بحوث ثورية في فهم «الجينوم» ومواجهة الأمراض, العوامل البيئيّة تؤثّر على الجينات... وتغيّر في تعبيراتها

بحوث ثورية في فهم «الجينوم» ومواجهة الأمراض, العوامل البيئيّة تؤثّر على الجينات... وتغيّر في تعبيراتها
بحوث ثورية في فهم «الجينوم» ومواجهة الأمراض, العوامل البيئيّة تؤثّر على الجينات... وتغيّر في تعبيراتها: يعتقد الكثيرون أن الجينات موروث ثابت لا يتغيّر مع مرور الزمن، غير أن البحوث الحديثة تثبت أن الموروث الجيني يتأثّر بالعوامل الخارجيّة والبيئيّة من ملوّثات في

يعتقد الكثيرون أن الجينات موروث ثابت لا يتغيّر مع مرور الزمن، غير أن البحوث الحديثة تثبت أن الموروث الجيني يتأثّر بالعوامل الخارجيّة والبيئيّة من ملوّثات في الهواء، أو الإصابة ببعض الجراثيم، أو تناول بعض الأدوية أو غيرها. أحدثت تلك البحوث ثورة في علم «الجينوم» إذ أنها تعيد النظر في المفاهيم الأساسيّة في شأن الموروثات الجينيّة وتساعد في فهم الأمراض وآلياتها وسبل مواجهتها، وتحدّد العناصر الخارجية التي تضر بالإنسان والتي من الممكن تجنّبها وتفاديها.تؤكّد تلك البحوث أن المادة الوراثية الـ«دي إن إي» ليست وحدها ما يحتم مصير الإنسان ومستقبله، بل تتفاعل مع البيئة التي يعيش فيها الفرد. ومنذ العام 1942 حتى اليوم، يبحث العلماء في أثر العوامل الخارجية على تعبير الجينات في جسم الإنسان والكائنات الأخرى، فمن المعروف أن الجينوم يحتوي على المعلومات الوراثية التي تحدّد خصائص الكائن البيولوجية ويندرج التعبير الجيني ضمن آليات ترجمة تلك المعلومات الوراثية إلى وظائف وبنى خلويّة وفيزيولوجية.
آخر البحوث التي نشرت مؤخرا، دلّت على ان التعرض لمادة الأوزون يؤثر في التعبير الجيني ما يغيّر في تركيبة بعض البروتينات التي تحمي رئة الإنسان.
فما هو هذا العلم الذي يدرس الموضوع، وما هي البحوث المتعلقة به؟ وكيف بدأت وتطورت في مختلف أنحاء العالم؟ وكيف تخدم دراسات وبحوث علم البيئة الأبحاث المتعلقة بعلم الجينات ومكافحة الأمراض؟
يدرس علم «epigenetics» المتغيّرات الكيميائية للمعلومة الوراثية المرتبطة بآليات خارجية مثل ملوّثات الغذاء والهواء، الأدوية، الجراثيم، الضغط النفسي، الضوء ودرجة حرارة الطقس وغيرها.
في العام 1942، حدّد البروفسور في علم الوراثة في جامعة «أبردين» البريطانية كونراد وادغتن مفهوم علم «epigenetics» للمرة الأولى مقدّما بذلك أجوبة على تساؤلات عدة: كيف تتمايز خلايا الجسم بين خلايا دم، وخلايا عصبية وغيرها... بالرغم من أنها تحتوي على الجينوم ذاته، وكيف يختلف التوائم المتشابهة وهما يملكان الجينوم ذاته في مسار الحياة وفي تعرّضهم للأمراض؟

