قانون تلوث الهواء يضيع بين مؤيد ومتحفظ على استخدام الغاز في قطاع النقل

قانون تلوث الهواء يضيع بين مؤيد ومتحفظ على استخدام الغاز في قطاع النقل
قانون تلوث الهواء يضيع بين مؤيد ومتحفظ على استخدام الغاز في قطاع النقل: لم يأخذ مشروع قانون جدلا في البرلمان والبلاد كما اخذ مشروع قانون تعديل القانون رقم 341 الصادر بتاريخ 6/8/2001 المتعلق بالتخفيف من تلوث الهواء الناتج عن قطاع النقل. فقد اخضع مرات عدة لتعديل

لم يأخذ مشروع قانون جدلا في البرلمان والبلاد كما اخذ مشروع قانون تعديل القانون رقم 341 الصادر بتاريخ 6/8/2001 المتعلق بالتخفيف من تلوث الهواء الناتج عن قطاع النقل. فقد اخضع مرات عدة لتعديلات كان أبرزها عام 2004، وكان في كل مرة يأخذ جدلا إضافيا... اما التعديلات الأخيرة المقترحة التي تتم مناقشتها في مجلس النواب في الفترة الأخيرة، فهي لا تطال عملية استرداد اللوحات العمومية التي أخذت جدلا واسعا في الماضي فحسب، بل تطال موضوع استخدام الغاز في قطاع النقل بشكل رئيسي أيضا.
يعتبر البعض ان الموضوع تم تسييسه، وقد انقسمت الآراء بين معسكرين: معسكر يتزعمه رئيس لجنة الأشغال والطاقة والمياه النيابية النائب محمد قباني، ومعسكر بزعامة وزير الطاقة والمياه جبران باسيل. ملخص وجهة نظر النائب قباني ان اللجنة والخبراء الذين تم استشارتهم اقروا بأن الغاز اقل تلويثا من باقي المشتقات النفطية التي يتم استخدامها في قطاع النقل الا ان العلة في نظام الأمان وتخوف أكثرية الخبراء من تحول سيارات الغاز الى قنابل موقوتة في الشوارع اللبنانية. فيما يؤكد الوزير باسيل ان نظام الأمان في سيارات الغاز أفضل من نظام سيارات البنزين ويجب قوننة استخدامه.
مندوبو وزارة الداخلية أعلنوا ان ليس لديهم قدرة على المراقبة الطرقية لسيارات الغاز وكذلك الأمر بالنسبة الى محطات تعبئة الغاز، ولا سيما ان معظم المحطات في لبنان هي في أماكن مأهولة بالسكان. كما افادت مصلحة حماية المستهلك التابعة لوزارة الاقتصاد ان ليس لديها التجهيز الكافي للمراقبة. وقد اجمع مندوبو الوزارات، باستثناء الطاقة، ان ظروف البلد غير المستقر لا تسمح بالتوسع في استخدام الغاز في قطاع النقل.
بين مروج للغاز ومتخوف من التوسع في استخدامه، حصلت بلبلة وضياع في الآراء كانت قد بدأت عام 2000 في الورشة التي نظمتها «الهيئة اللبنانية للبيئة والإنماء» مع كل الجهات الرسمية والتقنية المعنية لمناقشة مشروع قانون التخفيف من تلوث الهواء الناجم عن قطاع النقل، بعد الإعلان عن الدراسات المقارنة التي قدمتها الهيئة والتي تبين فيها ان أهم مصادر تلوث الهواء المديني في لبنان ناجمة عن قطاع النقل موصية بوضع سياسات تقلل من استخدام السيارات الخاصة وتدعم النقل العام وتوسعه وتنظمه، كما توصي باعتماد المعاينة الميكانيكية في مراكز الدولة ووضع مواصفات للوقود والانبـــعاثات وباستخدام الوقود الأقل تلويثا وهو بحسب التدرج الغاز ثم البنزين الخالي من الرصاص ثم المـــازوت الذي يعتبر الأكثر تلويثا. وكانت قد وضعت مادة في مشروع القانون لتشــجيع استـــخدام الغاز في وسائل تم شطبها في الهيئة العامة لمجلس النواب عام 2001 أثنــاء إقرار القانون.
فالجدل الذي يدور اليوم يبتعد كثيرا عن الخلفية والأهداف التي من اجلها وضع القانون. وقد تحول السجال الى نوع من المزايدات والمبالغات، على طريقة ما يحصل في السياسة مؤخرا، وخرج عن كونه سجالا طبيعيا بين مسؤولين لإيجاد الحلول لمشاكل حساسة وخطرة كتلوث الهواء الذي يفترض ان يعني الجميع، كونه لا يطال فئة من دون أخرى. صحيح ان النائب قباني بدا مقتنعا بالغاز في الجلسة التي ترأسها الثلاثاء الماضي في مجلس النواب، الا انه لم يستطع ان يتغافل عن تحذيرات بعض الخبراء من المخاطر في بلد غير مستقر ولا آمن، وقد بالغ في اعتبار سيارات الغاز قنابل موقوتة. واذ يصح القول ايضا ان وجهة نظر الوزير باسيل محقة بيئيا في دعم خيار الغاز، الا ان الموضوع ما كان يحتاج الى المبالغات لناحية القول بوجود 7 صمامات امان (بدل 2) في وقت ان المخاطر ليست في الحوادث التي يمكن ان تتعرض لها سيارة الغاز بل في مكان آخر. وان الانحياز للبيئة يتطلب رؤية اوسع تشمل اعادة النظر بسياسات الطاقة والنقل كلها.
بعيدا عن الآراء التقنية المرتبطة بشركات السيارات وتجار النفط والغاز والتقنيات... وبعيدا عن الحماس المفرط للغاز من دون التحمس لتغيير في سياسات النقل والتحفظ غير المبرر كفاية نظراً لبدء التحول الى الغاز منذ عشر سنوات، ما الذي يدور في جلسات المناقشة وما هي حقيقة السجال وخلفيته وما مدى موضوعية طروحات الافرقاء المتنازعين؟

