
من يحمي أحراج المتن الأعلى من نفايات المتنزهين؟: مع نهاية كل صيف، يتبدى مشهد نافر يتصدر أحراج الصنوبر والمواقع الطبيعية في عاليه والمتن الاعلى، وسط أكوام النفايات المكدَّسة والمنثورة في كل مكان، هي بعض مخلّفات المتنزهين ومن يقصدون الجبال طلبا لنسمة باردة وطمعا
مع نهاية كل صيف، يتبدى مشهد نافر يتصدر أحراج الصنوبر والمواقع الطبيعية في عاليه والمتن الاعلى، وسط أكوام النفايات المكدَّسة والمنثورة في كل مكان، هي بعض مخلّفات المتنزهين ومن يقصدون الجبال طلبا لنسمة باردة وطمعا بفيء شجرة بعيدا من ضوضاء المدينة، وتبقى الاحراج ملاذ من ليس في مقدورهم ارتياد المجمعات السياحية الباذخة، إلا أن النسبة الكبيرة من المتنزهين لا يقيمون اعتبارا للنظافة، وهذه مشكلة سلوكية مرتبطة بثقافة مفقودة حيال البيئة الطبيعية وضرورة الحفاظ عليها.
وما يفاقم المشكلة القائمة بنتائجها الكارثية على مستوى تلوّث مياه الينابيع الجوفية والهواء والتربة، أنها بعيدة عن سبل مواجهتها من قبل المجالس البلدية ومن أصحاب الاحراج، فضلا عن أن النفايات يتمثل خطرها أيضا في أنها تتحول وقودا لحرائق تأتي على ما تبقى من ثروة حرجية، خصوصا مع وجود أعداد كبيرة من عبوات البلاستيك السريع الاشتعال، إضافة إلى الزجاج الذي يعتبر عاملا مساعدا في اشتعال الحرائق مع اشتداد حرارة الشمس وانعكاسها من خلال العبوات الزجاجية على مخلفات الغابة الجافة من أغصان وبقايا نبات ما يؤدي الى اشتعالها تلقائيا.
ولم تجدِ لافتات التنبيه التي وضعتها المجالس البلدية وتحذر فيها من رمي النفايات ودائما «تحت طائلة المسؤولية»، ومثل هذا التدبير لجأت إليه كافة البلديات في عاليه والمتن الاعلى، لا سيما وأن هذه المجالس لا يمكن أن توظف المزيد من عناصر الشرطة والحرس لمراقبة الاحراج، فضلا عن أن ثمة من يؤثرون ارتياد الاحراج ليلا فيشعلون النيران ويتحلقون حولها.
مشكلة التطبيق
رئيس «جمعية طبيعة بلا حدود» المهندس محمود الأحمدية أشار إلى «اننا اعتمدنا خطة عمل للوقاية من الحرائق وأعددنا منشورات قام متطوعو وناشطو الجمعية بتوزيعها على المواطنين، كما طالبنا البلديات بتنظيف الأحراج والغابات حفاظاً على ثروتنا الحرجية التي لم تعد مساحتها تتعدى 4 أو 6 بالمئة، ودعونا منظمي المخيمات الصيفية إلى عدم ترك النفايات في الأحراج بعد الانتهاء من التخييم».
واستطرد الاحمدية أن «المشكلة ليست في القوانين وانما في تطبيقها»، واعتبر أن ثمة «خطوتين لا بد من اتخاذهما في هذا المجال، الاولى تتمثل في تشديد الرقابة وتسطير محاضر ضبط بحق المخالفين، وهذا يتطلب زيادة عدد مأموري الاحراج واعطائهم صلاحيات لمعاقبة المخالفين وعدم تغطيتهم من قبل اي جهة سياسية، ليتكامل دور هؤلاء مع سائر القوى الامنية إضافة الى المجالس البلدية المعنية»، وأشار إلى أن «الخطوة الثانية تفترض تنظيم رحلات طلابية في الصيف لتنظيف وتقشيش الاحراج بهدف زيادة الوعي البيئي وتنمية مفهوم العمل التطوعي دون إغفال التوعية والارشاد عبر خطة وطنية إعلامية تبين حجم الاضرار والمخاطر الناجمة عن رمي النفايات وتؤكد جدية الجهات المعنية في قمع المخالفات».
الاحراج ورياضة المشي
كان لبلدية مدينة عاليه مؤخرا خطوات تمثلت في تأمين رقابة يومية دائمة على الاحراج، وتحديد وجهة استخدامها من قبل المشاة والرياضيين. يتولى عناصر الشرطة البلدية تطبيق قرار واضح في هذا المجال وهو أن لا مجال لاستخدام الاحراج بعد الآن كمنتزهات عامة، وأكد رئيس البلدية وجدي مراد لـ«السفير» أن «ما قمنا به في هذا المجال وما اتخذنا من إجراءات يأتي ضمن مشروع بيئي انطلق كمرحلة أولى في أحراج منطقة (الكتانة) وأنجزنا في هذه المنطقة حديقة عامة بالتنسيق مع أصحاب العقارين وموافقتهما وسنعيد اليهما الأرض عندما يطلبونها من البلدية».
وقال: «هذه المنطقة مع الأراضي الحرجية المجاورة تحددت وجهة استخدامها، ونعتبر أن تجربتنا نجحت بعد أن قمنا بتخصيصها فقط للمشاة والرياضيين، ولن تكون هناك بعد الآن جلسات تحت الاشجار ولا «اراغيل» ولا نفايات».
وشكر مراد «عناصر الشرطة البلدية الذين يعملون ليل نهار للحفاظ على هذه المنطقة»، لافتا إلى»اننا نتكلف ستة ملايين ليرة في الشهر الواحد لعناصر الشرطة ومهمتهم مراقبة المنطقة والتشدد في منع استخدامها إلا في مجال ممارسة رياضة المشي، ولن تكون هناك نفايات بعد الآن، وسنضع لافتات لارشاد المواطنين الى ان هذه المنطقة مخصصة للمشاة والرياضيين».
وأضاف: «كنا في السابق نسخّر أجهزة البلدية لإزالة النفايات ومخلّفات المتنزهين فضلا عن دور الجمعيات الأهلية في تنظيم حملات نظافة عامة، ولم تجد كل القرارات التي اتخذناها نفعا فالمشكلة استمرت أكثر من عشر سنوات»، لافتاً إلى أن «هذا القرار هو في النهاية لمصلحة زوار ورواد مدينة عاليه وابنائها وسكانها لينعموا بفسحة جمال بعيدا من مظاهر العبث وتشويه معالم عاليه الطبيعية»، وأكد أن «مشروع (الكتانة) هو خطوة سنستتبعها لتطال كافة أحراج عاليه التي هي بمثابة رئة للمدينة ومنطقتها».
لكن يبقى ثمة سؤال، هل ستتمكن المجالس البلدية في قضاء عاليه والمتن الأعلى أن تحذو حذو بلدية عاليه؟ بالتأكيد لن تكون هذه البلديات بإيراداتها المتواضعة قادرة على مواجهة المشكلة وفق آليات تضع حدا للعبث بالثروة الطبيعية، ما يعني أن المشكلة ستظل قائمة مع فارق بسيط، وهو أن عاليه قدمت نموذجا قابلا للتعميم اذا ما توافر الدعم المطلوب من الوزارات والجهات المعنية