التلوث وضعف الأنهر والاعتداء على الشاطئ... تضرب الثروة السمكية

التلوث وضعف الأنهر والاعتداء على الشاطئ... تضرب الثروة السمكية
التلوث وضعف الأنهر والاعتداء على الشاطئ... تضرب الثروة السمكية: بيّنت دراسة حديثة هي الاولى من نوعها عن العوالق الحيوانية البحرية في مياهنا اللبنانية التي تتغذى منها الثروة السمكية، ان هذه العوالق في حالة تراجع وفقر، بسبب عوامل كثيرة، في طليعتها زيادة ملوحة ال

بيّنت دراسة حديثة هي الاولى من نوعها عن العوالق الحيوانية البحرية في مياهنا اللبنانية التي تتغذى منها الثروة السمكية، ان هذه العوالق في حالة تراجع وفقر، بسبب عوامل كثيرة، في طليعتها زيادة ملوحة البحر المتوسط بسبب شح الأنهر التي تصب فيه وارتفاع المعدل السنوي لحرارة المياه وزيادة التلوث الذي يضربه، لاسيما من مصادر برية ... وقد ساهم ذلك وسيساهم في تدني الثروة السمكيةوالبحرية بشكل كبير.
يفترض ان يتم وضع هذه الدراسة بسرعة امام من يعتبر ان المياه التي تذهب من الجبال "هدراً"! والى من يفكر في انشاء السدود السطحية للمياه التي يفترض ان تصل الى البحر، وأمام من يفكر في التنقيب عن النفط والغاز في مياهنا الاقليمية. كما يفترض ان تستكمل هذه الدراسة بمسح شامل لكل الكائنات البحرية ورصد كل النظام الايكولوجي البحري والنهري، قبل المباشرة بأية سياسات جديدة وقبل البدء بتلزيم مشاريع قد تزيد من الكارثة التي بدأت معالمها بالظهور.
الدراسة صدرت حديثاً باللغة الفرنسية عن" منشورات الجامعة اللبنانية" للبروفسور الباحث في علوم البحار الدكتور سامي اللقيس تحت عنوان: "العوالق الحيوانية في المياه البحرية اللبنانية والحوض الشرقي للبحر المتوسط ". وهي تقع في 550 صفحة وفيها العديد من الرسوم البيانية والصور. هي الدراسة العلمية الثانية للباحث بعد كتابه عن "العوالق النباتية" الذي صدر عن دار نشر إيطالية، وهو الأول من نوعه في لبنان وفي منطقة الحوض الشرقي للبحر المتوسط.
تتضمن الدراسة الجديدة بعض نتائج الأبحاث التي أنجزها خلال الـ 40 سنة الماضية ومنها عن التنوع الحيوي والغزارة لمجموعات العوالق الحيوانية Zooplancton والسمكية Ichtyoplancton التي تستوطن المياه البحرية اللبنانية الضحلة والعميقة وتوزيعها في الحوض الشرقي للبحر المتوسط وتأثير العوامل الايكولوجية من حرارة المياه والملوحة ونسبة الأملاح المغذية المنحلة في مياه البحر.


أهمية العوالق ودورها
لمعرفة اهمية العوالق النباتية والحيوانية، تجب معرفة دورها في السلسلة الغذائية والنظام الايكولوجي البحري.
العوالق (بلانكتون) Plankton ، كما يشرح اللقيس، هي الكائنات الحية النباتية والحيوانية التي تعيش سواء في المياه البحرية أو في المياه العذبة في البحيرات والأنهر والمستنقعات حيث تطفو في المياه أو تسبح مع التيارات في طبقات الماء السطحية والعميقة.
تنتشر العوالق في جميع البحار والمحيطات من المياه الشاطئية حتى أعالي البحار ومن سطح الماء حتى طبقات المياه العميقة.
تنقسم هذه العوالق (البلانكتون) الى قسمين: عوالق نباتية وعوالق حيوانية. العوالق النباتية Phytolankton هي خلايا مجهرية من فصيلة الطحالب تحتوي على الكلوروفيل الخضراء وحبيبات ملونة أخرى تساهم في عملية التركيب الضوئي على غرار النباتات الخضراء على اليابسة بحيث تمتص ثاني أوكسيد الكربون المنحل في الماء لتثبّت الكربون وتحوله الى كربوهيدرات وتطلق الأوكسيجين. هذه العملية الكيميائية الطبيعية هي أساس الحياة، بحيث أنها تؤمن الغذاء الذاتي لها وتكاثرها ومن ثم للأحياء البحرية الأخرى وتطلق الأوكسيجين في الماء والهواء. ونظراً لكثافة العوالق النباتية الهائلة في البحار (بمعدل مليون خلية في كل ليتر من الماء) فإن 75% من الأوكسيجين المنحل في الماء أو المنتشر في الهواء مصدره العوالق النباتية التي هي المنتجة الأولى للغذاء والأوكسيجين.