الآراء المؤيدة للغاز
تؤكد الآراء المؤيدة لاستخدام الغاز في قطاع النقل ان في شوارع أوروبا أكثر من عشرة ملايين سيارة تسير على الغاز المسيل، كما أن شركات تصنيع السيارات تعمل على زيادة تصنيع السيارات التي تستعمل في نفس الوقت نوعين من الوقود الغاز والبنزين وهناك سيارات تعمل على الغاز فقط. وتؤكد هذه المصادر ان بعض هذه السيارات موجود في لبنان منذ عشر سنوات، وهي بالمئات، فكيف سمحت الجمارك بدخول بعضها؟ وكيف لم تتنبه شركة المعاينة الميكانيكية لتحويل بعضها الآخر الى الغاز لتسير على البنزين والغاز معا؟ كما ذكر مصدر، فضل عدم ذكر اسمه، ان في لبنان محطات لتعبئة غاز السيارات المسيل (المنزلي) في منطقتي الدورة وعاليه، وهناك محطات تركيب غاز لسيارات البنزين في طرابلس والدكوانه وغيرها من المناطق، يتم وضع القارورة في صندوق السيارة بالإضافة الى المواسير وصمامات الأمان بكلفة تتراوح بين 500 و900 دولار أميركي، حسب قوة المحرك. وان استخدام الغاز موفر جدا، فالسيارة التي تعمل على البنزين وتستهلك 20 ليتر بنزين لتقطع مسافة 100 كلم، بسعر 34 الف ليرة لبنانية للصفيحة، يمكنها هي نفسها اذا تم تحويلها على الغاز ان تسير 90 كلم بـ20 ليتر غاز بسعر 16 ألف ليرة لبنانية. أي بعشر كيلومترات اقل ولكن بتوفير أكثر من نصف الكلفة.
وتؤكد هذه الآراء ان الغاز هو الوقود الأنظف بيئياً وألأقل ضررا على الصحة والأقل خطرا على السلامة العامة والأوفر اقتصادياَ.
فالغاز المسيل يتكون بمعظمه من البيوتان والبروبان وهما من الهيدروكربونات البارافينية العادية غير السامة، إضافة إلى ذلك ان الغاز يحترق بشكل كامل تقريباَ نتيجة حالته الغازية التي تسمح بامتزاجه الجيد مع الأوكسجين في غرفة الاحتراق مما يمنع من خروجه مع نواتج الاحتراق، ويزيد من المسافة المقطوعة بوحدة الوقود، وينتج عن احتراقه كمية أقل من ثاني أوكسيد الكربون لأن عدد ذرات الكربون في الغاز أقل منها في البنزين والمازوت.
بينما البنزين والمازوت يتكونان من خليط من الهيدروكربونات السامة وأخطر ما فيها الهيدروكربونات الأروماتية المتعددة الحلقات وهي مواد مسرطنة، وجزء منها يخرج مع الجزيئات الصلبة في نواتج الاحتراق وتدخل الرئة عبر التنفس، لأن البنزين والمازوت نتيجة حالتهما السائلة لا يحترقان بشكل كامل فيتسرب حوالى 4 الى 6 % من البنزين إلى الزيت في المحرك ويؤثر سلباَ على خصائصه. أما المازوت فيتسرب منه إلى الزيت حوالى 6الى 8% وتزداد كمية المازوت غير المحترق الخارج مع نواتج الاحتراق حسب عمر المحرك وتنظيم عملية الاحتراق، إضافة إلى أكاسيد الكبريت في نواتج احتراق المازوت وخاصة المازوت الأحمر الذي يحتوي على 0,5% وزناَ من الكبريت وهي تسبب التآكل عدا عن الضرر الصحي والبيئي.
أما بالنسبة لتهديد السلامة العامة فإن تجهيزات الغاز في السيارات مصممة بحيث لا تسمح بتسرب الغاز منها، فخزان الغاز مزود بصمامات أمان واحد منها لوقف إمداد المحرك بالغاز عند حصول حادث وتحطم أنبوب الغاز مع العلم أن أنابيب الغاز من النحاس ومغلفة بالمطاط مما يجعلها تنطوي عادة ولا تتحطم، وصمام آخر موصول بأنبوب إلى خارج السيارة يفتح في حال زاد الضغط داخل خزان الغاز نتيجة إصابة الخزان أثناء الحادث، مع الاشارة إلى أن سماكة حديد خزان الغاز مصممة بحيث تتحمل تقريباَ ضعفي ضغط الغاز بداخله وهو بالتالي ينطوي ولا يتحطم، بينما تثبت الحوادث تحطم خزانات البنزين والمازوت واحتراقها. فهل سمعتم باحتراق سيارة تعمل على الغاز مع العلم أنه تسير في شوارع لبنان أكثر من ألفي سيارة وخصوصاَ العمومية منها تستعمل الغاز كوقود! لأن الغاز يوفر للسائق حوالى عشرة دولارات مقابل كل عشرين ليتر بنزين.
أما بالنسبة لتجهيزات الغاز فيمكن استيرادها وفق مواصفة قياسية معتمدة من مؤسسة المواصفات والمقاييس. أما تركيبها في السيارات فيمكن أن يتم من خلال مراكز صيانة متخصصة يتم اعتمادها والترخيص لها وفق معايير محددة ومعروفة عالمياَ. كما يتم تزويد السيارات العاملة على الغاز بإفادة من مركز الصيانة المعتمد تظهرها كشرط لاجتياز المعاينة الميكانيكية.