التغيرات الكيميائية
يجيب علم «epigenetics»، وفق الأستاذة في العلوم الوراثية في الجامعة اللبنانية الدكتورة رنا بزّي، على تلك التساؤلات إذ تؤثّر التغيرات الكيميائية على التعبير الجيني وعلى الوظائف الحيوية للخليّة مثل انقسامها، أو انتاج البروتينات أو موت الخليّة.
توضّح بزّي أن التغيرات الكيميائية للمعلومة الوراثية تحدث بطريقة طبيعية في الخليّة منذ تكوّن الجنين وطيلة حياة الفرد. يضبط الجسم تلك التغيّرات ويسيطر عليها، غير أن بعض العوامل الخارجية مثل التعرّض لبعض السموم البيئية، أو الأدوية يجعل الجسم غير قادر على السيطرة على تلك الطفرات ما يؤدي إلى ظهور الأمراض أو موت الخلايا.
لا تحدث تلك التغيّرات، وفق بزّي، خللا في المادة الوراثية أو الـ«دي إن إي» بل تطرأ على عملية التعبير الجيني أو عملية ترجمة المادة الوراثية إلى بنى ووظائف خلويّة.
تشمل تلك التغيّرات، على سبيل المثال، عملية المثيلوم أو « DNA methylation»
(إضافة مادة المثيل على قاعدة السيتوزين المكوّنة لمادة الـ«دي إن إي»)، وموضع بروتينات الهستون ( مجموعة من البروتينات موجودة في الصبغيات ولها دور في وظيفة الجينات). ومن الممكن أن تتوارث تلك التغيّرات إذا طرأت في الخلايا العروسيّة « germ cell» التي تدخل في عملية تكاثر الكائنات الحية. تحدث بعض العوامل الخارجية مثل: الأشعة السينيّة، التعرض إلى بعض الجراثيم وغيرها، تغيّرات كيميائيّة تؤثّر على تعبير الجينات وعلى ترجمة المعلومات الوراثية ما يساهم في ظهور بعض الأمراض، و اضطرابات النمو وشيخوخة الخلايا.

تأثير الغذاء
يعود البحث الرائد في علم «epigentics» إلى القرن التاسع عشر، إذ قام الدكتور السويدي لارس أولوف بيغرين بدراسة أثر المجاعة التي عاشها الأجداد على الأبناء. لاحظ بيغرين أن الآثار التي يحدثها النظام الغذائي تتوارث عبر الأجيال مما يجعل الأحفاد متأثّرين بالمجاعة التي عاشها أجدادهم.
وفي العام 2002، وجد باحثون من السويد أن النظام الغذائي يحدث خللا في الموروث الجيني. ينتقل الخلل عبر الأجيال ويساهم في ظهور الأمراض. تظهر البحوث أنه في حال عاش الأب نقصا في المواد الغذائيّة قبل سنّ البلوغ، فإن أولاده هم أقلّ عرضة للموت الناجم عن أمراض القلب.
تشرح بزّي أن بعض المواد الغذائية تحتوي على جذور حرّة تزيد من عملية أكسدة الخليّة وتؤثّر على بعض الأنزيمات الموجودة في الخلية ما يؤّثر على التعبير الجيني ويغيّره.
يتسبّب نظام غذاء فقير بمواد حامض الفوليك والسيلينيوم والميثيونين عند الحوامل، وفق بحوث عدة في الأعوام 1999 و2004 و2005، بتغيّرات كيميائيّة للمعلومة الوراثية عند الجنين التي من الممكن أن تدوم بعد الولادة وفي الكبر.
كما تؤثّر بعض الجراثيم، وفق بزّي، في الجينوم البشري إذ تنقل بعض الفيروسات أو البكتيريا جيناتها في جينات الكائن المصاب بها. تؤدّي تلك العمليّة إلى خلل جيني في حال فشلت خلايا الجسم في مواجهة الخلل.