400 نوع من الطحالب
تتألف العوالق النباتية من مجموعات عدة حسب أشكالها ووظائفها الإيكولوجية وتوزيعها في البحار. أهمها اثنتان السوطيات والمشطورات التي تشكل 90% من مجموع أنواع العوالق النباتية. وقد رصد الباحث اللقيس ودرس في المياه اللبنانية حوالي 400 نوع من هذه الطحالب المجهرية منها 250 نوعاً من السوطيات و150 من المشطورات. 20% من عدد أنواع العوالق النباتية المستوطنة في المياه اللبنانية والحوض الشرقي للبحر المتوسط مهاجرة من البحر الأحمر والمحيط الهندي، وقد استوطنت في مياهنا وأنشأت مجموعات دائمة مما يؤثر سلباً (أو ايجاباً) على التنوع الحيوي للعوالق النباتية. وبالرغم من أن عدد أنواع المشطورات أقل من أنواع المشطورات، إلاّ أن كثافتها أكبر ونسبة إنتاجيتها تشكل 75% من انتاجية مجموع العوالق النباتية وذلك بسبب كمية اليخضور في خلاياها أكثر مما هو في خلايا الأنواع السوطية وبالتالي فإن نشاط التركيب الضوئي أقوى. إذا كانت العوالق النباتية (الطحالب المجهرية) تؤمّن الإنتاجية الأولية في البحار الى جانب الطحالب البحرية الأخرى، فإن العوالق الحيوانية هي أساس الإنتاجية الثانوية للغذاء في البحار من خلال السلسلة الغذائية ومن ثمّ الشبكات الغذائية بين مختلف الأنواع والمنظومات الإيكولوجية.


دورها في السلسلة الغذائية
العوالق الحيوانية (موضوع الدراسة الجديدة) هي مجموعات من الحيوانات الصغيرة والكبيرة التي تطفو في طبقات المياه السطحية وتتوزع حتى الأعماق الكبيرة. وتتقاذف هذه العوالق التيارات البحرية حسب اتجاهاتها ولا يمكنها أن تقاوم قوة التيار. تتألف العوالق الحيوانية من ألوف الأنواع ضمن مئات الرتب والفصائل والعائلات المختلفة بدءاً من وحيدات الخلايا وحتى يرقات بيوض الأسماك مروراً بالقشريات والرخويات وشوكيات الجلد والديدان وغيرها من بيوض ويرقات الحيوانات القاعية والبيلاجيك.
تعتبر هذه العوالق الحيوانية، بحسب اللقيس، المنتجة الثانوية للغذاء في البحر، بحيث أنها تتكاثر وتشكل المصدر الغذائي الأساسي للحيوانات الكبيرة لا سيما الأسماك والقشريات والرخويات. تتغذى العوالق الحيوانية بدورها على العوالق النباتية التي تؤمن غذاءها الذاتي Autotrophic بينما تتلقى العوالق الحيوانية غذاءها من المحيط Heterotrophic وتشكل الحلقة الثانية من السلسلة الغذائية. لهذه العوالق أهمية قصوى في الشبكة الغذائية التي تشكل الأسماك والحيتان فيها الحلقة الأخيرة. فبمقدار ما تكون العوالق الحيوانية متنوّعة وغزيرة تكون الثروة السمكية مهمة وغنية.

1200 نوع في مياهنا
تتألف العوالق الحيوانية من ألوف الأنواع وقد رصد الباحث أكثر من 1200 نوع من العوالق الحيوانية، منها مئات الأنواع من بيوض ويرقات الأسماك وأنواع كثيرة من يرقات حيوانات قاعية كالديدان والرخويات والقشريات ويرقات حيوانات بيلاجيك قشريات ورخويات وهلاميات وغيرها... الخ.
25% من هذه الأنواع مهاجرة من البحر الأحمر والمحيط الهندي عن طريق قناة السويس. بعض هذه الأنواع المهاجرة تكيّفت في مياه الحوض الشرقي للبحر المتوسط حيث الحرارة والملوحة قريبة من تلك التي في البحر الأحمر، ثم تكاثرت وأنشأت مجموعات دائمة أثرت إيجاباً على الأنواع المستوطنة التي زاد تنوّعها الحيوي... وسلباً بحيث تنافسها على الغذاء والمساحات الحيوية وقد تقضي عليها وتحتل موائلها.


