
كيف نتأكد من نوعية المياه؟: إذا كانت مشكلة ندرة المياه في لبنان ناجمة من سؤ التوزيع، فإن نوعيتها ناجمة من سؤ المراقبة. في الحالتين، هناك سوء لإدارة المياه العذبة (غير المالحة) في لبنان. وإذا كانت مشكلة سوء التوزيع يمكن أن تٌحَلّ إذا تحسنت الإدارة، لا نعرف كيف
إذا كانت مشكلة ندرة المياه في لبنان ناجمة من سؤ التوزيع، فإن نوعيتها ناجمة من سؤ المراقبة. في الحالتين، هناك سوء لإدارة المياه العذبة (غير المالحة) في لبنان. وإذا كانت مشكلة سوء التوزيع يمكن أن تٌحَلّ إذا تحسنت الإدارة، لا نعرف كيف يمكن أن تُحَلّ مشكلة النوعية في بلد مثل لبنان أهمل كثيرا قضايا البيئة، حتى ضرب التلوث التربة والمياه الجوفية بشكل خطير جدا، ربما لا عودة عنه.
عندما ضرب الشك بمياه «المصالح» و«مياه الحنفية»، اعتقد البعض بفكرة الخلاص الفردي ولجأ الى المياه المعبَّأة. ولكن من يتابع مصادر وخلفيات وأبعاد التلوث في لبنان وآليات مراقبة المياه المعبَّأة، عليه أن يقلق كثيرا.
لا داع لأن تتحمس جمعية لأخذ عيِّنات وإظهار مدى تلوث عبوات أخذت بشكل عشوائي من هنا او هناك. لا داع ايضا لأن تقوم وسيلة إعلامية بالعملية نفسها أو أن تنشر نتائج فحوصات لعيِّنات. لا أحد يستطيع أن يؤكد سلامة أية «ماركة» من المياه المعبَّأة (المرخَّصة وغير المرخَّصة) على مدار السنة. لا أحد، غير مؤسسات الدولة المسؤولة. لا مبالغات في القول «على مدار السنة»، فموضوع سلامة مياه الشرب يحتاج الى ذلك فعلا، وآلية المراقبة التي أقرت في المراسيم التنظيمية تتطلب ذلك أيضا. فعيِّنة واحدة لا تؤشر بشيء، لا سلبا ولا إيجابا، كالسنونوة الواحدة التي لا تأتي بالربيع. المهم الآلية التي تتطلب أخذ أكثر من عيِّنة من نفس «الماركة» في أكثر من مكان (المنبع والمعمل والسوق) في اليوم الواحد ومراقبتها... وعلى مدار السنة، لاسيما مع تغير الفصول والمواسم. ولا بأس بأن يقوم بهذا الدور أكثر من جهاز في الدولة وأكثر من وزارة (لاسيما الصحة والاقتصاد والبيئة والطاقة والمياه)، بالإضافة إلى مختبرات الجامعات، لكي لا تتم عمليات التواطؤ المعروفة جيدا في بلد مثل لبنان.
لكي نعرف أي مياه نشرب، يجب أن نسأل أولا عن أي مياه نسأل. هل هي تلك المياه الصالحة للشرب؟ مياه الطاولة؟ مياه للاستخدام؟ مياه معدنية؟ طبيعية؟ نقية؟ مكررة؟ معالجة...؟
فالمياه مادة غذائية تحتوي على الكثير من المعادن الضرورية لجسم الإنسان وصحته. فعندما تضع الشركات على عبواتها ملصقات تدعي فيها انها تبيعنا مياه طبيعية معدنية بنسب معينة، عليها ان تلتزم بذلك حسب المعايير العالمية او الوطنية (مواصفات مؤسسة المواصفات والمقاييس «ليبنور» في لبنان). فالمياه الطبيعية المعدنية يجب ان تكون معبَّأة مباشرة من النبع من دون أية معالجة ولا إضافات. المياه الطبيعية يمكن، او يجب ان تتغير طبيعتها اذا تعرضت لأشعة الشمس او للحرارة ما فوق 22 درجة أثناء التخزين، فتتفاعل فيها الميكرو اورغانيزمات وتظهر فيها ما يسمى «نباتات مجهرية»، وهذا يدل على سلامة المياه في الأصل التي قد تكون افضل من مياه تبقى لفترة سنتين من دون ان يصيبها شيء، مما يدل انها مياه غير طبيعية في الأصل وقد تم معالجتها قبل تعبئتها، وخسرت الكثير من خصائصها لاسيما المعادن الضرورية للإنسان وصحته.
نحن نعلم اليوم ان هناك طرق عدة لمعالجة مياه الشرب، وأن هناك بعض الشركات تجمع أكثر من طريقة، لن ندخل فيها. ولكن على الشركة ان تعلن في ملصقاتها على العبوات، وعلى المستهلك ان يعلم، وعلى الإدارات المعنية ان تتأكد من ما هو معلن، ومدى المطابقة للمواصفات.
عندما نرسل العيِّنات الى مختبر، يجب ان نعرف عن اي شيء نبحث أولا. هل نريد ان نعرف نسب المعادن الموجودة؟ ام الخصائص الفيزيائية والميكروبيولوجية والكيميائية؟
ان كلفة القيام بالفحوصات الضرورية لأي عيِّنة من المياه لا تقل عن مئة دولار أميركي للعيِّنة، وهي تزداد كلما حاولنا ان نتعمق أكثر في البحث عن مواد غريبة او خطرة أخرى. وهذا يعني ان لا احد، من القطاع الأهلي او الخاص، يستطيع ان يقدم الشهادات على المدى البعيد بسلامة المياه. وحدها الدولة بأجهزتها ومختبراتها المختصة، وحسب المراسيم التنظيمية، تستطيع ان تقدم الشهادات، ويجب أن تقوم بذلك. من دون أن تنسى، الدولة، ان مهمتها الرئيسية، هي حماية المصادر وتأمين المياه الطبيعية للجميع، كون المياه حق من حقوق الإنسان، تماما كالهواء النقي والنظيف أيضا، كونهما من مقومات الحياة.
في ظل غياب الدولة وضعف او تواطؤ أجهزة الرقابة، إن أفضل طريقة للتأكد من سلامة مياه الشرب ومدى «طبيعيتها»، هو معرفة المصدر، ومدى حمايته بشكل عام. فإذا كان المصدر (كحوض جوفي او نبع من حوض جوفي)، محمي من السكن والمشاريع الصناعية والسياحية والرعي والنشاطات الزراعية... فإن في ذلك دلالة مبدئية (كي لا نقول ضمانة) بالسلامة وبكون المياه طبيعية ومعدنية. أما المياه المعالجة «الصالحة للشرب»، فقضيتها أسهل ولا تحتاج الى جهد كبير للتأكد من خلوها من الملوثات والمغذيات معا.