
فريق باحثين من الجامعتين «الأميركية» و«اليسـوعية»: تلوّث الهواء في بيروت ثلاثة أضعاف المسموح به عالمياً: أظهرت دراسة أجراها فريق من الباحثين في الجامعتين «الأميركية» و«اليسوعية» في بيروت، أن مستويات مختلفة من الجسيمات في الهواء تؤثر سلباً على صحة الإنسان، تتجا
أظهرت دراسة أجراها فريق من الباحثين في الجامعتين «الأميركية» و«اليسوعية» في بيروت، أن مستويات مختلفة من الجسيمات في الهواء تؤثر سلباً على صحة الإنسان، تتجاوز في العاصمة المستويات القصوى المسموح بها، والتي حددتها منظمة الصحة العالمية.
وتأتي الخطورة الأكبر على الصحة العامة من تزايد انبعاثات الكربون، مع تنامي عدد السيارات وحركة المرور في ساعات الذروة، وهي انبعاثات ثبت أنها مسببة للسرطان.
وتشير التقديرات إلى أن لبنان استقبل نحو مليون وستمئة ألف سيارة على مدى الأعوام العشرين الماضية. ومع ازدياد مبيعات السيارات الجديدة بمعدل ثابت يبلغ حوالى خمسة بالمئة سنوياً، فيمكن للمشكلة أن تزداد سوءاً.
وتبين بموجب الدراسة أن الجسيمات يمكن أن تكون في بعض الأحيان مسببة للسرطان، وعندما يتنشق المرء الجسيمات يمكن أن تتوقف عند مستوى الحنجرة، في المريء، أو تذهب مباشرة إلى الرئتين وذلك بحسب حجمها.
كما تبين أن الجسيمات «الخشنة» (بين ميكرومترين ونصف وعشرة ميكرومترات في القطر) التي تم العثور عليها في الهواء الطلق في مناطق حارة حريك، وبرج حمود، وشارعي عبد العزيز وبلس في الحمرا، وفي المنارة تبلغ نحو ثلاثة أضعاف المستويات المسموح بها التي حددتها منظمة الصحة العالمية.
لكن الجسيمات «الناعمة» التي تبلغ أقل من ميكرومترين ونصف في القطر، وتشكل خطورة أكبر على الصحة بسبب صغر حجمها، بلغ معدلها في بيروت ثلاثة أو أربعة أضعاف المعدلات المقبولة في معايير منظمة الصحة العالمية.
وكشفت الدراسة أن متوسط مستويات الجسيمات الخشنة في الداخل هي أعلى بكثير من المستويات في الهواء الطلق. وهي تبلغ خلال أشهر الصيف، في بعض الأحيان، وفي الأحياء التي تمت دراستها، ما يقارب ضعفين ونصفاً للمستوى القياسي لمنظمة الصحة العالمية.
أما خلال أشهر الشتاء، عندما يتم إغلاق النوافذ وتشغيل السخانات، فيصل متوسط المستويات إلى خمسة أضعاف المعدل المقبول، في حين تنخفض المستويات في الهواء الطلق.
وقالت رئيسة الفريق الأستاذة المساعدة في الكيمياء التحليلية والجوية في دائرة الكيمياء ومديرة «مركز حماية الطبيعة» في الجامعة الدكتورة نجاة صليبا إن الغبار الناتج عن أعمال البناء المزدهرة في بيروت قد لا يسبب السرطان، ولكن له آثاراً سلبية على الصحة العامة. وقد ثبت أنه يسهم في التهاب الشعب الهوائية، وانتشار الحساسية، والربو، والتهاب الشعب الهوائية المزمن، مع آثار أكبر على الأطفال.
وأشارت إلى أن «تلوث الهواء في أحد الشقق بلغ عشرة أضعاف المستوى المقبول عند منظمة الصحة العالمية، وقالت: «في أحد المنازل، قالوا إنه يتم إشعال ثماني نراجيل في الوقت نفسه، وهذا أمر مفجع».