الآراء المتحفظة
لا تجادل الآراء المتحفظة في ان الغاز اقل تلويثا من البنزين والمازوت (الاحمر والاخضر)، الا انها تشكك في قدرة الاجهزة المعنية في ضبط التوسع في استخدام الغاز وفي الصيانة والرقابة كون الغاز مادة سريعة الانفجار. فالتخوف الرئيسي من الغاز ليس من السيارات نفسها التي لا جدل بان لديها صمامات امان، بل من تسرب الغاز من محطات التوزيع الموجودة في معظمها في أماكن مأهولة والتي يفترض ان تبدأ بالتعبئة، بأن لا تكون مجهزة كفاية بالاضافة الى مراكز التركيب والصيانة. فهناك خوف من امكانيات تسرب الغاز من المواسير اثناء توقف سيارة تعمل على الغاز في المرائب تحت الارض وان تحصل انفجارات كبيرة من جراء ذلك، كما حصل في الكثير من الافران والمنازل، والاماكن المقفلة بشكل عام. فالغاز سريع الانفجار كونه يختلط بسرعة اكبر مع الهواء ويمكن ان يتسبب بمشاكل اكبر من الوقود العادي، خصوصا في بلد مثل لبنان لا تطبق فيه المعايير ويعاني من فساد عميق في اجهزته الادارية والرقابية وفي مؤسساته الخاصة المعنية. ودليل الجهات المتحفظة ما يحصل حاليا في المعاينة الميكانيكية، ونسبة المخالفين الذين نراهم على الطرق كل يوم وكأن لا معاينة ميكانيكية في لبنان!
وترى الاراء البيئية المحايدة ان المطلوب للتخفيف من تلوث الهواء الناجم عن قطاع النقل، هو وضع سياسات مختلفة للطاقة والنقل، تقوم على تشجيع ودعم النقل العام والتخفيف من استخدام السيارات الخاصة، بغض النظر عن نوع الوقود، ومن ثم ايجاد مواصفات ومعايير للوقود وتشجيع افضل التقنيات وإيجاد آليات جدية للتنظيم والمراقبة. وهذا لن يحدث الا بوجود دولة مختلفة.

