
مصير الكوكب لا يزال تحت رحمة مصير المنافسة في اقتصاد السوق: في اجواء من التحفظ والقلق والتواضع بدأت امس اعمال المؤتمر الـ16 للاطراف المعنية بالاتفاقية الاطارية لتغير المناخ الذي تنظمه الامم المتحدة في كانكون (المكسيك ) بمشاركة ممثلين عن 190 دولة في العالم. الت
في اجواء من التحفظ والقلق والتواضع بدأت امس اعمال المؤتمر الـ16 للاطراف المعنية بالاتفاقية الاطارية لتغير المناخ الذي تنظمه الامم المتحدة في كانكون (المكسيك ) بمشاركة ممثلين عن 190 دولة في العالم. التحفظ عبرت عنه دوائر الامم المتحدة بعدم الوصول الى اتفاق جديد، وتواضع الدولة المضيفة مقارنة بالتوقعات العالية في مؤتمر العام الماضي الفاشل في كوبنهاغن، لكي لا تحصد الخيبة مجددا. مصادر هذين التحفظ والتواضع اجواء الاجتماع التحضيري الأخير والجولة الأخيرة من المفاوضات التي دارت في تيانجين الصينية (شمال الصين) في شهر تشرين الاول الماضي، في محاولة لوضع أرضية عمل مشتركة لاتفاق عالمي جديد حول المناخ العام المقبل، وتعثر هذه الجولة من الوصول الى خارطة طريق لاجتماع كانكون بعد أن اختلفت الصين مع الولايات المتحدة الاميركية ودول متطورة أخرى حول توزيع المسؤولية عن عمليات خفض انبعاثات الغازات، كما يحصل دائما. ففي حين يقول كبير المفاوضين الأميركيين الرئيس جوناثان بيرشينغ: «هدفنا وهدف معظم الدول هو العمل للتوصل إلى حزمة قرارات متوازنة، تغطي معظم القضايا للتوصل الى اتفاق في كانكون، وان المفاوضا ت الاخيرة التحضيرية لم تحرز سوى تقدم محدود حول مسألة مراقبة نشاطات كل دولة، للحد أو خفض انبعاثات غازات الدفيئة»... رأى كبير مفاوضي الصين لشؤون التغير المناخي سو وي «أن بعض الدول المتطوّرة تحاول إعادة صياغة «بروتوكول كيوتو»، لتخفيف التزاماتها بتقليص انبعاثات الغاز». وأضاف «إن الهدف الخفي لقيام هذه الدول بذلك هو تفادي وضع نسبة لاقتطاع الانبعاثات بعد عام 2012، وهي مسألة مدار المفاوضات المستمرة». وهكذا تصح المقولة التي أطلقت قبل انعقاد مؤتمر كوبنهاغن العام الماضي ان مفاوضات المناخ باتت متوقفة على الاتفاق او الاختلاف بين الولايات المتحدة الاميركية والصين، هذا العام ايضا.
تتمحور المحادثات التي ستجرى في كانكون بشكل رئيسي على محاولة ترجمة الاعلان السياسي الذي وقع عليه رؤساء دول في كوبنهاغن العام الماضي الى اتفاقية ملزمة. او هذا على الاقل ما تريده الولايات المتحدة الاميركية التي تفضل الوصول الى اتفاق عالمي جديد يحل محل «بروتوكول كيوتو» يكون ملزما للبلدان النامية كالصين خلافاً لبروتوكول كيوتو الذي يعفيها من أية التزامات، مما يمنحها ظروفا افضل للمنافسة التجارية في العالم.
