
محارق ومطامر النفايات.. بين الحقائق والأوهام: في الوقت الذي لزمت به الدولة اللبنانية احدى الشركات لدراسة الجدوى من حرق النفايات وتوليد الطاقة الكهربائية في المدن تطبيقا لقرار مجلس الوزراء المتخذ العام 2010 في الحكومة السابقة والذي تابعته الحكومة الحالية... الت
في الوقت الذي لزمت به الدولة اللبنانية احدى الشركات لدراسة الجدوى من حرق النفايات وتوليد الطاقة الكهربائية في المدن تطبيقا لقرار مجلس الوزراء المتخذ العام 2010 في الحكومة السابقة والذي تابعته الحكومة الحالية... لا يزال الجدال في لبنان حاميا حول صوابية هذا الخيار. إلا ان هذا الجدل نفسه تقريبا، لا يزال يدور في البلدان الاوروبية ايضا، بين مدافع ومناهض لخيارات الحرق. فكيف يمكن الاستفادة من تجارب الآخرين؟ وكيف السبيل الى اختيار التكنولوجيا الافضل لمعالجة أحد أبشع مظاهر العصر الحديث كالنفايات؟
لا يأخذ الجدل التكنولوجي في لبنان (ودول العالم الثالث عامة) مجراه عادة، كون كل هذه التكنولوجيات ليست أصيلة من جهة، ولوجود خوف كبير ومبرر من البلدان المستهلكة لهذه التكنولوجيا، ان تتحول الى حقل اختبار، او ان يتم الكيل بمكيالين في استخدام التكنولوجيا نفسها بين البلدان المتقدمة وتلك النامية مع تغيير الشروط والمعايير و«الخدمة بعد البيع»... وان لا يتم الالتزام بالمعايير نفسها.
والملاحظ انه كلما طرحت تكنولوجيا جديدة لمعالجة مشكلة ما، تطغى دهشة الاكتشاف الجديد على دور العقل المشكك والمدقق ويتم تبني خيارات، سرعان ما نندم عليها بعد فوات الأوان. مع العلم ان آليات ومعايير الاختيار في البلدان المتلقية يجب ان لا تكون هي نفسها كتلك المعتمدة في البلدان المنتجة لتلك التكنولوجيات. فبعد ان وظفت الشركات مبالغ كبيرة في الستينيات والسبعينيات، وتلقت دعما حكوميا لتطوير تكنولوجيا حرق النفايات على سبيل المثال، وقد تبين بعد فترة من الزمن انها تتسبب بمشاكل صحية خطيرة، لم يكن من السهل عليها ان ترمي هذه التكنولوجيا جانبا وان تبحث عن اخرى. لذلك فضلت العمل على «التطوير». هذه الحالة ليست هي نفسها في البلدان النامية والمتلقية. لا يعني ذلك ان على البلدان النامية ان تتبنى آخر المكتشفات وآخر التكنولوجيات، بل عليها التفكير مليا قبل تبني أي خيار. فلا الظروف الطبيعية هي نفسها ولا الاقتصادية بالطبع.
لذلك من المفيد الاطلاع على الخبرات والتجارب والسجالات لأخذ العبر، قبل التسرع في تبني خيارات محددة. يمكن الجزم هنا بالقول ان بلدية شكا، على سبيل المثال، قد تسرعت مؤخرا واشترت محرقة لنفاياتها ونفايات المنطقة وطلبت من وزارة البيئة الموافقة على خيارها. إلا ان خجل وزارة البيئة وإعطاء البلدية مهلة للتجريب، لم يخلُ من التسرع ايضا، مع العلم انه يستحيل على بلدية في لبنان، مهما بلغ حجم عائداتها، ان تتبنى التكنولوجيات والتطويرات لنوع كهذا من الخيارات، لا سيما استخدام الفيلترات الضخمة والمتطورة التي تتطلب مساحات تساوي أكثر من ثلثي حجم المعمل وآليات معقدة جدا لمعالجة الرماد بعد الحرق أو لمعالجة الغبار العالق في الفيلترات ...الخ وللمزيد من المعلومات والعبر، لنراجع التجارب والخبرات والسجالات.
ح. م.
اعتمد معهد الرصد الصحي في فرنسا على احدى الدراسات الانكليزية الصادرة عام 2009 والتي أظهرها المعهد للجمهور الفرنسي، مبيناً العلاقة بين محارق النفايات المنزلية كما كانت في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي وتأثيرها على ظهور السرطانات في تسعينيات القرن الماضي، وقد عمم هذه النتائج في ما سمي «الكتاب الابيض حول حرق النفايات في فرنسا» لتبرير السياسة الرسمية لانتشار المحارق الحديثة على الاراضي الفرنسية والاوروبية.
أظهرت الدراسة ان نسبة المخاطر الحقيقية والمثبتة للمحارق من النوع الذي كان سائداً في السبعينيات والثمانينيات، تعادل ما بين 6 و23% للاصابات في بعض أنواع السرطان في تسعينيات القرن الماضي. وللمقارنة فإن سرطان الرئة قد تزايد بنسبة 900 الى 1900% بالنسبة للمدخنين الفعليين وبنسبة 30 الى 60% للمدخنين السلبيين (الاشخاص الذين يكونون في المكان نفسه مع المدخنين).