المازوت الأحمر والأخضر
من جهة اخرى عاد التداول أيضا بمواصفات الوقود وكيفية السماح بالمازوت الأخضر لقطاع النقل وضمان عدم استخدام المازوت الأخضر المخصص للاستخدام الصناعي والمنزلي في الآليات. وقد طرح في اجتماعات اللجان ضرورة تصحيح الخطأ الذي حصل عام 2001 حين تم منع سيارات «الفان» بين 16 و24 راكباً من العمل على المازوت، في وقت لا يوجد في العالم بديل لمحركات الديزل على البنزين. وتقرر إعادة السماح بتسيير هذه الفئة من الباصات على المازوت اسوة بتلك فوق الـ24 راكباً.
اما المشكلة التي لم تحسم بعد، فهي كيف سيتم ضمان ان لا تستخدم هذه الباصات والآليات الا المازوت الأخضر الأقل تلويثا من المازوت الأحمر. واذ درست إمكانية أن لا تزود المحطات بالمازوت الأحمر وان يقتصر الأمر على منشآت النفط، سقط هذا الاقتراح لإمكانية نقل الكميات بطرق معينة واستخدامها في السيارات. وكان الاقتراح الغالب أخيرا ان لا يسمح بتوزيع المازوت الأحمر الا في فترة الأربعة أشهر من فصل الشتاء القارس وللمنازل فقط. وان يتم تجهيز المحطات بصبابات للمازوت الأحمر لا تدخل في السيارات.
مصادر بيئية علقت على المداولات بإعادة السماح بالمازوت الأخضر، بالتحفظ الشديد على التوسع في استخدام المازوت ومهما كان لونه في قطاع النقل، كون مشكلة وقود الديزل ليست فقط في النوعية بل في ميكانيك الآليات المستخدمة له أيضا. وان أكثر الدول تقدما لم تستطع ان تحل مشكلة الجزيئات الدقيقة التي تنبعث من احتراق الديزل بالرغم من كل التحسينات التي ادخلتها على المواصفات والتقنيات والتي تبين زيادة قدرتها على خرق الرئتين كلما تم تحسين المحركات وفلاتر عوادمها، مما دفع بالإدارات البيئية المعنية في هذه الدول المتقدمة بتوصية شركات تصنيع سيارات الديزل بوضع برامج متوســطة المدى للتخـــلص نهائيا من هــــذه الصناعات واستبــدالها للعمل علــى وقود بديل.

استرداد اللوحات
حول موضوع استرداد اللوحات كما كان مطروحا في القانون 2001 وتعديلاته، تم الاخذ بوجهة نظر مدير عام وزارة النقل عبد الحفيظ القيسي، بأن لا يتم اعتماد هذا الموضوع، الا اذا كانت الخطة تقضي بسحب كل اللوحات العمومية واعادة تأجيرها، وهو ما يحتاج الى رأس مال، يمكن استرداده بعد فترة.
وهنا طرحت مشكلة تزوير اللوحات التي اعتبرت المشكلة الاكبر في هذا القطاع. فمن اصل 55 الف سيارة عمومية تعمل في لبنان هناك اكثر من 22 الفاً تعمل خارج القانون. واذا كان هناك 16000 فان تعمل فليس بينها سوى 4000 مرخصة. بالاضافة الى الفي باص مرخص من اصل 15 الفاً تعمل على الطرق.
وقد اكد مدير عام وزارة النقل ان هذا الموضوع بدأ معالجته من ضمن خطة مشتركة بين وزارتي النقل والداخلية عبر اعادة الترخيص للقطاع ومنح المرخص «ملصق تعريفي» مرمز على ان يجهز شرطي السير بآلة لمعرفة الارقام المرمزة لمكافحة التزوير والتأكد من ان السيارة مرخصة، وان العمل سيبدأ بهذه الآلية ابتدأ في اول شهر شباط 2011.
كما طرحت كيفية مراقبة الجمارك للسيارات المستوردة والتي يمكن ان تكون مضروبة او موصولة ويمكن ان تشكل خطراً على السلامة العامة، خصوصا بعدما تبين ان المعاينة الميكانيكية لا تنظر الى هيكل السيارة!
وهنا طرحت افكار وتوصيات لوزارة الداخلية بإعادة النظر بالعقد مع الشركة الملتزمة المعاينة الميكانيكية التي ينتهي عقدها في ايار المقبل على هذه الملاحظات.

جريدة السفير
1 ك2 2010