تضيف صليبا قائلة إن عدد السيارات في لبنان أقلّ من عددها في لوس أنجلس مثلاً، إلا أنهم «تمكنوا هناك من الحد من الانبعاثات وخفض مستويات التلوث».
وتلفت إلى أن لبنان بلد صغير، «وإذا كان الآخرون قادرين على احتواء مستويات التلوث لديهم، فينبغي علينا أن نكون قادرين على القيام بذلك هنا.
وتوضح صليبا لـ «السفير» إن نشر الدراسة يأتي في إطار توجه جديد لدى إدارة الجامعة الأميركية للإعلان عن الدراسات التي يجريها باحثوها من أجل استفادة المجتمع منها، وعدم بقائها في الإطار الأكاديمي.
وقالت إن المقارنة التي جرت مع مدينة لوس أنجلوس الأميركية يعود لتشابه طبيعتها الجغرافية مع لبنان، وليس لتشابه المساحة وتقارب عدد السكان طبعاً، ولا عدد السيارات.
ورأت أنه ليس من مهمة الباحثين العمل لدى الحكومة على فرض الحلول، وإنما توضيح المشكلة، ووضع اقتراحات علمية لحلها. وأشارت في هذا السياق إلى عقد مؤتمر صحافي مشترك اليوم مع شركة «نيسان» لبيع السيارات من أجل الحديث عن تجربة تخفيف التلوث في مناطق الازدحام في بيروت.
وقد بدأ الفريق الذي يضمّ أربعة عشر باحثاً دراسته مع مطلع العام 2009، ويندرج عمله ضمن فاعليات وحدة «نوعية الهواء في لبنان» التي يمولها المجلس الوطني للبحوث العلمية.
دراسة مقبلة للمناطق المتاخمة لبيروت
من جهته، أعلن رئيس المجلس الوطني للبحوث العلمية الدكتور معين حمزة لـ «السفير» عن التحضير لندوة علمية سوف تقام مطلع العام المقبل، من أجل شرح نتائج الدراسة، والتمهيد للقيام بدراسة ثانية لنسب التلوث، اقيمت خارج بيروت، وتشمل الضاحية الجنوبية وصولا لمنطقة خلدة، والضاحية الشمالية حتى طريق الشمال.
وقال إن نسب التلوث مرتفعة في هاتين المنطقتين بسبب وجود المعامل والمصانع، بالإضافة إلى كثافة الأبنية فيها وارتفاعها، من دون تحديد مساحات بينها لمرور التيارات الهوائية.
وبعد تأكيده على مسؤولية التنظيم المدني في وضع المخطط الشامل وتحديد المساحات بين المباني، أوضح أن من يتحكم بالمساحات في لبنان حالياً هو أسعار العقارات، مشدداً على أن مطلب توفير المساحات الخضراء ليس فقط للترفيه على أهميته، وإنما لفتح المجال للتيارات الهوائية من أجل تنقية الهواء.
وقال إن المدن اللبنانية محظوظة في مواقعها الجغرافية بوصفها مفتوحة على البحر، وليست مدناً محاصرة بالجبال مثل طهران أو دمشق، ومع ذلك فهي تفقد تلك الميزة بسبب عشوائية البناء.
وأوضح أنه بسبب غياب النقل المنظم يترتب على الحكومة البحث عن حلول للتخفيف من نسب انبعاث غاز أوكسيد الكربون، مشيراً إلى أن الحكومات في أوروبا فرضت ضريبة على انبعاثات الكربون لدى كل سيارة، وأصبح يترتب على صاحب كل سيارة تحمّل مسؤولية الكربون الذي ينبعث من سيارته. يُضاف إلى ذلك تمييز المنتجات الصناعية التي تسبب انبعاثات قليلة من غاز الكربون عن غيرها عبر كتابة توضيح على المنتج يشير إلى أنه أكثر صداقة للبيئة من غيره ويحمل بالتالي قيمة مضافة.
وتمنى حمزة مساهمة بلدية بيروت ووزارة البيئة في مشروع التخفيف من تلوث الهواء، مؤكداً أن المرحلة الثانية من الدراسات سوف تكون تحديد الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية لتلوث الهواء.
9 ك2 2010