اردنا ان نحافظ على زيادة درجتين للحرارة، يجب ان نخفض الانبعاثات عام 2011 بنسبة 3،7 %، اما اذا قررنا التخفيض عام 2015 فنحن بحاجة الى معدل 5،3 %. واذا بدأت دول مثل الصين والهند بالتخفيض ابتداءً من عام 2020 بتخفيض الانبعاثات فنحن بحاجة الى نسب اكثر من 9%، مما يعني استحالة الالتزام بالتخفيض واستحالة الابقاء على الدرجتين.