ويوضح المعهد ان نسب الانبعاثات للمحارق تفاوتت بدرجة كبيرة ما بين السبعينيات والثمانينيات والوقت الحاضر باستخدام المحارق الحديثة. اذ ان النسب قد تضاءلت بصورة كبيرة بالقياس مع النسب الحالية. فمثلاً انخفض مستوى الديوكسين من 99% الى 5% بالنسبة للنفايات المنزلية، في حين انه ما زال يساوي 74% من الانبعاثات الناتجة من الصناعة و 19% من حرق الخشب لأغراض التدفئة و2% من النقل البري. كما قدّر ان تكون انبعاثات الديوكسين الموجودة في الجو قد تسببت بها ايضا البراكين واحتراق الغابات. وأما نسبة انخفاض الانبعاثات من المحارق الحديثة، بحسب الكتاب الابيض، فهي كالتالي: 99% من الديوكسين 97% من الرصاص، 89% من الزنك، 82% من الكادميوم، 75% من الزئبق.
كما ان هناك دراسة اخرى حديثة حول نسب السرطان بالنسبة للسكان المعرضين لانبعاثات المحارق في الوقت الحاضر والتي اعتبرها المعهد غير ممثلة للحقيقة باعتبار ان التعرض لانبعاثات المحارق الحالية هي نسبة ضئيلة جداً. وتتشاطر هذا الرأي ايضا الوكالة البريطانية للحماية الصحية باعتبار ان المحارق الحديثة تساهم بصورة ضئيلة ومحدودة في انبعاثات الملوثات الى البيئة بالنسبة للسكان المجاورين للمحارق.
الكيل بمكيالين
تتعارض الدراسة الآنفة الذكر مع دراسات اخرى ترى ان الاوروبيين يكيلون بمكيالين بالنسبة للمحارق ويعتبرون محارق النفايات مصدرا من مصادر الطاقات المتجددة، فيما الحقيقة هي انّ الحرق كسياسة للتخلص من النفايات المنزلية في البلديات، يجب ان يكون في آخر هرميات ادارة النفايات الستة (التخفيف، اعادة الاستخدام، اعادة التدوير، انتاج الطاقة المستعادة، الطمر والتخلص) ويجب ان لا يكون على حساب مبدأ التخفيف من النفايات واعادة الاستخدام والتدوير وتفادي الطمر، خصوصاً بالنسبة للنفايات العضوية التي ينتج منها غاز الميتان الذي ينبعث الى البيئة. هذا بالاضافة الى ان الانبعاثات الناتجة من المحارق يتم احتسابها كاعتمادات في اسواق الكربون العالمية، وهو ما يتعارض مع التكامل البيئي والتخفيف من الانبعاثات المسببة لظاهرة البيت الزجاجي والعمل على التنمية المستدامة ونقل التكنولوجيا النظيفة الى البلدان النامية التي تدعي أوروبا أنها تنتهجها تحت مبدأ «آلية التنمية النظيفة» التي نصت عليها اتفاقيات تغير المناخ.
تنطبق قاعدة الكيل بمكيالين ايضا على مشاريع الدول الاوروبية في الدول النامية في مجال ادارة النفايات والتي عادةً ما تكون غير مسموح بها على الاراضي الاوروبية، وخصوصاَ في ما يتعلق بالمواد السامة المنبعثة من مراكز معالجة النفايات واستبدال التدوير بالحرق. لذا فإن الجمعيات المناهضة للحرق وطمر النفايات العضوية تدعو الى عدم احتساب اعتمادات الكربون الناتجة من طمر المواد العضوية (غاز الميتان المتصاعد الى البيئة) والمحارق التي لا تسترد الطاقة (طاقة انتاج الكهرباء من الحرق).
كما ان هذه الجمعيات تعتقد ان عملية التدوير في القطاع غير الرسمي تمثل 1% من اليد العاملة في البلدان النامية وان سياسة المحارق ستنقص من فرص التدوير وإنقاص اليد العاملة.
بين الحرق والطمر
ان المحارق تحتاج الى الوقود الاحفوري لتشغيلها والى طاقة كبيرة تتجاوز 800 درجة مئوية لتستطيع ان تحرق المواد الرطبة والتي غالباً ما تكون عضوية، هذا الى جانب صعوبة ادارة بقايا الحرق وطمرها نظراً لاحتوائها على مواد كيميائية سامة ناتجة من الحرق والتي غالباً ما تكون مسرطنة.
أما المدافعون عن المحارق فيعتقدون ان حرق النفايات العضوية يعتبر أسلم من التخمير الذي يمكن ان يتسرب منه غاز الميتان الى البيئة وان الحرق يقتل جميع الامراض التي يمكن ان تنتشر في البيئة وتصل الى المياه الجوفية عبر الاسمدة الناتجة من معالجة النفايات بالتخمير.
