"غرينبيس" تطلق تقريراً سوداوياً عن الشاطئ اللبناني

"غرينبيس" تطلق تقريراً سوداوياً عن الشاطئ اللبناني: المرة الأولى التي تظهر فيها تقارير تتحدث عن تلوث الساحل اللبناني. فمنظمة «غرينبيس» نفسها التي أطلقت الأسبوع الماضي تقريراً بعنوان «ساحل لبنان السام، لمحة عن التلوث الساحلي: التهديدات، المشاكل والحلول»، كان

المرة الأولى التي تظهر فيها تقارير تتحدث عن تلوث الساحل اللبناني. فمنظمة «غرينبيس» نفسها التي أطلقت الأسبوع الماضي تقريراً بعنوان «ساحل لبنان السام، لمحة عن التلوث الساحلي: التهديدات، المشاكل والحلول»، كان سبق ان أصدرت خلال ما يقارب العشرين سنة الماضية تقارير مماثلة، بالإضافة الى تقارير مركز علوم البحار وتقارير المجلس الوطني للبحوث العلمية وبعض المنظمات غير الحكومية، بالإضافة الى تقارير وزارة البيئة. لا يقول التقرير الأخير جديدا، ولا يكشف عما هو مستور أو خاف. فالأسباب الرئيسية لتلوث الشاطئ اللبناني معروفة، لاسيما من مصادر مياه الصرف الصحي التي ترمى مباشرة من مختلف المدن الساحلية في البحر بالاضافة الى مكبات النفايات والمصانع على طول الشاطئ... بالإضافة الى المنتجعات السياحية وكل حركة على طول الشاطئ، لاسيما أمام المرافئ البحرية (التي لا يتحدث عنها التقرير) بالاضافة الى المنشآت والخزانات النفطية المتمركزة على الشاطئ ايضا...الخ
المسؤوليات معروفة ايضا ويتقاسمها القطاعين الخاص والعام. وكان هذا الشاطئ، ولا يزال، خارج الاهتمام الرسمي الجدي بسلامته، بالرغم من أنه يشكل شريانا حيويا لمعظم النشاطات الحيوية اللبنانية من سياحية واقتصادية.
يعتمد التقرير الجديد، بحسب مسؤول الحملات في غرينبيس ريان مكارم، على نتائج فحص عينات المياه التي أخذت من عدة مواقع ساحلية لبنانية، والتي أشارت الى وجود مئات الأنواع من المواد الكيماوية الخطيرة التي ثبت أنها تشكل ضرراً بالغاً على صحة الانسان والبيئة. مذكرا بضرورة التزام لبنان باتفاقية برشلونة التي صادقت عليها الحكومة اللبنانية، والتي تتطلب وقف كل أشكال التلوث في البحر الأبيض المتوسط.
وقال مكارم إن «الحكومة تتحمل مسؤولية معالجة مياه الصرف الصحي عن طريق تطبيق الخطط الحالية لاستكمال البنية التحتية للصرف الصحي في البلاد، ووقف توجيه مياه المجارير مباشرة الى البحر». وتابع مكارم «لا بد من اقرار قانون جديد يحدث ثورة حقيقية في قطاع النفايات الصلبة الذي يعاني من غياب القواعد والضوابط الحديثة».
أما بالنسبة للقطاع الخاص، فحمّل مكارم المسؤولية الكبرى للقطاع الصناعي، مشيراً الى أن معظم عينات المياه احتوت على آثار وبقايا مواد تستخدم في الانتاج الصناعي. وشدد على ضرورة الزام المؤسسات الصناعية في لبنان على التحكم بالانبعاثات الناتجة عن عملها بما يتوافق مع التشريع الساري المفعول (القرار 8/1 عام 2001)، بالاضافة الى الاستثمار في تطوير عملياتها الصناعية وتركيب الفلاتر المطلوبة.
الدراسة التي يستند اليها التقرير المذكور تمت بالتعاون بين منظمة غرينبيس وجامعة «اكسيتير» في المملكة المتحدة، وبالاشتراك مع كارول سخن، إحدى أبرز الخبراء في لبنان بعلوم سموم البيئة. وتمّ جمع 30 عيّنة مياه من مختلف المناطق الساحلية اللبنانية، الا أن التقرير يشير الى أن نسبة التلوث هي الأعلى في المدن الرئيسة الثلاث، صيدا، طرابلس، وبيروت ومحيطها. فماذا في مضمون هذا التقرير؟

