
أين أصبح تعهد لبنان بإنتاج 12% من الطاقة عام 2020 من مصادر متجددة؟ تعهدت الحكومة اللبنانية عبر رئيس حكومتها في قمة تغير المناخ في كوبنهاغن العام الماضي بأن يتمكن لبنان من إنتاج 12% من حاجته الطاقة من مصادر متجددة حتى عام 2020 . فما مدى واقعية هذا الطرح؟ وكيف ي
تعهدت الحكومة اللبنانية عبر رئيس حكومتها في قمة تغير المناخ في كوبنهاغن العام الماضي بأن يتمكن لبنان من إنتاج 12% من حاجته الطاقة من مصادر متجددة حتى عام 2020 . فما مدى واقعية هذا الطرح؟ وكيف يستعد لبنان بعد سنة على إطلاق التعهد لتحقيق هذا الهدف؟ مع العلم ان وزير البيئة محمد رحال عاد واستدرك لاحقاً بالقول إن لبنان ألزم نفسه بهذا التعهد وليس عنده أي التزامات تجاه أي مرجعية دولية، ولا سيما بروتوكول كيوتو لتغير المناخ الذي ألزم البلدان المتقدمة أولا بتخفيض انبعاثاتها، والتي لم تلتزم بحجة عدم تصديق الولايات المتحدة الاميركية على هذا البروتوكول.
واذ يمكن التأكيد ان انتاج الطاقة في لبنان من مصادر متجددة ونظيفة، امر مهم اقتصادياً، كما هو مهم بيئياً، كون لبنان بلداً غير نفطي، وكون هذا الخيار استراتيجي وأكثر استدامة على المدى البعيد، ولا سيما مع المراهنة على الشمس والهواء غير الناضبين كالنفط والغاز، يبقى السؤال في كيفية ترجمة هذا التعهد باستراتيجية وخطط جدية.
لا بد من الإشارة بداية الى ان ترجمة هذا التعهد من الحكومة اللبنانية ورئيسها، كانت تتطلب حتماً تعاوناً بين الأطراف المعنية او الوزارات المعنية، ولا سيما وزارتي الطاقة والبيئة.
وهذا ما حصل فعلاً عبر بعض الاجتماعات الثنائية بين الوزيرين، وعبر مشاريع مشتركة بين ممثلين عن مشاريع مشتركة يديرها برنامج الامم المتحدة الانمائي وبين الوزارتين. مع الإشارة الى ان المشكلة التي أثيرت حول ادوار الأمم المتحدة ومعاشات الموظفين العالية فيها لم تكن ذات معنى اذا كان هؤلاء يقومون بمهمات كبيرة لمصلحة الدولة اللبنانية وبناء مؤسساتها (لا ان يصبحوا بديلا عنها).
اذا، تحقيق هدف انتاج 12% من الطاقة المتجددة في بلد مثل لبنان، تضعف فيه الدولة وتشكو الحكومات من عدم التعاون والانسجام بين مكونات الحكومة، ليس امرا سهلا.
وقد كان الأمر يتطلب تعاوناً اكبر مع اكثر من وزارة وإدارة وقطاع، كون الطاقة هي مصدر حركة الجميع. وتوفيرها وترشيدها وضبط استهلاكها مسؤولية الجميع.
ولا باس ان تبدأ الوزارات المعنية، كالبيئة والطاقة، بوضع الخطط الاستراتيجية. ولكن هل وضعت تلك الاستراتيجية في سنة، أي منذ اطلاق التعهد؟
في الحقيقة لم يعرض علينا اية استراتيجية حتى الآن. وكل ما هو معروض هو «ورقة سياسة قطاع الطاقة» التي اعلنها وزير الطاقة في شهر حزيران من هذا العام (2010)، والتي ظهر فيها بشكل واضح اضافات وزارة البيئة ومستشاري برنامج الامم المتحدة الانمائي العاملين وبين الوزارتين تحت عنوان الطاقة المتجددة.
ونظرا لغياب الاستراتيجية والرؤية الشاملة، لم يتم التطرق الى تحديد المفاهيم، ولا الانطلاق من المتوفر في لبنان من طاقات نظيفة، ولا كيفية تحديد الحاجات الحالية والمستقبلية، ولا تم الاستناد الى دراسات تظهر اين يتم استهلاك الطاقة في لبنان، وكيف يمكن الترشيد في الاستخدامات كافة، كخطوة اولى في اية استراتيجية بالاضافة الى تحديد الأولويات للصرف والتمويل.
ولعل غياب الاستراتيجية التي تحدد التعريفات والخيارات والاولويات وتضع الخطط والمهل الزمنية وطرق التقييم... قد ادى ايضا الى خلافات حول طرق تصنيف وتعريف الطاقات المتجددة وكيفية احتسابها. فما هي حقيقة الوضع وما مدى جدية وواقعية الالتزام؟
خلاف على التعريف
لعل الخلاف الاول هو على تعريف الطاقات المتجددة والنظيفة وما الذي يندرج تحتها.
