
بكتيريا تضرب مياه السدود السطحية في لبنان والعالم: تعاني بحيرات السدود أو ما يسمى خزانات السدود من مشاكل كثيرة مثل اجتياح النباتات المائية التي تتكاثر لدرجة تعطل التوربينات مولدات الطاقة. كما تعاني من ركود المياه الذي يتسبب في تحويلها ... التفاصيل
تعاني بحيرات السدود أو ما يسمى خزانات السدود من مشاكل كثيرة مثل اجتياح النباتات المائية التي تتكاثر لدرجة تعطل التوربينات مولدات الطاقة. كما تعاني من ركود المياه الذي يتسبب في تحويلها إلى مستنقعات آسنة مع تناقص مستوى تدفق مياه النهر في أيام الشح في فصل الصيف وفي فصل الخريف قبل هطول الأمطار وقبل انفجار الينابيع.
التلوث بالنفايات الصناعية
يتسبب الوجود الكثيف للمعادن الثقيلة الناتجة عن النفايات الصناعية بتدهور نوعية المياه. فالكادميوم cd والسيريوم cr (وهما الأخطر والأكثر سمية)، بالإضافة إلى النحاس cu والحديد fe والرصاص pb ... بالإضافة الى معادن أخرى، تتسبب بقتل الأسماك والأحياء المائية الأخرى مما يؤدي إلى التسمم بالمعادن الثقيلة للبشر والحيوانات وإلى تدمير النظم البيئية للبحيرة.
تتزايد كثافة هذه المعادن عند استهلاك مياه البحيرة على المستوى البشري وعلى مستوى الأسماك او على مستوى الري بها، حيث تتركز في العضلات والكبد والقلب والمعدة والأمعاء للحيوانات المائية وللبشر اذا استهلكوا الأسماك الملوثة. هذه النسب يجب أن لا تزيد عن المواصفات المعتمدة في منظمة الصحة العالمية (العام 1993) والاتحاد الأوروبي (العام 1998) ووكالة حماية البيئة (العام 2002) وتشريعات الرقابة على تلوث المياه الصادرة العام 2004.
مع تدني نسبة المياه في فصل الصيف تؤدي زيادة كثافة هذه المعادن الثقيلة إلى نفوق الأسماك وتلوث البحيرة بالمواد العضوية النتنة التي تنتقل من البحيرة إلى مجرى النهر وتنتشر على كامل المناطق الزراعية التي تروي أراضيها بمياه النهر الخارجة من بحيرة السد. يطال التسمم اذاً، كل الدورة الحياتية المحيطة ببحيرة السد ومجرى النهر بعد السد على اثر استهلاك البشر والحيوانات للكائنات المائية، خصوصاً الأسماك.
وقد تصل درجات التلوث إلى عدم إمكانية لمس المياه لاحتوائها على مواد تؤدي إلى التحسس وإلى الطفح الجلدي. وعادة ما يضطر الباحثون إلى ارتداء ملابس خاصة وقفازات عند قياس نسب التلوث في بحيرات السدود.
إفرازات السيونوبكتيريا السامة
اما الآفة الكبرى للسدود فهي في تكاثر السيونوبكتيريا السامة، اي ما يعرف علمياً بـ Cyanobacteria او «ورد النيل» او «ورد الماء» بالعربية، والتي تسمى خطأً بالطحالب الزرقاء. اذ تفرز مواد سامة تعرف بـ Cyanotoxins وهي العامل الأبرز لفقدان الحياة في مياه البحيرة وتحويلها إلى مستنقعات وتحويل مياهها إلى مياه ملوثة غير صالحة للشرب.
إن التكاثر المفرط لهذه الأنواع من السينوبكتيريا، خصوصاً السامة منها تحت ظروف معينة مثل تكاثر المواد المغذية، خصوصاً الفوسفور ومستوى الحرارة والضوء، تؤدي جميعها الى تكوّن طبقات من الكائنات الخضراء السامة على شكل ورود مائية صغيرة جداً تتكاثر بدورها الى درجة الافراط مما يؤدي الى موتها والى افرازها لمواد لسامة تنبعث من بقاياها.