ملخص التقرير
بين تشرين الثاني/نوفمبر 2011 وشباط/فبراير 2012 تم جمع 30 عيّنة من مواقع مختلفة على طول الساحل اللبناني من طرابلس (نهر أبو علي) إلى القاسمية (مصب نهر الليطاني) تم إرسالها إلى وحدة العلوم التابعة لغرينبيس الدولية في جامعة إكسيتر البريطانية حيث خضعت للتحليل، أجرى فريق غرينبيس المتوسط عملية جمع العيّنات عملا بالمعايير والقواعد المعتمدة لتجنب تلويث العيّنات والحفاظ على وضعها عند أخذها.
في الفصل الأول من التقرير عرض التحليل الكامل الذي أجرته وحدة العلوم في غرينبيس الدولية بما في ذلك المنهج والخلاصات والنقاشات إضافة إلى اقتراحات التحليل الإضافية. وأتت هذه النتائج بعد تحليل نوعي شمل المعادن والمركبات العضوية المتطايرة وشبه المتطايرة المرصودة في العيّنات وأظهر وجود مجموعة من المركّبات السامة في مياهنا. وتشكل هذه المواد خطراً كبيراً سواء على صحة البشر أو البيئة. وينبغي إجراء تحليل مفصل لتحديد كميات كل مركّب مرصود لكن قبلاً يجب اتخاذ إجراءات فورية للحد من التلوث.
في الفصل الثاني يعرض التقرير تحليلاً مستقلاً لنتائج العيّنات أجرته كارول السخن من المختبر الرئيسي للصحة البيئية في الجامعة الأميركية في بيروت. في التحليل تعرض السخن تقييمها لعمل الوحدة العلمية في غرينبيس الدولية وتكرر في خلاصاتها التأكيد على أن هذه النتائج نوعية فحسب مع الحاجة إلى المزيد من التحاليل لتحديد كميات كل مركّب. وتشير إلى أن التحليل الكمي يستغرق وقتاً طويلاً لذلك ينبغي البدء بالأعمال اللازمة في أسرع وقت ممكن.
الفصل الثالث يتطرق إلى المشاكل المسبّبة لمختلف أنواع التلوث المرصودة وقُسمت تلك إلى ثلاثة محاور رئيسية:
مشكلة النفايات الصلبة، ومشكلة مياه الصرف ومشكلة الانبعاثات الصناعية. في ما يتعلق بمياه الصرف تكمن المشكلة الأساسية في البنية التحتية نظراً إلى التقصير الهائل لدى الدولة اللبنانية في توفير شبكة مناسبة لمياه الصرف ومعامل معالجة المياه. في ملف النفايات الصلبة يبرز انعدام قانون ملائم لإدارة النفايات الصلبة يذهب أبعد من الطمر من دون معالجة مناسبة ويشمل خطة مناسبة لإعادة التدوير وإعادة الاستعمال وبرامج تخمير النفايات العضوية، بما يساهم إلى حد كبير في ضبط المشكلة. ويندرج هذان الملفان منذ فترة طويلة من ضمن أنشطة غرينبيس والمجتمع المدني للضغط من أجل إدراج حسن إدارتهما وتطبيقهما على جداول أعمال الوزارات المعنية.
أما الانبعاثات الصناعية فتشكل تحدياً أكثر قابلية للتطبيق نظراً إلى وجود حلول بعضها متوافر فيما يحتاج البعض الآخر إلى تطبيق مناسب. فالتشريع الأخير المعلق بالانبعاثات الصناعية يعود إلى 2001 وليس مطبقاً كما ينبغي نظراً إلى غياب المراقبة لتفقد الانبعاثات. ويحتاج هذا القانون إلى التحديث وإلى إنشاء وحدة تراقب الانبعاثات الصناعية بدقة. كما ينبغي تطبيق مبدأ تحميل الملوث التكاليف، بما يُلزم أي صناعة لا تتوخى المعايير المحددة تسديد تكاليف تركيب المعدات اللازمة لضمان احترامها تلك المعايير.
يؤكد التقرير على ضرورة وضع إجراءات مراقبة لمنع التلوث والحد منه في متوسطنا، ما سيسهم في الحفاظ على بيئتنا البحرية والمساعدة على تنظيف مواردنا المائية من أي تلوث سام. ويتشاطر القطاعان العام والخاص المسؤولية، حيث ينبغي على كل منهما تقديم مبادرات لضمان توفير المعطيات القانونية والإدارية والمالية والتقنية من أجل حماية مواردنا المائية ومتوسطنا.

