
الكائنات المعدّلة جينياً تغزو لبنان بلا أية رقابة: تعتبر الكائنات المعدّلة جينياً كائنات تغيّرت فيها المادة الوراثية بطريقة لا تحدث بصورة طبيعية بل جرت باستعمال التكنولوجية البيولوجية الحديثة. فعلى سبيل المثال، توصلت تقنيات الهندسة الوراثية إلى نقل جينات مأخوذ
تعتبر الكائنات المعدّلة جينياً كائنات تغيّرت فيها المادة الوراثية بطريقة لا تحدث بصورة طبيعية بل جرت باستعمال التكنولوجية البيولوجية الحديثة. فعلى سبيل المثال، توصلت تقنيات الهندسة الوراثية إلى نقل جينات مأخوذة من جراثيم إلى نباتات. وتشكّل الذرة وفول الصويا أهم أنواع الأغذية التي تجري عليها عمليات التلاعب الجيني. تهدف زراعة تلك الكائنات وانتاجها إلى رفع مستوى المحاصيل المقاومة للأمراض والجفاف بينما تهدّد تلك الكائنات التنوع البيولوجي، وتثير نقاشاً عالمياً في شأن ضررها على صحة الإنسان، وتزيد من تبعية الدول النامية للشركات العملاقة المتعددة الجنسية التي تتحكم بالأسواق العالمية.
تحريك الملف من جديد
تنشط مؤخرا جمعية حماية المستهلك في تحريك الملف من جديد لاقرار اقتراح قانون يحدّد الأطر الواضحة لاستخدام الكائنات المعدّلة جينياً بغية توفير الحماية للمواطن اللبناني من أضرار محتملة وللمحافظة على البيئة.
يشير رئيس «جمعية حماية المستهلك» الدكتور زهير برو إلى عدم وجود قانون في لبنان ينظم عملية استيراد الكائنات المعدّلة جينياً واستهلاكها بخلاف دول أخرى وضعت قيوداً معينة على استيراد وانتاج الكائنات المعدّلة جينياً، وأوجبت وضع علامات وملصقات واضحة ( Label) على السلع التي تحتوي كائنات معدّلة جينيا.
وقامت الجمعية، ومنذ فترة قصيرة، بالتداول مع جمعيات مدنية أخرى لوضع مسودة قانون لطرحها على الوزارات المعنية: الزراعة، البيئة، الصحة، الاقتصاد والصناعة، بهدف ايجاد التشريعات الضرورية التي تحمي المستهلك اللبناني التزاماً بمبدأ الحذر والوقاية ( Precaution) من مخاطر محتملة قد تظهرها الكائنات المعدّلة جينياً على صحة الإنسان في المستقبل.
النص المقترح
تنصّ مواد مسودة القانون على: الحظر الكامل على استيراد جميع البذور والحيوانات والفطريات والبكتيريا والفيروسات المعدّلة جينياً، الحظر الكامل على زراعة الحبوب والشتول وتربية الحيوانات المعدّلة جينياً، الحظر الكامل على اجراء البحوث العلمية في شأن الكائنات المعدلة جينياً في الهواء الطلق أو في المختبرات المغلقة، الحظر الكامل على خمسة أنواع من مبيدات الأعشاب الضرورية لزراعة الكائنات المعدلّة جينيا، منع دخول التبرعات أو المساعدات الخارجية، حتى في حالات الطوارئ، إذ كانت تلك المساعدات لا تتوافق مع المعايير الموضوعة إذ يجب اختبار المساعدات الغذائية في بلد المنشأ وإعلانها غير معدّلة جينيا قبل الشحن إلى لبنان، وضع علامة إلزامية على جميع السلع والمواد الغذائية والمنتجات والأعلاف الحيوانية التي تحتوي على كائنات معدّلة جينيا، الحظر التام على هرمون « rBGH» الخاص بنمو الأبقار إذ أكّدت دول عدة آثاره الصحية الضارة على الأبقار والإنسان. يوفّر وضع العلامات المعلومات الواضحة للمستهلكين ما يسمح لهم باتخاذ الخيار المناسب في شأن ما يستهلكونه.
يوضح برو بأن المنظمات الموقعة تؤيّد تطوير البحوث العلمية غير أن معرفتها بالفساد القائم في البلاد يدفعها إلى منع البحوث خوفاً من انتشار الكائنات المعدّلة جينيا من خلال هذا الإطار.