تتواجد هذه البكتيريا عادةً بصورة معتدلة في البحيرات عندما يكون مستوى مياه البحيرة معتدلاً، أي في فصل الشتاء والربيع. ولكن مع تناقص مياه البحيرة وتكاثر الإفرازات السامة للبكتيريا، فإن مياهها تتحوّل إلى غير صالحة لأي نوع من الاستخدام، سواء للشرب عند الإنسان أو للحيوان. وأخيراً قد تصبح غير صالحة للري أيضاً وتتسبب في أمراض جلدية وحساسية في موسم الصيف.
يختلف مستوى السمّية ما بين بحيرات السدود باختلاف مدى التلوث الذي يصيب البحيرة من جراء تصريف نفايات الصرف الصحي وإلى تصريف النفايات الصناعية الناتجة عن المعامل التي لا تلتزم عادة بالمواصفات وبمعالجة المياه الناتجة عن صناعاتها. مع الإشارة إلى أن معالجة المياه تساهم في تخفيف مستويات السمية من ناحية وإلى التخفيف أيضاً من مستوى تكاثر البكتيريا السامة وورودها الخضراء/الزرقاء التي تتغذّى على الفوسفور والفوسفات والنترات.
إذن السبب في تكاثر هذه البكتيريا وإفرازات سمومها يعود إلى التلوث الذي تحدثه نفايات الصرف الصحي والنفايات الصناعية والأسمدة والمبيدات، وهي جميعها من صنع الإنسان، مروراً بتسمم الكائنات المائية وتكاثر المواد التي تتغذّى عليها البكتيريا السامة وصولاً إلى تحول مياه بحيرة السد (خزان السد) إلى مستنقع آسن تكثر فيه الورود المائية السامة والتي تزداد كثافتها مع تناقص مياه البحيرة وانخفاض منسوب مياه النهر.
التأثير على معامل الطاقة
إن ورود البكتيريا السامة تؤثر أيضاً على كفاءة عمل توربينات معامل إنتاج الطاقة في السد وهناك حاجة مستمرة إلى تنظيفها، وهذا ما يحدث أيضاً في السد العالي في مصر بالنسبة لانتشار طحالب ورد النيل التي تتكاثر بشكل بارز وتؤدي الى تعطيل توربينات معامل إنتاج الطاقة. مع الإشارة إلى أن البحوث جارية الآن على صعيد مصر، لتفادي تكاثرها الذي يعطل توربينات المعمل ويحتاج إلى موارد خاصة لتنظيفها بشكل دوري حتى لا تؤثر على إنتاج الكهرباء.
مياه بحيرات العالم
يرى الباحثون في بيولوجيا البيئة المائية لبحيرات السدود ومجاري الأنهار التابعة لها أن التلوث هو العامل الأهم لانتشار السينوبكتيريا السامة ولتركيز المعادن الثقيلة.
يمكن لهذه البكتيريا السامة أن تنتقل بالجو من بحيرة إلى أخرى وتفرز ما يعرف Cyanotoxins كما اسلفنا سابقاً ويؤدي إلى تلوث البحيرة. هناك حالات مماثلة لبحيرة القرعون في منطقتنا. فمثلاً تعاني بحيرة طبريا في فلسطين المحتلة التي انتقلت البكتيريا إليها عبر الجو من اجتياح السينوبكتيريا السامة ايضاً.
أما بحيرة سد افسار Avsar لحوض نهر Gediz في غرب تركيا فإنها تعاني من تلوث الكائنات المائية الناتجة عن المعادن الثقيلة.
انهار كوريا الجنوبية
أما المثل الصارخ على تلوث خزانات السدود بسموم السينوبكتيريا السامة Cyanobacteria فهو في تلوث 7 خزانات سدود أنهار Dunpo وChungja في كوريا الجنوبية، وفق الدراسة التي أجراها مجموعة من الباحثين في العام 2004 .
استنتجت الدراسة ان (Microcystis and Anabaena) هما النوعان الأكثر انتشاراً في مياه بحيرات السدود الملوثة وهي الطحالب السامة التي تسيطر على بيئة مياه خزانات السدود والتي تكسبها اللون الاخضر القاتم، وهي تؤثر بشكل واضح على مستوى تلوث مياه خزان السد في فصلي الصيف والخريف.