تقييم التلوث
بعد جمع 28 عيّنة من مواقع مختلفة على طول الساحل اللبناني المتوسطي، تم تحليلها في مختبرات غرينبيس للأبحاث للتحقق من وجود معادن ثقيلة وكيميائيات عضوية. وتألفت العيّنات من 15 عيّنة مياه آسنة أُخذت مباشرة من أنابيب صرف و7 عيّنات من أماكن متاخمة لأنابيب الصرف في البحر المتوسط أو مصبات أنهار، و6 عيّنات من المياه السطحية من أنهار أو مصبات أنهار محاذية للمتوسط.
يمكن تلخيص النتائج الرئيسية كما يلي:
ـ أُثبت تلوث عدد من عينات مياه الصرف ومياه الانهار بالمجارير بوجود مجموعات علامات بيولوجية على غرار مشتقات الكولسترول، الأندروستينون، وبعض مواد الإندول، كما احتوت العينات مجموعة كيميائيات تستخدم عادة لإضافة عطور للسلع الاستهلاكية يبدو أنها دائمة الأثر بالرغم من عمليات معالجة مياه الصرف، إلى جانب رواسب كيميائيات تطهير وتعقيم ولا سيما الكلوروزايلينول.
ـ قد تكون النتيجة الأبرز هي الكشف عن وجود إثوكسيلات نونيلفينول ومتشكلات مادة نونيلفينول نفسها المعطلة للهرمونات في أربع عيّنات هي مجرى مياه صغير يتسرب من موقع مطمر نفايات ساحلي في الدورة)، ولا سيما العينتين المأخوذتين من مصارف صحية وصناعية في منطقة الغازية والعينة من أنبوب تم التعرف إلى أنه تابع لشركة «المدابغ اللبنانية» (في المنطقة نفسها).
ـ رُصدت كيميائيات مضرّة بارزة أخرى هي بيسفينول ـ أ في العيّنتين (المجرى في الدورة).
ـ رُصد تكثّف مرتفع للكروم في مياه الصرف التابعة للمدابغ اللبنانية.
ـ عُثر على نسب مرتفعة، لكن أقل من الكروم، من مجموعة معادن أخرى في عدة عيّنات لمياه الصرف المجموعة من مسارب مختلفة تنتهي في المنطقة الساحلية، بما فيها الرصاص والزنك والنحاس والحديد والمنغنيز.
يتطلب تحديد المصادر الدقيقة للكيميائيات المرصودة في مختلف عينات مياه الصرف المزيد من التحقيق. لكن مجموع النتائج المستقاة من هذه الدراسة يشير إلى التخلص من مجموعة كبيرة من الملوثات الكيميائية (معادن وكيميائيات عضوية) في مياه الصرف من مختلف المصادر حيث تصب في المنطقة الساحلية المتوسطية في لبنان.