تعليق نقابات المحارق
نقل فيليب كولي في النشرة الالكترونية لجديد عالم البيئة Actu-Environnement في 27 حزيران 2012، تعليق مسؤول النقابة الوطنية لمعالجة وتثمين النفايات المدينية في فرنسا على المحارق (SVDU) Syndicat national du traitement et de la valorisation des déchets urbains وذلك إثر صدور الكتاب الأبيض «سياسة الحكومة حول المحارق» لمناقشة الاعتراضات على حرق النفايات، حيث أصدرت النقابة مقترحاتها للتوصل لأفضل الطرق للاستفادة من النفايات، وذلك على إثر الجدل الدائر على المستوى الوطني حول التحويل الطاقوي الذي أعلنت عنه الحكومة الجديدة.
اقترحت النقابة ضرورة إعادة الاعتبار الى النفايات المنزلية وتقييمها والاستفادة منها والخفض الى النصف من انبعاثات غازات البيت الزجاجي (GES) effect de serre à Gaz وان تعتبر الطاقة الناتجة من الحرق بمثابة طاقة متجددة بالمعنى الوارد في التعليمات الصادرة في 7/7/2011 والمتعلقة بتشجيع الكهرباء المنتجة من مصادر الطاقة المتجددة على مستوى السوق الداخلي لإنتاج الكهرباء.
واعتماداً على اتفاقية «غرونيل» البييئة وهي الاتفاقية التي حصلت على اثرها سلسلة من اجتماعات اللجان الوطنية (في غرونيل في منطقة في باريس) بخصوص البيئة حيث أعطت خيار الحرق مكانته كمصدر من مصادر الطاقة المتجددة، فإن النقابة تقترح أن لا تطبق بعض التدابير الصادرة عن «غرونيل» البيئية (من ضرائب وشروط) بالنسبة للمحارق التي تعطي مردوداً مرتفعاً من الطاقة. وكان الهدف الاساسي لهذه التدابير التي نصت عليها «غرونيل» البيئية، ترمي إلى الحد من الاعتماد على الحرق وخفض كمية النفايات المحروقة وفرض ضريبة عامة على كل النشاطات الملوثة الناتجة من النفايات المحروقة، اذ كانت تتوقع ان ينجم عن هذا الاتفاق الحد من كميات النفايات المطمورة أو المحروقة لغاية 60% من جزيرة فرنسا التي تقع باريس في نطاقها، حيث ستكون نسبة الخفض في النفايات المحروقة 15% والتي ستدرج في نطاق المخططات للتخلص من النفايات المنزلية. وأخيراً فإن الضريبة المفروضة على النشاطات الملوثة (Taxe generale sur les activités polluantes) والتي تطبق منذ العام 2009 على النفايات المنزلية المحروقة، يتوقع أن ترتفع بصورة تصاعدية حتى العام 2013.
أما بالنسبة للمحارق التي سيكون مردودها الطاقوي يساوي 60% فيأمل رئيس النقابة فاليز ان يتمكن من إسماع صوتهم إلى الوزراء المعنيين لأخذ هذه الحالات بعين الاعتبار، معللين ذلك بأن قرارات غرونيل - البيئة غير مقدسة.
أما سلسلة الاقتراحات التي تسمح بمضاعفة الطاقة المنتجة من قبل المحارق (حاليا 50% من طاقة النفايات المنزلية المعالجة بواسطة الحرق)، تعتبر مهدورة كما قدرت النقابة وهذا يمثل 4 ملايين طن مواز للبترول في العام، أو ما يعادل الطاقة المنتجة من المفاعل النووي الرقم 1 في Fessenheim في أعلى الرين، وأضاف: إذا استطعنا مضاعفة إنتاج الطاقة من المحارق فيمكننا عندها إغلاق مفاعل Fessenheim.
ويبقى السؤال: هل هي بعد المسافة بين المحارق ومراكز التدفئة في المدينة هي المسؤولة عن هذا الهدر في الطاقة؟ وهل الاستثمارات المكلفة التي ستنفق على هذا الربط بين هذه المراكز والمحارق ستخفض هذا الهدر بعد الانتهاء من الربط؟
وتقترح النقابة تطوير عملية تقييم المردود الحراري كمكمل للمردود الكهربائي عبر تدابير خاصة. حيث انها اقترحت تمديد العمل بالاعتماد المالي لمشروع الحرارة المتجددة في إطار وكالة البيئة وضبط الطاقة (ademe) التي تسهّل عملية إنشاء وتوسيع شبكات الحرارة بين المراكز الحرارية للتدفئة في المدن والمحارق. وكذلك خفض او الغاء الضريبة عن الطاقة المنتجة من المحارق (التي كانت مرتفعة في فصل الشتاء حيث يزداد الطلب على الطاقة ومنخفضة في باقي الفصول) حيث اقترحت النقابة جعلها ضريبة ثابتة في كل الفصول مما يشجع على استرداد الطاقة كمكمل لإنتاج الكهرباء.