واذ نفضل ان ندمج دائما كلمة النظيفة مع الطاقات المتجددة، وذلك لتحاشي ادخال بعض الطاقات المتجددة شكلا ضمن البيئية، ولا سيما تلك التي ينجم عن عمليات انتاجها ملوثات معينة. واذ يجدر التنويه ان الطاقة النووية لم تطرح في لبنان حتى الآن، على الاقل في الخطط الحكومية، والتي يروج لها (من قبل لوبيات المحطات النووية وتكنولوجيتها الكبرى في العالم وفي المنطقة العربية مؤخرا) على انها صديقة لقضية تغير المناخ ولا تصدر انبعاثات مثل الطاقة الأحفورية، مع العلم ان هذا الموضوع غير صحيح اصلا، وهي تتسبب بمخاطر ومشاكل ونفايات، لن ندخل فيها.
وقد بقيت المشكلة في لبنان على احتساب وتصنيف الطاقة الحيوية، اي تلك الطاقة المتولدة من حرق النفايات، بأنها طاقة متجددة. صحيح ان النفايات اصبحت مورداً دائماً ولا امل في وقف إنتاج النفايات في المدى المنظور وضمن اقتصاد السوق المتبع، الا ان هذه التقنية لا تعتبر حلا لمعالجة النفايات ولا يفترض ان تدرج ضمن خانة المراهنة عليها مستقبلا كخيار دائم ومستدام لتوليد الطاقة. باستثناء امكانية توليد طاقة من الغازات المنبعثة من مطامر النفايات القديمة، وهي خيارات كان يمكن ان تكون معقولة في الماضي، لو كنا نعرف ان هذه المطامر وخيار الطمر السيئ، سيصبح خيارا دائما، وان هناك جدوى ما من توليد الطاقة من غازات النفايات المطمورة.
خلاصة القول، إن الطاقة المتولدة عن حرق النفايات لا يمكن تصنيفها من ضمن الطاقات المتجددة والنظيفة طالما ينتج عن الحرق انبعاثات ضارة ورماد يصنف نفايات سامة.
وكذلك الامر بالنسبة الى توليد الطاقة من السدود المائية السطحية والمصطنعة الذي لا يعتبر خياراً بيئياً (مع استحسان توليد الطاقة الكهرمائية من مساقط المياه الطبيعية المتوفرة في لبنان)، وبالتالي لا يفترض ان يدرج ضمن امكانيات الطاقة المتجددة.
كيفية الاحتساب
اما الخلاف الثاني للتعهد فهو حول كيفية احتساب الطاقة المتجددة. فهل شراء 3 ملايين لمبة موفرة للطاقة بسعر 2070 ليرة لبنانية للمبة بقوة 23 واط، وتوزيعها على المشتركين، يمكن ان يساهم في توفير الانتاج في مؤسسة كهرباء لبنان واحتسابها من ضمن التعهد بالـ12%؟
بغض النظر عن الجدل الذي حصل حول كيفية حصول المناقصة، ومآخذ بعض البيئيين على عدم تضمن دفتر الشروط آلية لاسترداد هذه اللمبات بعد استهلاكها وبعد انتهاء عمرها كونها تحتوي على مادة الزئبق السامة، لتشجيع نظام الاسترداد، كما يتم تشجيع نظام الاستبدال... وبغض النظر عن ملاحظات اخرى حول حجم الصرف على الإعلانات المواكبة للحملة... فإن قرار وخيار تشجيع حفظ الطاقة والتوفير والترشيد في استخدامها، عبر توفير بعض الدعم عن المازوت، كان خياراً افضل من دعم المحروقات.
وللعودة الى سؤال: هل يمكن اعتبار التوفير في الادوات المستهلكة للطاقة دعماً لخيار انتاج 12% من مصادر متجددة؟ جواب المتابعين لهذا الملف هو لا بالطبع، لأن التعهد يتحدث عن «إنتاج» طاقة نظيفة من مصادر نظيفة ومتجددة بنسبة 12% مقارنة مع الطاقة المنتجة من المعامل الحرارية العاملة على الفيول او الديزل او الغاز او تلك المنتجة من المولدات الخاصة، او حتى تلك التي يتم استجرارها من خارج لبنان.