وترتكز عقوبات المخالفين للمواد المذكورة أعلاه، وفق برو، على تغريمهم مبالغ مالية تتراوح بين مئة وخمسين مليون ليرة لبنانية وخمسة مليارات ليرة لبنانية، والعقوبة بالحبس من شهر إلى خمس سنوات.
بروتوكول قرطاجنة
من جهة أخرى، تشير المتخصصة بالحفاظ والإدارة المستدامة للتنوع البيولوجي والمحاضرة في جامعة «سيدة اللويزة» الدكتورة السا ستوت إلى أن وزارة البيئة وضعت في العام 2006 مرسوم قانون المحافظة على السلامة الأحيائية. وان لبنان صادق في العام 2008، على بروتوكول قرطاجنة بشأن السلامة الأحيائية الذي يهدف إلى ضبط نقل والتداول واستخدام الكائنات المعدّلة جينيا. وأحالت بعدها وزارة البيئة مرسوم القانون إلى مجلس النواب الذي ما زال يناقشه.
يهدف المرسوم إلى تنظيم عمليات النقل عبر الحدود والاستيراد والتصدير والنقل عبر الترانزيت والاستخدام المعزول والإطلاق في البيئة والاستخدام المباشر كأغذية أو أعلاف أو للتجهيز والمناولة والنقل والاستخدام في البحوث والاختبارات والوضع في الأسواق للسلع التي تحتوي على كائنات حية معدّلة جينياً (ويشار إلى هذه العمليات في ما بعد بـ «مجالات الاستخدام») بهدف حماية البيئة والإنسان من الآثار السلبية التي قد تنتج عن الكائنات الحية المعدّلة جينياً. يسري المرسوم على سائر مجالات استخدام الكائنات الحية وغير الحية المعدّلة جينياً وتستثنى المواد ومجالات الاستعمال التالية من أحكام هذا المرسوم: المواد الصيدلانية التي تستخدم الكائنات الحيّة أو غير الحية المعدّلة جينياً التي تخضع لمعاهدات دولية أخرى غير معاهدة التنوّع البيولوجي أو بروتوكول قرطاجنةنة أو التي ترعاها منظمات دوليّة خاصة؛ استخدام الكائنات الحيّة أو غير الحية المعدّلة جينياً في العلاجات الجينيّة التي يخضع لها الإنسان.
المرسوم التنظيمي
يلاحظ المرسوم، وفق ستوت، تصنيف الكائنات الحية أو غير الحية المعدلة جينياً بحسب درجة المخاطر التي تمثلها. وتقوم وزارة البيئة بالتعاون مع المجلس الوطني للسلامة الأحيائية بإعداد اللوائح الأربع وتحديثها بشكل دوريّ. تتضمن اللائحة « أ« كافّة الكائنات الحيّة أو غير الحية المعدّلة جينيا التّي لا تشكل أي خطر محدّد على البيئة أو الإنسان. يجب تشجيع ودعم كائنات اللائحة «أ» ويُسمَح باستيرادها واستخدامها الحرّ من دون أية قيود. تتضمّن اللائحة «ب» كافّة الكائنات الحيّة أو غير الحية المعدّلة جينيا التي تشكل نسبة مخاطر متدنية على البيئة أو الإنسان. تخضع كائنات اللائحة «ب» للتدابير الوقائيّة. تتضمن اللائحة «ج» كافّة الكائنات الحيّة أو غير الحية المعدّلة جينيا الّتي تشكل نسبة مخاطر متوسّطة على البيئة أو الإنسان. ويُسمح باستخدام كائنات اللائحة «ج» للأبحاث والاختبارات حصراً. أما الاتجار بكائنات اللائحة «ج» المذكورة فيخضع لإجراءات الموافقة الخاصّة والصّادرة عن الوزارة على أساس كل حالة على حدة. تتضمن اللائحة «د» كافّة الكائنات الحيّة او غير الحية المعدّلة جينيا الّتي تشكل نسبة مخاطر مرتفعة على البيئة أو الإنسان وينحصر استخدامها في الأبحاث والاختبارات ويمنع استخدامها في اي مجال آخر تجاري او غير تجاري.
ويذكر مرسوم القانون وجوب وضع لاصق على جميع الفئات المعدّلة جينياً، وإجراء عملية تقييم المخاطر بغية تحديد وتقييم الآثار السلبية المحتملة للكائنات الحية المعدّلة على بيئة لبنان وصحة الأشخاص المقيمين فيه. ويقترح المجلس الوطني للسلامة الأحيائية على السلطات المختصة خطة لإدارة المخاطر. وتتضمن تلك الخطة تدابير عدة: مسافات عزل المحاصيل، إدارة التهجين، عمليات تفتيش ورصد محددة.