الا ان المتابعين لسير المفاوضات وجولاتها منذ 18 سنة، لا يتوقعون أية نتيجة عملية من مؤتمر كانكون (ومن هذه الجولة) الذي تنتهي اعماله في العاشر من الشهر القادم خصوصا ان الدولة المضيفة، تواضعت كثيرا ولم تحشد رؤساء الدول مكتفية بالتمثيل الوزاري، وكون مشكلات المناخ لم تعد مشكلة تقنية تتعلق بخلاف علمي على تحديدها بقدر ما باتت خلافا تجاريا واقتصاديا بين الدول، وباتت تحتاج الى تغييرات عميقة في النموذج الحضاري وفي النظام الاقتصادي الليبرالي المسيطر.
«اتفاق كوبنهاغن» غير الملزم كان المتفائلون قد رأوا في «اتفاق كوبنهاغن» الذي ابرم العام الماضي انه انتزع اعترافا من كبار رؤساء دول العالم بـ«ان تغير المناخ هو من اعظم التحديات في زمننا الراهن». مسلمين بالرأي العلمي الذي يقول إن الحرارة العالمية لا ينبغي ان تزيد عن درجتين مئويتين. ومتوافقين على ضرورة تخفيض الانبعاثات العالمية تخفيضا عميقا وبلوغ سقف معين (ولكن من دون تحديد النسب والكيفية والفترات الزمنية!)، كما اعترفوا بأن الإطار الزمني لبلوغ السقف سيكون اطول في البلدان النامية. كما اعترفوا بضرورة مواجهة الآثار الضارة لتغير المناخ عبر التكيف مع تأثيراتها المحتملة ومساعدة البلدان النامية ولا سيما أكثرها عرضة للتأثر وتحديدا البلدان الاقل نموا والدول الجزرية الصغيرة النامية وافريقيا.
وتلتزم الأطراف المدرجة في المرفق الأول (بحسب بروتوكول كيوتو) بأن تنفذ منفردة او مجتمعة أهداف عام 2020 بخصوص الكمية المحددة للانبعاثات على نطاق الاقتصاد ككل. ويمكن للبلدان الأقل نموا وللدول الجزرية ان تتخذ إجراءات طوعا وبدعم من غيرها. الا ان هذه الاتفاقية لا تحدد السقف وبالنسبة الى انبعاثات أي سنة. وهنا لب الموضوع في معالجة قضية تغير المناخ. فأهم اجراء لمعالجة هذه المشكلة هي تخفيف الانبعاثات وتحديد معدلات وفترات زمنية وسقف ونسبة قياس. وقد اجمع العلماء على ضرورة خفض الانبعاثات على المدى القصير فقط (عام 2020) كما ورد في اتفاقية كوبنهاغن، بل على المدى البعيد ايضا، أي حتى عام 2050، على ان تكون نسب التخفيض العالمية 50% و80% للبلدان المدرجة في المرفقق الاول من بروتوكول كيوتو، أي البلدان النامية، على ان يكون القياس على انبعاثات عام 1990 وليس انبعاثات عام 2005 كما تقترح البلدان الصناعية ولا سيما الولايات المتحدة الاميركية.
وهكذا يبدو اتفاق كوبنهاغن مجرد اعلان نوايا، لا معنى قانونياً له، ولن يساهم في معالجة المشكلة.
اعترفت الدول بالدور الحاسم الاهمية لخفض الانبعاثات الناجمة عن إزالة الغابات وتدهورها ووافقت على ايجاد حوافز ايجابية وإنشاء آلية لتعبئة الموارد المالية من البلدان النامية. كما تم الاتفاق على مساعدة البلدان النامية لتمويل خفض الانبعاثات عن ازالة الغابات والتكيف وتطوير نقل التكنولوجيا، وقد التزمت البلدان المتقدمة مجتمعة بتأمين موارد جديدة تشمل قطاع التحريج بمبلغ يناهز 30 مليار دولار اميركي للفترة الممتدة بين 2010 و2012 ، على ان توزع هذه الموارد توزيعا متوازنا بين اجراءات التكيف والتخفيف. ويقدم تمويل التكيف على سبيل الأولوية لأكثر البلدان النامية عرضة للتأثر. كما التزمت البلدان المتقدمة بأن تؤمن مئة مليار دولار كل سنة بحلول عام 2020 لتلبية احتياجات البلدان النامية.
