مشاريع "كفاءة الطاقة" رهن بوجود اطر مؤسساتية وسياسات تحد من الاستهلاك أولا

مشاريع
مشاريع "كفاءة الطاقة" رهن بوجود اطر مؤسساتية وسياسات تحد من الاستهلاك أولا: بين المناهج المدرسية القديمة في فلسطين، كان هناك مادة اسمها "الاقتصاد المنزلي"، وقد اختفت هذه المادة في المناهج التعليمية الحديثة، كما قال احد خبراء الطاقة من فلسطين، الذي اقترح ا

بين المناهج المدرسية القديمة في فلسطين، كان هناك مادة اسمها "الاقتصاد المنزلي"، وقد اختفت هذه المادة في المناهج التعليمية الحديثة، كما قال احد خبراء الطاقة من فلسطين، الذي اقترح اعادة هذه المادة الى المناهج المدرسية لاسيما بعد ان أصبح العالم هو المنزل اليوم.
لا يفترض ان يمر هذا الاقتراح الذي جاء على لسان احد خبراء الطاقة الفلسطينيين في الاجتماع الاقليمي الذي نظمته الاسكوا لخبراء الطاقة الذي عقد في تونس الاسبوع الماضي، مرورا عابرا. لا بل يفترض ان يشكل نقطة تأمل وتحول هامة مواكبة للعصر ومتطلباته، لناحية زيادة الطلب على الطاقة وزيادة كلفتها وتسببها بمشاكل عالمية لا تعد ولا تحصى.
فعلى مدى ثلاثة ايام عرض خبراء وممثلين عن معظم دول الاسكوا، سياسات الطاقة في بلدانهم، لاسيما تلك المتعلقة بكفاءة الطاقة لناحية الاقتصاد والتوفير والترشيد في الاستهلاك. وقد عرضوا لخطط وضعتها الوزارات المعنية وتبنتها الدول لعشر سنوات وعشرين سنة، ولكنها لم تقل كيف تتعامل مع الأمور الحالية الملحة، اذا بينت دراسة مقارنة بين الأوراق التي عرضت منذ اكثر من خمس سنوات حول سياسات الطاقة في دول المنطقة، ان الدول العربية لم تستطع ان تفي بالتزاماتها، لاسيما في مشاريع إمداد الطاقة والإنتاج والتوزيع. وان بلدا غنيا مثل العراق على سبيل المثال لم ينجح في تأمين الطاقة للسكان وهو لا يزال يطلب المساعدة من البلدان المجاورة لأكثر من نصف حاجته!
كما سجلت ملاحظات كثيرة في شأن الدول الخليجية التي تستهلك الكثير من الطاقة في الابنية بسبب عمليات التكييف، وعن نوعية البناء الحديث الذي صمم بالزجاج، والذي يستهلك الكثير من الطاقة، وقد ذهبت بعض الاوراق الى توقع ان تصبح البلدان المصدرة للنفط "مستوردة"، بعد سنوات ليست ببعيدة، بسبب زيادة الطلب والاستهلاك!
