
هل تساهم مبادئ «الأبنية الخضراء» في إنقاذ بيئة الكوكب؟: يشهد لبنان حاليا حركة عمرانية على نطاق واسع ذات عواقب بيئية سلبية لا يستهان بها خصوصا أن معظم المعنيين في قطاع البناء من مستثمرين ومقاولين ومهندسين... ينفذون مشاريعهم دون أي مراعاة للبيئة..التفاصيل
يشهد لبنان حاليا حركة عمرانية على نطاق واسع ذات عواقب بيئية سلبية لا يستهان بها خصوصا أن معظم المعنيين في قطاع البناء من مستثمرين ومقاولين ومهندسين... ينفذون مشاريعهم دون أي مراعاة للبيئة وللأسس الحقيقية لرفاهية الإنسان وسلامته.
المياه والكهرباء في شح متزايد في جميع أرجاء الوطن واستيراد مواد البناء بنمط متزايد هو من الأسباب الرئيسية التي تؤدي إلى تضخم عجز الميزان التجاري، كذلك الطلب على الموارد الطبيعية غير المتوافرة بكميات كبيرة هو أيضا في تزايد مستمر ومتسارع في جميع أنحاء العالم مما يؤدي الى ارتفاع ملحوظ في أسعار السلع الذي يؤثر على مستوى معيشتنا ويهدد نظامنا الاقتصادي والمالي.
والأمور تسير نحو الأسوأ من جراء التزايد التصاعدي للانبعاثات والنفايات الناتجة عن الأبنية في خلال العقدين المنصرمين حيث إن مستوى هذا التلوث قد فاق التلوث الناتج من قطاعي الصناعة والنقل مجتمعين مشكلا بذلك ضررا ملحوظا على البيئة كما نرى ذلك من خلال تنقلاتنا اليومية.
إن المستثــمرين والمعمـاريين والمهندسـين والمقاولين وتجار مواد البناء يعملون جميعا في اتجاهات مختلفة وغير متلائمة، إذ ينظر كل منهم إلى مصالحه الخاصة القصيرة المدى. فالتنسيق بينهم شبه معدوم، الأمر الذي يجــعل حياكة المبادئ الخضراء ضمن هذا النسيج غير المنسجم عمـلا شبه مســتحيل. كذلك فإنــنا لا نشــهد أي جهد متواصل ومركز من قبل السلطات التشريعية لتوعية وتحفيز جميع المعنيين في قطاع البناء لتبني نظم عمرانية تتركز على مبادئ بيئية تضمن ديمومة البيئة الطبيعية والإنسان.
أمام هذا الواقع تتبادر إلى الذهن الأسئلة التالية: هل العمران البيئي الصديق للإنسان يثير اهتمام المستثمرين والمتعهدين والمهندسين والمواطنين؟ وهل هناك من جانب بيئي «اخضر» للبناء في لبنان؟ ماذا يفعل صناع القرار لضمان إبقاء لبنان بلدا يطيب فيه العيش؟ وهل يمكن ان تتعثر حركة العمران الناشطة التي نشهدها حاليا بسبب الأداء العمراني غير المستدام؟
جمعية الأبنية الخضراء
في 15 تشرين الأول من العام 2008 أقدم عشرة مهندسين على تأسيس «مجلس لبنان للأبنية الخضراء» كجمعية غير حكومية تحت الرقم 1648 بهدف جعلها المحرك الرائد للتعليم والترويج والتوعية ضمن مضمار مبادئ «البناء الأخضر» وذلك من اجل إزالة العوائق والأفكار الخاطئة التي تعرقل إنشاء محيط مبنى صديق للإنسان والبيئة في لبنان.
يسعى المجلس إلى أن يضم شركات ومقاولين وجامعات ومنظمات وأفرادا معنيين بأمور البيئة بهدف الترويج لبناء ذي جودة بيئية واقتصادية عالية يوفر محيط للعمل والعيش الصحيين. كما يؤكد رئيسه سمير طرابلسي.
يتألف مجلس لبنان للأبنية الخضراء من مجلس إدارة يضم حاليا العشرة أعضاء المؤسسين وكذلك خمسة لجان.
وقد باشرت الجمعية على تقديم طلب انتساب لعضوية «المجلس العالمي للأبنية الخضراء» التي تنتسب إليه المجالس الخضراء الوطنية في جميع أنحاء العالم عند بلوغ عدد أعضائهم الحد الأدنى المحدد.
الكلفة والتوفير
هناك لغط شائع بأن الأبنية الخضراء هي تلقائيا أكثر كلفة من الأبنية الرائجة حاليا. ولكن الواقع يثبت عكس ذلك. فإن عمارة مؤلفة من 25 طابقا أو منزلا صغيرا، يحقق وفرا ماديا في معظم الأحيان على المدى الطويل الأجل، وكذلك هو صحي ويشكل استثمارا مربحا وذا عبء اقل على الموارد الطبيعية.
ان الحسابات البسيطة تشير ان كلفة البناء الأخضر لا تتجاوز 2 الى 4 % من كلفة البناء الشائع حاليا، ولكن مردوده على فترة 20 سنة يمكن ان يكون مثمرا للغاية اذ ان هذا النوع المبتكر من البناء يقلل من استهلاك الطاقة والموارد الطبيعية بمعدل يقارب 30% دون الأخذ بالحسبان مصاريف الاستشفاء التي يتم تجنبها والتي تنتج عن الإقامة في مساكن غير صحية موجودة حتى في الأبنية التي تعتبر «فخمة».