العوالق كؤشر
للعوالق الحيوانية أهمية أساسية في تحديد الثروة السمكية وتشكل إشارة لمستوى المصائد السمكية. فثمة علاقة مباشرة بين معدل كميات العوالق وتكاثرها ونسبة إنتاج الثروة السمكية. فإذا كانت الثروة السمكية غنية بالكميات والأنواع يدل ذلك على أن مجموعات البلاكمتون الذي يغذي الأحياء البحرية لا سيما أسماك البلاجيك متنوّعة وذات كثافة (بيوماس) عالية. اما إذا كان البلانكتون فقيراً في أي منطقة بحرية، فإن ذلك يدل على ضعف الثروة السمكية وبالتالي تدنٍّ في معدل المصائد السمكية.
واذ يعرف الباحثون والصيادون أن الثروة السمكية في المياه اللبنانية باتت فقيرة، فيمكنهم من الآن وصاعداً ان يعرفوا أن كميات العوالق البحرية متدنية ايضاً. فبقدر ما تدل ضعف الثروة السمكية على ضعف العوالق، بقدر ما العكس صحيح ايضا. هذه النتيجة وصل اليها الباحث بعدما قام بدراسات متعددة على كثافة كميات العوالق وتنوعها في مياهنا البحرية وعلى مدى 40 سنة من الأبحاث. وقد تبين له أن السبب الاساسي لافتقار الثروة السمكية وتدني انتاج الصيد البحري مقارنة مع مناطق أخرى في البحر المتوسط، ان السبب الاساسي هو في الإنتاجية الأولية للعوالق النباتية ومن ثم افتقار الإنتاجية الثانوية للعوالق الحيوانية.

العوامل المؤثرة
ولكن السؤال الأساسي الذي يسأله الباحث ويجيب عليه: ما هي العوامل الايكولوجية والمناخية والهيدرولوجية التي تساهم في افقار العوالق وفي تدني الثروة السمكية في مياهنا؟
يحدد الباحث 7 عوامل رئيسية مؤثرة:
- ارتفاع المعدل السنوي لحرارة المياه البحرية وهي الأعلى في كامل البحر المتوسط.
- ارتفاع معدل نسبة الملوحة التي تصل الى 40 %، أي 40 غرام في كل ليتر من الماء.
- تدني نسبة الأملاح المغذية المنحلة في الماء ( فوسفات، نيترات، سيليكات وغيرها) وهي عناصر كيميائية أساسية للعوالق النباتية في الإنتاجية الأولية. والسبب في افتقار مياهنا لهذه العناصر هو قلة الأنهر وضعف تدفق المياه العذبة المحملة بالمغذيات الكيميائية التي تصل الى البحر.
- مياه الحوض الشرقي للبحر المتوسط منعزلة وغير متصلة مباشرة بالمحيطات التي تؤمن المغذيات الكيميائية بواسطة التيارات البحرية السطحية والعميقة وتنقلها الى البحار الداخلية.
- الصيد البحري الجائر وغير المنظم؛ اذ يشدد الباحث على ضرورة تنظيم إدارة الصيد البحري وتحسينه من خلال وضع قوانين وأنظمة لممارسة مهنة الصيد البحري وتطبيقها واحترام هذه الأنظمة بحيث تكون هناك مراقبة صارمة لمنع الصيد الجائر الذي يقضي على الأسماك الصغيرة ويمنع نموها وتكاثرها.
- كما يساهم التلوّث العضوي والصناعي والكيميائي والنفطي الذي يصل الى الشواطئ والمياه البحرية من دون معالجة أو مراقبة في القضاء على كثير من الأنواع والمجموعات الإحيائية.
- تدهور الشواطئ الصخرية والرملية التي تشكل موائل لوضع البيوض للأسماك والأحياء الأخرى وبسبب عدم وجود تنظيم مدني عقلاني وبسبب اعمال الردم وانتشار الأبنية والمنتجعات العشوائية... ما يجعل الأسماك والأحياء البحرية تفقد موائلها وتذهب الى مناطق أخرى لتأمين موائل للتكاثر والنمو في مناطق بعيدة.

السفير