كما اظهرت الاوراق المقدمة ضعف الإطار المؤسساتي لمتابعة قضايا كفاءة الطاقة، معتبرة ان البناء المؤسساتي ذات أولوية في السياسات الوطنية المقبلة. واذ حصل إجماع ان هناك جدوى اقتصادية كبيرة من اعتماد سياسات تركز على كفاءة الطاقة، بالرغم من الاختلاف في مناخات البلدان وكيفية التوفير في البناء او في التكنولوجيا، اتفق المجتمعون على تحضير مذكرة توضيحية تعرض للعمل المستقبلي لإمكانية خلق فريق عمل يتواصل مع الجهات الوطنية والدولية ومنظمات المجتمع المدني.
وقد سجلت النقاشات الملاحظات التالية: ان الزيادة السكانية وزيادة الطلب على الطاقة متلازمان، وان الزيادة في الطلب على الطاقة في المنطقة العربية قد بلغت 25% بالمقارنة مع 2 و3 % في البلدان المتقدمة. كما سجلت المناقشات ان أسعار الطاقة المدعودة من الدول في المنطقة العربية تشكل عائقا مهما أمام سياسات التوفير والترشيد وكفاءة الطاقة. وقد طرحت أفكار تتعلق بإعادة النظر بالتعرفة بالتزامن مع الحاجة الى إيجاد نظام استهلاكي مستدام للطاقة وانجاز مشاريع تتعلق بكفاءة الطاقة ودراسات تبين نوعية الطلب وطبيعة المستهلكين والتوجه نحو الطاقات البديلة والإنتاج المستدام.
(انتهت المقدمة البيضاء)
لم يكن اختيار تونس لعقد اجتماع الخبراء صدفة، فتونس قطعت أشواطا مهمة في مشاريع كفاءة الطاقة، عبر إنشاء الوكالة التونسية للتحكم بالطاقة. كما تم اعتماد "سياسة كفاءة الطاقة" في تونس منذ العام 2004 بعد أزمة الطاقة التي واجهتها. والتحكم بالطاقة في اللغة التونسية بات يعني التحكم بالطلب، وبالتالي اصبح مفهوم او مطلب "كفاءة الطاقة" مطلب إستراتيجي وأولوية في سياسات الطاقة في تونس والمنطقة ولاسيما في البلدان النامية.
طرح في اجتماع خبراء الطاقة الكثير من الاوراق والتجارب من بلدان نامية وأخرى متقدمة اجمعت على ضرورة اعتماد سياسات التوفير كسياسات إستراتيجية كما طرحت اوراق تتعلق بكيفية الاستفادة من آليات سوق الاحتباس الحراري كأدوات لتمويل مشاريع كفاءة الطاقة بحسب ورقة لاكسل ميكايلو الذي تحدث عن آليتان للتمويل، آلية السوق: آلية بروتوكول كيوتو وآلية الطاقة النظيفة (سي دي ام). بالاضافة الى التجارة المباشرة بين البلدان الصناعية، معتبرا ان افضل آلية للبلدان النامية هي آلية التنمية النظيفة.
كما طرحت اثناء المناقشات الجوانب الاقتصادية والتقنية لمشاريع كفاءة الطاقة في قطاع الكهرباء التي تحدث عنها رئيس قسم الطاقة في الاسكوا الدكتور وليد الدغيلي. الذي كشف ان شركات الكهرباء في الدول لا تعرف الكلفة لانها تستمد موازنتها من الدول!