كما تقرر انشاء «صندوق كوبنهاغن الاخضر للمناخ» لتمويل كل الاجراءات المطلوبة والمذكورة. بالاضافة الى الكلام الشكلي حول ضرورة تعزيز العمل المتعلق بتطوير التكنولوجيا ونقلها. الا ان الرؤساء اعطوا انفسهم فترة طويلة لتقييم مدى تنفيذ هذا الاتفاق بحلول عام 2015، مما يوحي ان لا آمال كبيرة من اجتماع كانكون هذا العام، كونه لن يجمع رؤساء الدول (ولا سيما تلك الكبرى) كما كانت الحال في كوبنهاغن، ولن يستطيع ان يناقش امكانية الوصول الى اتفاق جديد ملزم، بل مجرد البحث في آليات تقديم بعض المساعدات من الدول المتقدمة الى تلك الاقل نموا.
كذبة الوصول الى «رؤية مشتركة» منذ 18 عاماً والعالم يتابع وينتظر بعد مئات الجولات من المفاوضات للوصول الى ما يسمى «الرؤية المشتركة» بين ممثلي الدول المتفاوضة والتي تحتاجها قضية تغير المناخ. الا ان هذه الرؤية لم تتبلور يوما ولا سيما بين البلدان النامية التي تحمل البلدان المتقدمة «المسؤولية التاريخية» لتراكم الانبعاثات في الغلاف الجوي والتسبب بالظاهرة من جراء مشاريع التنمية والتصنيع والتقدم والعيش برفاهية، وبين البلدان المتقدمة التي اعترفت بالمشكلة ولا تريد ان تتراجع عن مكتسبات حضارتها، ولا تقترح للخروج من المشكلة سوى الدعوة الى «التخفيف» من الانبعاثات و«التكيف» مع المشكلة و«التبرع» ببعض المال، تحت عنوان «التمويل»، الذي لا يؤثر على المكتسبات والأرباح للشركات والأنظمة الاقتصادية المسيطرة والمسار التاريخي للاقتصاد... في حين يعلم الخبراء المحايدون ان القضية باتت تتطلب ما هو أكثر من ذلك بكثير، أي التغيير الجذري في بنية الأنظمة وثورة في المفاهيم والقيم واتخاذ إجراءات متطرفة شبيهة بالظواهر المتطرفة لتغير المناخ المنتظرة.
ففي ظل اقتصاد السوق المسيطر، لا يمكن الحديث عن «نقل التكنولوجيا» التي تعتبر ركنا من أركان المطالب والمفاوضات. فمسألة نقل التكنولوجيا، كما شقيقاتها من محاور المفاوضات المناخية كالتخفيف والتكيف والتمويل، كذبة كبيرة، وقد تحولت الى «كذبة تاريخية» لكثرة ما تم التداول بها والمراهنة عليها لإنقاذ الكوكب. فكيف يمكن المراهنة على «تكنولوجيا بيئية» وتعميمها على سكان الكوكب في ظل اقتصاد السوق القائم على المنافسة، وضمن قواعد منظمة التجارة العالمية وقوانين حماية الملكية الفكرية؟
استحالة «نقل التكنولوجيا» بينت الجولة الأخيرة من المفاوضات في كوبنهاغن، استحالة المطالبة بفصل التكنولوجيا البيئية عن العلم والتكنولوجيا عامة، التي باتت معظم اسرارها عند القطاع الخاص الذي يبتغي الربح، وقد وظف بعضا من أرباحه في الأبحاث لتطويرها ولفتح أسواق جديدة، ولا يمكنه ان يقدمها مجانا الآن من اجل «عيون الكوكب» تحت عنوان مبهم «الإنقاذ من ظاهرة تغير المناخ» . لا بل يذهب البعض الى القول باستحالة فصل التكنولوجيا البيئية عن التكنولوجيا عامة، كون منجزات العلم والتكنولوجيا باتت مرتبطة مع بعضها البعض وتستفيد من