الضغط النفسي والسرطان
كما يُتَرجم الضغط النفسي الذي يتعرّض له الفرد إلى إجهاد خلوي (cellular stress) الذي يزيد معدّل بروتين «P53» واحتمال حدوث طفرات جينيّة و سرعة شيخوخة الخلايا أو موتها.
تضيف بزّي، أن التقدّم في العمر يزيد من نسب ظهور الطفرات الجينيّة، ومن زيادة وتيرة عملية المثيلوم في بعض الجينات أو خفضها ما يؤدّي إلى حدوث تغيّرات كيميائيّة للمعلومة الوراثيّة تساهم في ظهور الأمراض مثل السرطان.
تؤثّر بعض العوامل الخارجيّة في عملية المثيلوم في الجينات فتظهر تغيّرات في تعبير الجينات ووظيفتها وتزيد بالتالي نسبة ظهور الأورام السرطانيّة وفقدان القدرة على ضبط وتيرة انقسام الخلايا. ويشكّل داء السرطان المرض الأول الذي تم ربطه بعلم «epigenetics» منذ العام 1983، إذ وجد الباحثون أن عملية المثيلوم في الجينات عند المصابين بسرطان القولون والمستقيم هي أقلّ وتيرة من عند الأشخاص المعافين.
وتساهم تلك الاكتشافات في تطوير علاجات مستهدفة ضد السرطان.

تلوث الهواء
كشف باحثون، وفق دراسة نشرت في العام 2009 في مجلة « critical reviews in oral biology and medicine»، عن تأثير التدخين على عملية المثيلوم في الجينات وبالتالي ظهور بعض الأمراض. ولاحظ المشرفون على الدراسة أن التعرض لبعض المعادن، والهيدروكربونات الأروماتيّة « aromatic hydrocarbons» والمياه الملوّثة يزيد من نسب حدوث التغيّرات الكيميائية للمعلومة الوراثية. ووفق منشورات «معاهد الصحة الأميركية» في العام 2011، يوجد رابط بين حجم «الجينوم» في حبّات الذرة وارتفاع الأراضي الزراعية.
أما بالنسبة إلى تلوّث الهواء، فيؤكد عدة خبراء في بحث نشر في مجلّة «swiss medical weekly» في أيار الماضي، أن بعض الملوثّات مثل غاز الأوزون تعطّل وظيفة بروتين «SPA» الذي يحمي الرئتين مما ينتج خللا في وظيفة الرئتين وفي ارتفاع خطر الإصابة بعدوى الجهاز التنفسي أو أمراض الرئة.

الضوء والحرارة
ويشكّل الضوء ودرجة الحرارة عاملين إضافيين يؤثّران على التعبير الجيني لبعض الكائنات. فعلى سبيل المثال، تحمل أرانب منطقة الهيمالايا جين «c» الذي يتحكّم بصبغ الفرو. يتعطّل الجين حين تتجاوز درجة الحرارة 35 درجة حرارة مئويّة، وينشط عمله حين تتراوح دراجات الحرارة بين 15 و25 درجة حرارة مئوية. تؤدّي تلك العملية إلى اختلاف لون فرو الأرانب بحسب درجة الحرارة في الخارج. يشكّل الضوء إحدى العوامل المؤثّرة على التعبير الجيني . فعلى سيبل المثال، ووفق موقع «scitable» للعلوم، أكّد البيولوجي توماس هانت مرغن في العام 1917 أن اختلاف الضوء الذي تتعرض له يرقة «اليسروع» يؤدي إلى تغيّر في لون الفراشة ما يثبت أن عامل الضوء يؤثر على التعبير الجيني.
وفي دراسة أخرى، وجد الباحث راندي جرتل أن تعرّض الفئران الحوامل لمادة «البيسفينول أ« يؤدّي إلى ظهور خلل في التعبير الجيني، وبالتالي إلى زيادة وزنها وتغيّر لونها مقارنة مع الفئران التي لا تتعرّض لمادة «البيسفينول أ».
وفي العام 2008، كشف الباحثون على أن فقدان السيطرة على متغيّرات التعبير الجيني يزيد من نسبة ظهور الأمراض المناعية الذاتية و يؤدي إلى خلل في وظيفة الخلايا اللمفاوية التائيّة.
تساهم جميع تلك البحوث البيئية في معظمها، وفق بزي، في الكشف عن أسرار الجينوم البشري وآليات التعبير الجيني ما يساعد الأطباء والعلماء في معرفة أسباب الأمراض ومواجهتها.



السفير