ميثاق الطاقة العالمي
كما تحدث نضال تايه عن مشروع ميثاق الطاقة العالمي الذي وقعته الكثير من الدول الكبرى، وعن الاجتماع العالمي الذي تحضره بعض الدول النامية بصفة مراقب. وخفف التايه من تحميل البلدان النامية، لاسيما العربية منها مسؤولية عدم الوفاء بالتزاماتها المدرجة في الخطط والسياسات الحكومية، معتبرا ان البلدان المتقدمة تقوم بالشيء نفسه تقريبا. واستعان بتقارير وكالة الطاقة الدولية ليبين ان 57% من توصيات العام 2005 حول ترشيد الطاقة في البلدان المتقدمة لم تنفذ حسب تقرير صادر العام 2011 . كما لفت الى انه بات هناك شروط محددة حول الطاقة للدخول في الاتحاد الاوروبي، وان هذا ليس متوفرا بعد للانضمام الى جامعة الدول العربية على سبيل المثال.

المدن المستدامة
بين الاوراق، عرض الدكتور جوزف الأسد ممثل المركز اللبناني لحفظ الطاقة في الاجتماع، الخطة الوطنية لحفظ الطاقة، لاسيما عن تجربة لبنان في استخدام السخانات الشمسية والإنارة الموفرة للطاقة في المنازل ولإنارة الطرقات العامة، عارضا النتائج والخطوات المستقبلية المنوي القيام بها، لاسيما عبر توزيع حوالي ألف عمود للإنارة العامة مزودة بألواح الطاقة الشمسية وعبر إطلاق اول محطات لإنتاج الكهرباء عبر الطاقة الهوائية والشمسية في لبنان.
كما تحدثت الدكتورة رانية المصري مستشارة شؤون البيئة والطاقة في المركز الاقليمي لبرنامج الامم المتحدة الاقليمي عن المدن المستدامة. مبينة انه لدينا نسب عالية من الاستهلاك في منطقة الشرق الاوسط، لاسيما في البلدان النفطية التي تستهلك الكثير من الطاقة للتبريد. هناك دراسة تقول ان نسبة كبيرة من سكان الخليج لاسيما في الامارات تشكو من شدة تبريد الأبنية! وقدرت الدراسة ان تستورد البلدان النفطية الطاقة اذا استمرت في وتيرة الاستهلاك التصاعدية نفسها! السؤال المطروح ما هو نوع البناء الذي يجب اعتماده والذي يحترم مبادئ كفاءة الطاقة؟

الجدوى الاقتصادية
لاحظ رئيس قسم الطاقة في الاسكوا الدكتور وليد الدغيلي انه عندما تكون اسعار الطاقة الاولية مرتفعة، تتأكد أكثر الجدوى الاقتصادية لمشاريع كفاءة الطاقة انتاجا ونقلا وتحويلا واستهلاكا. كما لاحظ ان اكثر من 96% من مصادر الطاقة الأولية لإنتاج الكهرباء في منطقة الاسكوا هو من النفط والغاز، متوقعا ان تزداد اسعارهما بالارتفاع اكثر واكثر، مما سيزيد الهموم اكثر لناحية الانبعاثات والتغير المناخي... وكل هذا سيؤدي، عاجلا ام آجلا، الى التفكير في ضرورة تحسين كفاءة الطاقة.
كما رأى ان ما يميز قطاع الكهرباء في بلدان الاسكوا، هو مركزية القرار، وهو ما يمكن ان ينعكس ايجابا لناحية سهولة اتخاذ القرارات في قضية تحسين كفاءة الطاقة. كما اشار الى الحاجة الملحة لإعطاء البعد الاقتصادي الأهمية اللازمة في عمليات الدراسة والتخطيط والتصميم والتجهيز والتشغيل والصيانة والتأهيل في قطاع الكهرباء، لأن في تحسين كفاءة الطاقة في قطاع الكهرباء منافع اقتصادية وبيئية جمّة يتوجب متابعتها عبر مؤشرات نوعية وكمية. كما ان الجدوى الاقتصادية والبيئية تسهل عملية الحصول على التمويل الخارجي وتبرير التمويل الذاتي.

العراق يستورد اكثر من نصف حاجته!
كان لافتا وضع الطاقة في دولة كبيرة وغنية مثل العراق، فقد بين المهندس علي عبد العزيز ان معدل توليد الطاقة الكهربائية الوطنية في العراق يقارب 6200 ميغاواط لعام 2012 وهو اقل من المطلوب الذي يبلغ 14000 ميغاواط، اي ان الحاجة الى اكثر من ضعف ما هو منتج.
لسد جزء من النقص في الانتاج، يتم استيراد الطاقة بمعدل 1200 ميغاواط من ايران، وقد بدأ استيراد الطاقة الكهربائية من سوريا في 2/7/2012 بعد اكتمال الربط بمعدل 100 الى 150 ميغاواط. كما كشف عبد العزيز عن إجراءات لاستيراد الطاقة من تركيا. بالاضافة الى ذلك هناك عقود لشراء الطاقة الكهربائية من "البوارج". وتوجد حاليا 4 بوارج في محافظة البصرة يبلغ انتاجها الكلي ما يقارب 300 ميغاواط.