وتتناقص أعداد هذه البكتيريا بالقياس إلى حجم المياه مع موسمي الشتاء والربيع وتعود للتزايد مع انخفاض مستوى البحيرة. ولكن هذا لا يعني أن البكتيريا لا يمكن أن تصبح يوماً ما بنسب مقبولة، اذ ان استمرار زيادة كميات الآزوت/ النتروجين التي تعتاش عليه البكتيريا وتتكاثر منها والناتجة عن الأسمدة الآزوتية المستخدمة بصورة كثيفة في الزراعة والتي تصل إلى الأنهار والآبار الجوفية، حيث تصل نسبة النترات إلى 70 ملغ/ ليتر بالاضافة الى التلوث الصناعي.
وتقترح الدراسة للحدّ من تزايد البكتيريا، بضرورة وضع حد للتلوث العضوي والصناعي لقطع دابر البكتيريا وإفرازاتها السامة.
تغير التوازن
اكدت الدراسات ان بناء السد غيّر الدورات الحياتية البيوكيميائية لنهر ناريو في بولندا وللمنطقة ككل، وذلك بسبب تغيّر التوازن الغذائي وأماكن تواجد أنواع الأحياء المائية في مياه النهر. كما غيّر السد ايضاً مستوى الأوكسجين ومستوى الحرارة وشروط الحياة، حسب الباحثين Kohler وHong ، في الدراسة التي نشراها في العام 2000 وكذلك الدراسة التي نشرها في العام 2006 كل من Jekatieryczuk- Rutkzyk and Gormiak والتي أظهرت أن لركود المياه لوقت أطول في البحيرة يسبب زيادة في عملية البيوماس phytoplankton biomass والتي يمكن ملاحظة عواقبها ونتائجها في مسافات طويلة بعد السد. وقد رصدت هذه الدراسات حوادث عدة تسمم على مستوى الإنسان والحيوان بسبب تواجد سموم السينوبكتيريا السامة في مياه السد.
وتستنتج الدراسة أن قيمة البيوماس (التحلل البيولوجي للكائنات والعوالق phytoplankton)، تنحو إلى النقصان كلما ابتعدنا عن خزان السد، وان الأنواع الغالبة من العوالق المائية هي السينوبكتيريا والتي تشكل 95% وتؤدي الى التحلل البيولوجي البيوماس للعوالق المائية. وهذه النسبة تتناقص أيضاً مع ابتعادنا عن السد لتصبح بمعدل 70 إلى 90%.
ان الدور الذي لعبه السد في ايكولوجيا المنطقة والنهر كان في إعادة تشكيل هيكلية العوالق كما أكد syelag- wasilewska في الدراسة التي أجراها في العام 2009 وكذلك الدراسة التي أجراها Sabater في العام 2002. واعتماداً على دراسة and Hong Kohler فإن الأنهار وبحيرات السدود الملوثة وذات النسب المنخفضة لمستوى المياه، هي الأكثر إيواءً لهذه البكتيريا السامة.
وتجدر الإشارة إلى انه ليس كل السينوبكتيريا تفرز مواد سامة تقتل الأحياء المائية في مياه السد، ولكن نوعي Microcystis and Anabaena هي الأكثر تلويثاً للمياه في خزانات السدود، بسبب إفرازاتها السامة عند تكاثرها وموتها والتي تقضي على الأحياء المائية والأسماك وتؤثر على الدورة الحياتية عبر عملية التشبع للمياه Eutrophication... والذي يؤدي الى نقصان مستوى الأوكسجين من مياه البحيرة.
وخلصت الدراسة إلى ان العوامل الفيزيائية، كركود المياه في أنظمة التصريف وبقاء أنواع العوالق المائية planktonic species لوقت طويل ومدى توافر الضوء وكثافة المياه وتعكرها، وتوافر المواد المغذية... كلها عوامل تؤثر في خلق ظروف مماثلة بين خزانات السدود ومياه الأنهار ذات التدفق البطيء في العالم. وهذه الظروف جميعها تساعد على زيادة كمية العوالق المائية phytoplankton. وأن إنقاص التحلل الحيوي البيوماس biommas يمكن ان يحصل إذا تمت تنقية مياه بحيرة السد.
السفير