الأثر البيئي
في تقييمها للأثر البيئي، ترى السخن أنه يمكن تقسيم العيّنات التي جمعتها غرينبيس إلى ثلاث فئات لإجراء تقييم السمّية على البيئة، وهي مياه صرف من أنابيب تصريف منزلية وصناعية، ومياه عذبة من أنهار وجداول سطحية، ومياه مالحة من مصبات الأنهار ومن البحر. ولكل من هذه الفئات مجموعة خاصة من المعايير والإرشادات المحلية والدولية التي يمكن الاستعانة بها لتقييمها بشكل عام. في هذه الدراسة لم يكن الهدف تفقد أثر الملوثات السامة على الحياة البحرية بل مسح وتصنيف الملوثات السامة المختلفة التي يتم التخلص منها في المسطحات المائية والتنبؤ إذا أمكن استناداً إلى خلاصات المسح بالعواقب المستقبلية المحتملة على العناصر الحية والجامدة في البحر المتوسط على طول الساحل اللبناني.
إن الإرشادات المعيارية التي تضبط نوعية المياه المالحة (البحر/المحيط) ليست متطورة حول العالم كما هي حالها بخصوص مياه الصرف والمياه العذبة. ويتم تصريف الكثير من المواد السامة في البيئة البحرية من دون إخضاع نسبة كبيرة منها لأي تحليل للسمّية البيئية حيث ما زالت تنتظر دراسات سُميّتها على مستويات مختلفة من السلسلة الغذائية. غير أن دولاً على غرار أستراليا ونيوزلندا طوّرت وثيقة إرشاد شاملة يمكن استخدامها كناقوس خطر لعدد كبير من هذه المواد السامة. وتركز الوثيقة الإرشادية على قيم بادئة للمواد السامة يمكن لإدارات المياه بدء أعمال المعالجة عند بلوغها. وهذه القيم مرتبطة بنسبة محددة من الحماية لعدد من الأنواع تسمح بتوقع مدى التنوع الحيوي في حال تجاوزها.

المركّبات العضوية
بخصوص المركّبات العضوية التي يتم التخلص منها في البحر، تتحدث السخن عن صعوبة التنبؤ بتأثيرها على صحة النظام البيئي البحري من دون تقييم كمي في المياه او الكائنات الحية. ويؤثر عدد من العوامل على امتصاص الكائنات البحرية المواد السامة ما ان يتم صرفها في البحر. مؤكدة أن هذه الدراسة ترمي إلى رصد الأصناف الرئيسية من المواد السامة لا تحديد كمياتها. بالتالي نظراً إلى الفئات بحسب تصنيف مختبرات إكسيتر من الواضح ان الكثير من الفئات الموجودة سامة جدا للكائنات البحرية، ومن المعروف ان بعض السموم على غرار إستيرات الفتالات والمركبات الفينولية تخل بالغدد وتسبب السرطانات وتشوهات جنينية. بالإضافة، يمكن ان تحتوي بعض المواقع نسباً مرتفعة من المعادن التي قد تتفاعل مع السموم العضوية لتسبب المزيد من الضرر للنظام الفيزيولوجي للكائنات البحرية. وأظهرت دراسات ان المركّبات العضوية تؤثر سلباً على نمو وتناسل الكائنات البحرية.
في هذه الدراسة تم قياس المواد السامة فحسب في المسطحات المائية، لذلك صنّفت القِيَم البادئة في نوعي المياه بمحاذاة الملوثات السامة الأساسية كما وردت في لائحة ANZECC. وما زال بعض تلك السموم قيد الدراسة ولم تحدد له قِيم نهائية.
وتوصي السخن بأن يتم أخذ العيّنات في المستقبل بوتيرة أكبر وأن يتم تقييم كمّي لبعض السموم التي ترد بانتظام على غرار بيسفينول ـ أ ونفتالين وإستيرات الفتالات في مياه البحر وكائناته. من أجل تحسين تقييم الخلل في النظام الحيوي البحري على طول الساحل اللبناني.

السفير