فعلى ماذا راهن المراهنون لإنتاج 12% من طاقة لبنان من مصادر متجددة؟ وما هي الخطط التي تم وضعها خلال سنة؟ ومتى سيتم وضع «استراتيجية بيئية» شاملة تتضمن استراتيجية للطاقة التي كان يفترض ان تسبق اية خطط؟
على ماذا المراهنة؟
بحسب مصادر وزارة الطاقة، هناك مراهنة على الطاقة الكهرمائية بشكل كبير للوصول الى انتاج 12% من الطاقة من مصادر متجددة لتلبية الطلب، المتوقع ان يكون بحدود 2400 ميغاواط. مع التحفظ على الرقم المطلوب الذي لا يأخذ بالحسبان خطط ضبط الطلب بدل تشجيع زيادة الطلب على الطاقة، لا يفهم اذا ما تم احتساب ما يتولد عن مشروع الليطاني اليوم معها. فالطاقة الكهرمائية المنتجة في لبنان اليوم تقدر بما بين 4 و7 % وهي بمعظمها ما ينتج من معمل الليطاني والمقدر بما يقارب 190 ميغاواط كحالة انتاج قصوى. الا ان خطة وزارة الطاقة تراهن على انتاج الكهرباء من السدود المائية السطحية التي تنوي القيام بها، بحسب ما يسمى «الخطة العشرية»، وهي تقدر امكانية انتاج 400 ميغاواط بحلول عام 2020، حسب دراسة «كهرباء فرنسا». الا ان هذه الخطط تلقى معارضة من بعض البيئيين، نظراً للمخاطر والأكلاف العالية لإنشاء السدود السطحية، مع تأكيد هؤلاء ان هناك امكانيات لتوليد طاقة كهرمائية من اكثر من 20 موقعاً طبيعياً لأنهر وشلالات كان قد بدأ العمل عليها منذ السبعينيات، وهي ليست بحاجة الا الى تطوير وتحديث.
المصدر الثاني المعول عليه لإنتاج طاقة نظيفة ومتجددة، هو الهواء، وقد قدرت الامكانيات بإنتاج بين 60 و100 ميغاواط بحلول عام 2014 ، بعد انجاز اطلس الرياح، ويمكن ان تصل الى 300 و400 ميغا بحلول عام 2020. وهو موضوع لا خلاف حوله، لا بل يراهن البعض بأن يكون في لبنان امكانيات اكبر، في بعض المناطق كعكار مثلا لإنتاج طاقة هوائية اكبر.
اما المصدر الذي يدور حوله الخلاف الأكبر، فهو ما يسمى الطاقة الحيوية الناجمة عن حرق النفايات في لبنان لتوليد الطاقة. فقد اقر مجلس الوزراء، من ناحية المبدأ، امكانية انشاء اربعة معامل للتفكيك الحراري في لبنان، وتوليد طاقة كهربائية منها تقدر بما بين 15 و25 ميغاواط. الا ان الكثير من البيئيين يتحفظون على خيار حرق النفايات لإنتاج الطاقة. كونه خيار مكلف ولا ينتج طاقة كبيرة، وكونه باختصار، يتسبب بمشاكل بيئية مثل تلوث الهواء وينتج رمادا ساما بعد الحرق، ويحرق موارد قابلة لاعادة التصنيع.
اما المصدر المتجدد الذي يحظى بالإجماع والتشجيع من الجميع فهو الطاقة الشمسية المعول عليها كثيراً في لبنان. فمن المتوقع ان تصل مساحات السخانات الشمسية الى مليون متر مربع عام 2020 بمعدل زيادة 30 الف متر مربع في السنة، وهي يمكن ان تؤمن بين 1 و 2 % من الـ12% الموعودة.
ويتوقع كثيرون ان ينمو استخدام السخانات الشمسية في المنازل والمؤسسات الصغيرة والكبيرة بشكل كبير في لبنان. كما يمكن ان تنمو امكانية انتاج الكهرباء من الالواح الشمسية اذا وضعت آليات فاعلة لدعم تعرفة الطاقة الشمسية وسمح ببيع مؤسسة كهرباء لبنان فائض الانتاج المنزلي لكل منزل ينتج طاقة كهربائية من الالواح الشمسية. وقد تساهم هذه الطريقة بإنتاج 1او 2% من اصل الـ12% الموعودة بحلول عام 2020.
كما لا تزال تدرس امكانيات انشاء مزارع شمسية بالرغم من اعتبارالبعض انها لا تزال مكلفة كثيرا بالنسبة لغيرها من الخيارات.
الا ان مصادر بيئية، لا تستبعد ان يحصل تطور مهم في مجالات الطاقة المتجددة في العالم، لا سيما اذا نجح بلد مثل لبنان، بتحالفاته مع البلدان النامية، ان يشكل «لوبي» بيئياً ضاغطاً في المفاوضات الدولية (كما يفترض ان يحصل الان في كانكون) لانتزاع حقه في الحصول على التقنية البيئية مجانا من البلدان المتقدمة وتطويرها وتشجيع نقلها وتصنيعها. وذلك يتطلب مواكبة تشريعية كبيرة وإصدار قوانين ومراسيم وقرارات وزارية تشجع استخدام الطاقات المتجددة وتقنياتها، وتشجع انتاجها في لبنان وليس استيرادها فقط (تلبية لرغبة بعض التجار الجدد في التكنولوجيا النظيفة). كما يتطلب تسهيلات لنقل الطاقة النظيفة المنتجة بشبكات مؤسسة كهرباء لبنان وآلية لدعم تعرفة الطاقة المنتجة. بالاضافة الى الاسراع في اصدار قانون حفظ الطاقة بعد الاخذ بالملاحظات الجوهرية عليه (راجع «السفير» في 20 تموز 2010).
7 ك2 2010