لقد أصبح ملحا إدخال قانون تصنيف الأبنية قيد الإنشاء وكذلك الأبنية القديمة على أسس الكفاءة الحرارية والبيئية لضمان استدامة محيطنا المبني وبالتالي مجتمعنا.
فالتصميم البنياني الأخضر يؤمن راحة العيش والتوفير في الطاقة وتحقيق الاستدامة من خلال تخفيف العواقب البيئية السلبية وبالأخص الاحتباس الحراري. فالهدف المرجو هو تحسين نوعية العيش في محيطنا المبني والمحافظة على بيئتنا الطبيعية وتخفيض الفاتورة النفطية التي تمثل عبئا ثقيلا على المجتمع اللبناني.
لقد أثبت علميا ان الأبنية المشيدة حسب النظم الخضراء تساهم فعليا في انخفاض حالات الأمراض المزمنة والمميتة مثل الربو والحساسية والسرطان التي قد تنتج من جراء العيش في محيط سكني غير صحي.
الإنسان الأخضر
ان نظم انشاء المباني المتبعة حاليا وطرق العيش التي تنتج عنها لا يمكن ان تستمر الى الأبد إذ اننــا نرهن ونعـبث برفاهية الاجيال القادمة.
فالابنية الخضراء لا يمكن ان تتحقق الا بوجود «الإنسان الأخضر»، أي الانسان الذي يعيش بطريقة صحية ومريحة ومقتصدة للطاقة وللموارد الطبيعية. لذلك فمن الضروري ان تبدأ حملة لتوعية المجتمع في هذا المضمار وحث السلطات لمواجهة التحديات التي ستتفاقم في بداية هذه الالفية نتيجة للشح المتزايد في مصادر الطاقة والموارد الطبيعية.
التغيير الجذري المطلوب هو اقل ما يمكن ان نفعله لتأمين رفاهية أبنائنا والأجيال القادمة. فالكرة الأرضية ومواردها ليست ملكا لجيلنا الحاضر وبالتالي ليس من حقنا ان نتصرف بمواردها كيفما نشاء.
فموارد كوكبنا المشترك ملك الأجيال التي لم تلد بعد وملك القاصرين الذين ليس بإمكانهم المطالبة والدفاع عن حقهم للعيش برفاهية وأمان لذلك فهو من واجبنا الانساني المحافظة على حقهم نيابة عنهم.
البناء الأخضر عربيا ودوليا
عربيا تبنت امارة أبو ظبي مؤخرا معايير بناء جديدة من بينها معايير المباني الخضراء، في خطوة تأتي بعد تبني دبي قراراً بتطبيق معايير المباني الخضراء على كل المباني والمنشآت في إمارة دبي اعتباراً من كانون الثاني 2008. وتهدف هذه المباني الخضراء إلى تقليص استهلاك الكهرباء، التي تولّد عبر حرق الوقود وبالتالي التأثير في البيئة المحيطة، وإلى توفير استهلاك الطاقة الكهربائية في شكل عام والطاقة المستخدمة للتبريد والإضاءة وتسخين المياه، إضافة الى ترشيد الاستهلاك، بحيث تُصمم المباني وتشيّد بأساليب وتقنيات متطورة تسهم في تقليل الأثر البيئي، وفي الوقت ذاته تقود إلى خفض التكاليف، بخاصة تكاليف التشغيل والصيانة، كما أنها تسهم في توفير بيئة عمرانية آمنة ومريحة.
وكان قد صدر في عام 2006 تقرير عن هيئة كهرباء ومياه دبي، بيّن أن الإمارة تملك أعلى معدل في العالم لاستهلاك المياه داخل المباني، يبلغ 515 ليتراً لكل شخص في اليوم، مقارنة بـ 360 ليتراً في الولايات المتحدة، وهي من أعلى النسب مقارنة بدول أخرى مثل كندا واليابان ودول أوروبية.
وذكرت بعض التقارير أن نحو 77 دولة حول العالم تعمل على تطبيق نظام المباني الخضراء. وتعد بوسطن الأميركية أول مدينة تطبق نظام المباني الخضراء هذه السنة لكل مبنى تزيد مساحته على خمسة آلاف متر مربع. وترتكز فكرة المدن أو المباني الخضراء على محاولة الاستفادة من الطاقة البديلة والتي لا تبعث غاز ثاني أكسيد الكربون في الجو، في محاولة لتوفير الطاقة بالتخفيف من الاستهلاك من طريق مواصفات قياسية لمواد بناء مثل الأسطح العازلة لحرارة الشمس، أو برودة الجو بحسب موقع كل دولة من خط الاستواء أو القطبين.
وتوقع «المجلس العالمي للمباني الخضراء»، أن ترتفع معدلاتها في مشاريع حول العالم بنسبة 100 في المئة، وأجرى المجلس دراسة شملت 45 دولة بدأت في تنفيذ مشاريع المباني الخضراء فعلياً، فيما خلص إلى أن الأسواق الآسيوية تعتبر من أكثر المناطق التي تشهد تنامياً ملحوظاً في قطاع المباني الخضراء، إذ يتوقع أن تقفز نسبة مشاريع البناء الأخضر في هذه المناطق من 63 في المئة إلى 73 بحلول عام 2013.