وتقوم السلطة الوطنية المختصة، وفق المرسوم، بتعزيز ونشر الوعي في المجتمع اللبناني في شأن أمان نقل ومناولة استخدام الكائنات الحية وغير الحية المعدّلة جينيا. ويجب على السلطة أن تشرك الجمهور وتستشير الأطراف المعنية في القرارات في شأن الكائنات المعدّلة جينيا وفقا للتشريعات القائمة.
لجنة وطنية للسلامة الاحيائية
تشير ستوت إلى أن المرسوم لم يمنع البحوث العلمية في شأن الكائنات المعدّلة جينياً. لم تثبت الدراسات العلمية، حتى اليوم، بشكل واضح الأثر الصحي للكائنات المعدّلة جينياً على الإنسان مع الإشارة إلى تسجيل بعض حالات الحساسية عند الإنسان. ومن الممكن أن تؤثر الكائنات المعدّلة جينياً على صحة الإنسان بطريقة غير مباشرة بسبب تأثيرها على البيئة فعوامل البيئة والصحة مرتبطتان. وتشكّل الكائنات المعدّلة جينياً خطراً على التنوع البيولوجي والأصول والموارد الوراثية، حسب الأنواع الموجودة في بلدنا مثل العدس، القمح، الشعير وغيرها.
ويوجب المرسوم تأليف لجنة وطنية للسلامة الأحيائية تضم المعنيين والخبراء من مختلف الوزارات والجامعات والمختبرات والجمعيات المدنية. وفي انتظار تصديق مجلس النواب على مرسوم قانون المحافظة على السلامة الأحيائية، تلفت ستوت إلى إمكانية اعتماد موجبات بروتوكول قرطاجنةنة كمرجع تنظيمي غير أنه لا تتوافر في لبنان الآليات العملية والأطر التنفيذية لتطبيق معايير البروتوكول، ولم يتم وضع اللوائح التي تصنف الكائنات المعدّلة جينيا حتى اليوم.
يذكر أن قانون الحجر النباتي وتدابير الصحة النباتية، الصادر في العام 2006 عن مجلس النواب، يلحظ في المادة 14 حظر ادخال النباتات والمنتجات النباتية والآفات إلى الدولة إن كانت معدّلة وراثيا وإذا كان التعديل المذكور من شأنه أن يخلق مخاطر وأضراراً بالإنسان أو الحيوان أو النبات، وفي المادة 16: منع دخول الكائنات الحية المحوّرة.
الذرة المعدلة تسبب الوفاة المبكرة:
كشف الباحث جيل ايريك سيراليني من جامعة «Caen» الفرنسية في شهر أيلول الماضي عن نتائج دراسته في شأن أثر الكائنات المعدّلة جينياً على صحة الفئران. وبينت نتائج الدراسة بأن الفئران التي حصلت على غذاء مكوّن من ذرة معدّلة وراثياً من نوع «NK603» أظهرت أوراماً في الثدي، اضطرابات في الكبد والكلى وحالات وفاة مبكرة. وتعتبر تلك الدراسة الأولى من نوعها التي تابعت أثر الكائنات المعدّلة جينياً على الفئران لمدة سنتين بالمقارنة مع الدراسات الأخرى ذات الفترات القصيرة.
أثارت الدراسة جدلاً واسعاً بين الباحثين في مختلف أنحاء العالم. فرفض المجلس الأعلى للتكنولوجيا الحيوية الفرنسي والوكالة القومية للأمن الصحي والتغذية والبيئة والعمل في فرنسا (ANSES) خلاصة دراسة سيراليني التي لا تثبت بشكل علمي واضح علاقة سببية بين الكائنات المعدّلة جينياً وظهور تلك الأمراض.
ويعتبر مدير البحوث في المعهد الوطني للبحوث في المعلوماتية وهندسة التحكم في مدينة «saclay» الفرنسية مارك لافيال، ونقلاً عن صحيفة «لوموند» الفرنسية، أن قرار منع الكائنات المعدّلة جينياً هو قرار سياسي وليس في يد العلماء والباحثين، الذين، وللأسف، لا يملكون حتى اليوم معلومات واضحة وأكيدة في شأن الأثر الصحي للكائنات المعدّلة جينياً على الإنسان.
السفير