بعضها البعض. فصناعة المراوح الهوائية لتوليد الطاقة وتكنولوجيتها، على سبيل المثال، مرتبطة بنظم التحكم والتوازن المستخدمة أيضا في صناعة الطائرات والكمبيوترات. فكشف أسرار التكنولوجيا التي تعتبر بيئية وبسيطة، يمكن ان تكشف أسرار تكنولوجيات أكثر تعقيدا يستحيل ان يتخلى عنها «مالكها». كما ظهر مؤخرا ان قواعد وقوانين منظمة التجارة العالمية تضع قيودا على الدول لعدم دعم ونقل التكنولوجيا البيئية والخضراء. وتتحضر الولايات المتحدة الاميركية وفق ما أعلن الممثل التجاري الأميركي رون كيرك لمقاضاة الصين في اطار منظمة التجارة العالمية لأنها «تنتهج طائفة عريضة من السياسات التي تدعم في شكل غير منصف مصنعيها المحليين لمنتجات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والبطاريات المتطورة والسيارات ذات الكفاءة في الطاقة وسلع أخرى»، زاعمة ان «أفعال الصين لا تتفق مع التزاماتها بحكم عضويتها في منظمة التجارة العالمية» والتي تؤثر على التجارة والاستثمار بالتكنولوجيا الخضراء، وذلك بناء على مزاعم نقابة عمال الصلب الأميركية التي تدّعي أن سياسات الصين تسببت في رفع العجز التجاري السنوي في بضائع التكنولوجيا الخضراء مع الصين في شكل ملحوظ منذ انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001.
وهكذا يستحيل أيضا الاستمرار في مطلب «نقل التكنولوجيا» من قبل الدول النامية، والمطالبة بـ«الفصل» بين التكنولوجيا العادية والتكنولوجيا الخضراء، لانقاذ الكوكب، هذا المطلب الذي بدا في البداية تسوويا في طبيعته!
الدول الفاعلة غير متحمسة
بالاضافة الى ذلك لا تبدو البلدان المؤثرة في مجرى المفاوضات متحمسة للخروج بشيء مهم في كانكون. فالولايات المتحدة تراهن على مرور الوقت للتخلص من المهلة الاولى من بروتوكول كيوتو التي تنتهي عام 2012 للبحث في اتفاق او بروتوكول جديد لا يستثني البلدان النامية ولا سيما منافستها التجارية الكبرى الصين، والاتحاد الاوروبي غارق في تناقضات بلدانه وأزماته الاقتصادية والمالية، وروسيا غير المبالية والمتحمسة للموضوع والمراهنة على إنهاء اكبر احتياط عالمي من الفحم في أراضيها قبل الالتزام بأي شيء يؤخر من استخدام هذا الوقود الأوسخ والأرخص، والصين التي دخلت في سباق وتحد لاقتصاد السوق والتي تريد ان تثبت انها ستصبح الاولى في كل شيء تقريبا، لن تلتزم باي تعهد او اجراء يؤخر تقدمها.
وطالما يسيطر النظام الاقتصادي الحر على العالم والقائم في صلبه على المنافسة، فلا مجال لأن تلتزم الدول بإجراءات مكلفة على هذا الاقتصاد وتحد من فرص المنافسة والربح. والحال هذه، لا امل بإنقاذ مناخ الكوكب، حتى لو حصل المزيد من الكوارث في المدى المنظور. وسيمر مؤتمر كانكون وبعده دوربن عام 2011 وبعده في الريو عام 2012 (بعد عشرين سنة على قمة الارض عام 1992 التي اقرت بمشكلة تغير المناخ ووضعت اتفاقية اطارية للتصدي لها)، ولن يتحقق شيء.
جريدة السفير
1 ك2 2010