معوقات الترشيد في مصر
أنشأت مصر "جهاز تخطيط الطاقة"، كما قامت بمشروع تحسين كفاءة استخدام الطاقة وحماية البيئة بمركز بحوث التنمية والتخطيط التكنولوجي بجامعة القاهرة. كما تم تشكيل المجلس الأعلى للطاقة بهدف وضع إستراتيجية وخطة عامة للطاقة وانشاء وحدة كفاءة الطاقة التابعة للامانة الفنية لمجلس الوزراء، بالإضافة الى إنشاء مركز لترشيد استخدام الطاقة في قطاع الصناعة وبرنامج تحسين كفاءة الطاقة في المنشآت الصناعية، كأحد برامج مركز تحديث الصناعة.
اما معوقات ترشيد الطاقة في مصر فهي تشريعية ومؤسسية وتسعيرية ومالية وتمويلية وآليات سوق وفنية ونقص في الوعي.

الأبنية كبواليع للطاقة
اظهرت دراسات الاسكوا ان استهلاك الطاقة في الأبنية بات جزءاً هاماً من إجمالي الاستهلاك النهائي للطاقة في البلدان الأعضاء في الإسكوا. ويمثل هذا الجزء ما لا يقل عن 35% من إجمالي الاستهلاك النهائي للطاقة، وقد كان، وفقاً للنشرة الاحصائية لعام 2010 الصادرة عن الاتحاد العربي للكهرباء، حوالي 60 % من إجمالي الكهرباء المستهلكة في عام 2010، واستهلك القطاع المنزلي وحده حوالي 75% منها. ومن ناحية أخرى، شهدت السنوات الأخيرة زيادة ملحوظة في الطلب على الكهرباء في أوقات الذروة، مما دفع بلدان المنطقة إلى اعتماد توقعات تدعو إلى زيادة حادة في قدرات محطات توليد الطاقة من أجل تلبية هذا الطلب المتزايد. وفي الواقع، زادت الحمولة الكهربائية القصوى في البلدان الأعضاء في الإسكوا أكثر من 9 % بين عامي 2009 و 2010. ويتبين أن قدرات محطات توليد الكهرباء في البلدان الأعضاء في الإسكوا اللازمة في عام 2020، ستكون ما بين 142 في المئة (لبنان) و285 في المئة (السودان) من قدراتها في العام 2010. وستكون كميات الطاقة الكهربائية المولدة ما بين 136 في المئة (تونس) و325 في المئة (السودان والعراق) بالمقارنة مع ما هي عليه الآن.
وتُعزى إلى حد كبير الزيادة في استهلاك الكهرباء والطلب عليها في فترات الذروة إلى تنامي التوسع العمراني في المنطقة وارتفاع مستوى المعيشة المرتبط بالسعي إلى مزيد من الرفاهية. وما يشجع على ذلك أيضاً الأسعار المنخفضة لبعض المعدات والتجهيزات، مما يجعلها في متناول عدد متزايد من المستهلكين المحتملين.
ومن ناحية أخرى، لا يوفر الدعم المالي الكبير لأسعار الطاقة المستهلكة السائدة في بلدان المنطقة أي حافز للمستخدمين النهائيين لاختيار حلول أو معدات أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة.
وبالتالي، ورغم حملات التوعية العديدة التي أُطلقت من جهة، والمشاريع التجريبية المختلفة من جهة أخرى، لم تتمكن الجهود المبذولة لتحقيق كفاءة الطاقة في قطاع الأبنية في المنطقة من الاستفادة من الفرص المباشرة المتاحة في هذا المجال، والتي يمكن أن تخفض من استهلاك الطاقة في هذا القطاع بما لا يقل عن 30 % ومن الطلب على الطاقة الكهربائية في فترات الذروة بنسبة مماثلة، أو ربما أعلى.
وتوقعت الدراسة ان يزداد هذا الوضع (المنذر بالخطر في قطاع الطاقة والمرتبط بقطاع الأبنية) سوءا في المنطقة، في ظل عدم وجود تحسين كبير لمستوى مشاريع كفاءة الطاقة، يمكن أن يضاهي معدلات النمو المسجلة في الحاجة لخدمات الطاقة في هذا القطاع.

السفير