مشروع للصرف الصحي صديق للبيئة في رمحالا, محطة تكرير... تعتمد الحصى وزراعة القصب

مشروع للصرف الصحي صديق للبيئة في رمحالا, محطة تكرير... تعتمد الحصى وزراعة القصب
مشروع للصرف الصحي صديق للبيئة في رمحالا, محطة تكرير... تعتمد الحصى وزراعة القصب: تخطت بلدة رمحالا ـ قضاء عاليه مفاعيل التهجير وراحت ترصف حجارة منازلها أبعد بكثير من حدود اللحظة، مستشرفة المستقبل من بوابة الحاضر في مشاريع نموذجية أبصر أحدها النور ... التفاصيل

تخطت بلدة رمحالا ـ قضاء عاليه مفاعيل التهجير وراحت ترصف حجارة منازلها أبعد بكثير من حدود اللحظة، مستشرفة المستقبل من بوابة الحاضر في مشاريع نموذجية أبصر أحدها النور، واعتبر بمثابة تجربة عملية لمشكلة الصرف الصحي في لبنان، ليصار إلى تعميمها في بلدات ومناطق لبنانية.
المشروع يزاوج بين «العصرنة» والطرق البدائية، فهو يعتمد الحصى وزراعة القصب لتنقية ومعالجة المياه المبتذلة وفق معايير هندسية ودراسات أثبتت جدواها في الغرب الذي عمد إلى تبنيها كخيار بيئي يمثل تحديا في مواجهة الطرق والوسائط الحديثة في معالجة الصرف الصحي والتي تعتمد آليات معقّدة وبكلفة كبيرة، ينجم عنها تلويثا كونها بحاجة إلى الطاقة للتشغيل فضلا عن تجهيزات ميكانيكية.

تقنية تحطيم المواد العضوية
بينت التجارب أن وجود النباتات (وأجداها القصب) ضمن أحواض الأراضي الرطبة تشكل عبر جذورها وسوقها وأوراقها، مكانا ملائما لنمو الكائنات الدقيقة التي تقوم بتحطيم المواد العضوية الموجودة ضمن مياه الصرف الصحي. كما أن تجمّع هذه الكائنات الدقيقة المتنوعة يطلق عليه اسم بيريفايتون Periphyton. دور البيريفايتون والعمليات الفيزيائية والبيولوجية والكيميائية الطبيعية يقود إلى التخلص من 90 بالمئة تقريبا من الملوثات، بينما تقوم النباتات نفسها بإزالة بين 7 و10 بالمئة من الملوثات. فضلا عن أن النباتات تقوم بدور المصدّر الكربوني للميكروبات عندما تحلل هذه النباتات بعد موتها. إضافة إلى أن النباتات المائية تكون قادرة على استنفاد المعادن الثقيلة وإن كان ذلك بمعدلات مختلفة حسب نوع النبات.


... في موقع المشروع
من يصل إلى الموقع لا يمكن أن يعلم أن ثمة محطة لتجميع ومعالجة مياه الصرف الصحي، فليس ثمة رائحة، فقط مساحة مزروعة بأعداد كثيرة من القصب من النوع المعروف الذي غالبا ما ينمو بكثرة بالقرب من مجاري الأودية. حتى الغرفة الصغيرة الملاصقة لحقل القصب، هي مجرد بناء لا يشي بوجود محطة تكرير. الاهم من ذلك، إزاء هذا النموذج المميز والأول من نوعه في لبنان، بكلفته البسيطة وآلية عمله، باتت بلدة رمحالا تتربع على مياه جوفية محميّة تماما من ملوثات الحفر (الجور) الصحية.
لا يخفي رئيس بلدية رمحالا ميشال سعد، سروره بما يعتبره «إنجازا». فهو أكد لـ«السفير» «نجاح المشروع الذي بات مقصد المهتمين من جهات أكاديمية وبلدية وبيئيين».
وعرض لكيفية إنجازه، فقال: «بينما كانت لرمحالا حاجة ضرورية وأساسية لحفر بئرٍ إرتوازية، تقدمت في هذا الوقت السفارة الإيطالية من اثنتي عشرة قرية لبنانية، لتمويل وتنفيذ إثني عشر مشروعاً حيوياً لكل قرية، ومنها رمحالا، في إطار دعم عودة المهجّرين لقراهم. فاستُبدِلَ مشروع البئر الإرتوازية بمشروع نموذجي آخر يقضي بمعالجة الصرف الصحي طبيعياً، وهي طريقة لا تدخل فيها الآلة ولا التقنية، ولا تحتاج لأي نوع من الطاقة ولا الصيانة، وقد نُفذّتْ هذه الفكرة في إيطاليا وأوروبا بعد الحرب العالمية الثانية لأن كلفتها زهيدة. وقد وافق الإيطاليون على فكرة المشروع وأمّنوا التمويل وأشرف على التنفيذ المهندس راشد سركيس مع عدد من المسؤولين الإيطاليين».


التحضيرات والكلفة
عن ولادة المشروع وآلية عمله، قال سعد: «تولّتْ البلدية شراء قطعة الأرض مساحتها 2000 م2، واستخدم منها لصالح المشروع 1200م2 وبقي 800 م2، ستكون جاهزة في حال الحاجة لتوسيع المحطة. وتولّى الإيطاليون تنفيذ الخطوط الأساسية التي بلغ طولها 1500م، إشرافاً وتمويلاً، بينما ساهمت البلدية بمدّ الخطوط الفرعية بالتعاون مع الأهالي، وساهم كل منزل في البلدة بمبلغ 500 دولار أميركي، وأهّلت المناطق المحيطة لجهة تسوية الأرض وحفرها بعمق حوالي المتر، ووضع طبقة سميكة من البلاستيك، كي تمنع تسرّب المياه المبتذلة إلى الطبقات الجوفية، ثمّ تغطيتها بطبقة من الحصى والرمل، وزرع القصب فيها».
وقال: «إن مثل هذا المشروع قابل للتطبيق في المناطق والقرى البعيدة، الصغيرة والمتوسطة، والتي تتميز بأراضٍ زهيدة الثمن، فمعدل الخدمة لكل شخص يتطلب مساحة تتراوح بين 3 أو 4 أمتار مربعة، وإذا كان عدد السكان على سبيل المثال 1000 أو أكثر، فسيكون هناك حاجة لمساحة أرض تتعدّى 3000 م2، وبالتالي ستكلف مبلغاً كبيراً من المال، لهذا يمكن اعتماد مثل هذا الحل عبر استحداث عدة محطات صغيرة تؤدي خدماتها بشكل لا مركزي، وتوفر على كل بلدية وماليتها أرقاماً كبيرة. هذا الأمر، شكّل حافزاً لبلدة القبيّات والأرز (شمال لبنان)، للإطلاع على تفاصيل المشروع والتحضير لمثله في القريب العاجل».
ونوّه إلى أن «السفارة الايطالية في لبنان من خلال مكتب التعاون الايطالي هي من موّلت هذا المشروع والدراسة قدّمها المهندس راشد سركيس»، ولفت إلى أن «مجلس الانماء والاعمار ينجز مشروعا مشابها لهذا المشروع في منطقة الارز». وقال: «التقينا رئيس المجلس وسألنا عن نتائج هذا المشروع وأكدنا له انها نتائج ممتازة وكان متشجعا وطلب منا ان نطلعه على مستجدات في هذا المجال لأنه أكد لنا أنه مهتم بهذا المشروع».
وقال: «كلفة المشروع مع سعر الارض والطريق المؤدية إليه وبناء المحطة وتمديدات 1300 متر كخط رئيسي بلغت 160 ألف دولار أميركي ولا نزال نعمل على الخطوط الفرعية».


شبكة متكاملة
تجدر الاشارة إلى أن رمحالا تمتد على مساحة جغرافية واسعة، والمشروع الحالي تستفيد منه رمحالا البلدة وعدد قاطنيها يقارب الـ400 نسمة، وثمة دراسة لمشروع رمحالا ـ قبرشمون للصرف الصحي بتمويل من «مجلس الإنماء والإعمار»، ومن خلال الهيئات المانحة ومنها البنك الألماني، وسوف يتم إنشاء شبكة متكاملة، إضافة إلى خطوط ضخ لجهة مدينة خلدة. وأشار سعد إلى أن «قبرشمون بعيدة جغرافيا وهي تابعة لبلدية رمحالا وسيتم ربط الشبكة بمحطة الغدير عن طريق الجاذبية وتم الانتهاء من الدراسة من خلال مجلس الانماء الاعمار والبنك الالماني للتنمية بكلفة 9 مليون يورو وهي تشمل أجزاء من بلدات عين كسور والبينية وعيتاب».


مهندس الفكرة
صاحب الفكرة المهندس راشد سركيس، أكد أن «المشروع يقضي بمعالجة الصرف الصحي طبيعيا، وبطريقة بسيطة جدا لا يدخل فيها أي عنصر آلي أو تقني، يحتاج إلى طاقة للتشغيل أو الصيانة».
وقال: «اعتمدنا حفرة تركيد كبيرة لتأمين دخول المياه إلى الموقع بشكل سائل تماما، حيث تعبر مياه الصرف الصحي عبر الحقل المزروع بالقصب، وتخرج من الجهة الأخرى خالية من أي رائحة أو عناصر ملوثة، وتصب في بركة تجميع تساعد البلدية على استخدام المياه المعالجة حسب الحاجة.أما دور القصب فيأتي بعد أن تعبر المياه بين الحصى البيضاء الذي تحتضنه، ليمد بعدها الأول جذوره الكثيفة، مشكلا مساحة حركة أساسية للبكتيريا، التي تأكل كل الرواسب والجزئيات غير المتفككة الناتجة عن مرور المياه، بعد تعرضها للأكسدة بفعل النمط الخاص بالقصب، القادر على ضخ الأوكسيجين بفضل جذوره الطويلة.وبهذه الطريقة تنتهي مفاعيل المواد المؤذية والرائحة المنبعثة منها، وتخرج المياه من الجهة المقابلة ذات لون صافٍ، يميل بعض الشيء إلى لون معين من دون رائحة أو أي مفاعيل ضارة تذكر».
وأكد سركيس أن «أي تمديدات لجر شبكة الصرف الصحي على مسافة تزيد عن كيلومتر واحد تكلف أكثر بكثير من شراء أرض لتكوين محطة تكرير طبيعية، كما يمكن تعميم هذا الحل على الكثير من القرى المتوسطة المساحة، من خلال استحداث عدة محطات.

السفير