
كتبنا في صفحة "بيئة" أكثر من مقال منذ أكثر من عشر سنوات، عن لا جدوى المشاريع الصغيرة، من محطات تكرير المياه المبتذلة ومحطات معالجة زيبار الزيتون ومعامل معالجة النفايات المنزلية الصغيرة. ونقلنا تحذيرات العديد من الخبراء البيئيين المجردين، غير المرتبطين
كتبنا في صفحة "بيئة" أكثر من مقال منذ أكثر من عشر سنوات، عن لا جدوى المشاريع الصغيرة، من محطات تكرير المياه المبتذلة ومحطات معالجة زيبار الزيتون ومعامل معالجة النفايات المنزلية الصغيرة. ونقلنا تحذيرات العديد من الخبراء البيئيين المجردين، غير المرتبطين بمشاريع وشركات استشارية او استثمارية في البيئة... ان هذه المشاريع التي يتم تمويلها من قبل جهات دولية بمبالغ صغيرة نسبيا ( بين 50 و200 ألف دولار أميركي)، والتي تحصل بالتعاون مع بلديات وليس مع وزارات وإدارات ، بناء على خطط وطنية شاملة... لن يكتب لها النجاح، لأنها فوق قدرة البلديات على تشغيلها وصيانتها في ما بعد... وإن الحل الأفضل ان يتم جمع كل هذه التبرعات في مشروع واحد مركزي وكبير، يأتي من ضمن خطط الحكومة الشاملة، ويتم تشغيله ضمن موازنات الدولة، او بعد إيجاد إطار تشريعي ملزم ومواصفات وأطر تنظيمية شاملة. إلا ان كل هذه التحذيرات كانت تصطدم بعوائق عدة أهمها: إهمال الوزارات المعنية وضعف نظرها وتخطيطها وتأخرها في إيجاد الحلول للمشاكل الجدية المطروحة، ضعف السلطات المحلية أمام إغراءات التعامل مع جهات دولية ومنحها، ولو كانت صغيرة، وأمام فكرة تصوير نفسها بأنها تقوم بإنجازات ما أمام ناخبيها، بالإضافة الى ضعف أصحاب النظريات المحذرة لناحية التواصل مع الناس او لناحية اقتراح البدائل العملية... في وقت كانت تسود نظرية ان المشاكل تتراكم وتزداد، وأن السلطات المحلية (والسكان) لا يستطيعون ان ينتظروا الدولة ومشاريعها.
كما لا بد من الإشارة الى ان وزارة البيئة على سبيل المثال، كانت تعرف بلا جدوى هذه المشاريع وبتعثرها، وقد صارح الوزير السابق الجهات المانحة بهذه الحقيقة، ولكن الوزارة لم تقدم البدائل الشاملة والكاملة، وقد ضاعت المسؤوليات مع تضارب الصلاحيات بين الوزارات لإدارة هذه المشاكل. ففي حين يطلب من وزارة البيئة إيجاد التشريعات والسياسات لحماية البيئة من مصادر التلوث كافة، كانت وزارة البلديات من الصندوق المستقل هي التي تمول، بالإضافة الى دور وزارة الطاقة التي منحت صلاحية إدارة المياه المبتذلة، بالإضافة الى مجلس الإنماء والاعمار الذي بدا بتنفيذ العديد من محطات التكرير، ولا سيما على طول الشريط الساحلي، بالإضافة إلى خططه لإنشاء المطامر والمعامل لمعالجة النفايات، بالإضافة الى وزارة التنمية الادراية التي كلفت بإدارة مشاريع صغيرة للنفايات مع بعض البلديات، بالرغم من أن هذا الموضوع ليس من صلاحياتها!...
فهل يعاد النظر في كل هذه المواضيع مع انطلاقة الحكومة الجديدة، فتستعيد الدولة دورها في وضع الخطط الوطنية الشاملة وتحديد الصلاحيات وإدارة هذه المشاريع... فتتوقف هذه الفوضى ولا يتكرر هذا الهدر في مناطق أخرى؟
لأخذ العبر من التجارب الفاشلة، ماذا تقول تجربة معامل حوض الحاصباني؟
حاصبيا ـ طارق أبو حمدان
استحوذ الوضع البيئي في حوض نهر الحاصباني ومتفرعاته على اهتمام لافت من بعض المؤسسات الدولية، الممولة من جهات أجنبية وخاصة وكالة التنمية الأميركية، التي عملت منذ أكثر من 10 سنوات عبر مؤسسة «مرسي كور» و«جمعية الشبان المسيحية»، وبالتنسيق والتعاون مع بلديات القرى المحيطة، على إنجاز مشاريع بيئية هدفت لحماية مياه نهر الحاصباني وروافده من التلوث، عبر بناء محطات تكرير لزيبار الزيتون والمياه المبتذلة، وصل عددها إلى حدود 20 محطة موزعة على جانبي مجرى الحاصباني وبطول حوالي 30 كلم، انطلاقا من بلدة الوزاني غربا وحتى مرج الزهور شرقا.
التوجه نحو الخطة البيئية هذه بدأ خلال فترة الاحتلال الإسرائيلي لما كان يسمى بـ«الشريط الحدودي»، وبمباركة ورعاية من قيادة الاحتلال الإسرائيلي، التي كلفت في تلك الفترة، حسب تقارير جهات متابعة، فريقا فنيا بيئيا اجرى دراسة مفصلة حول الوضع البيئي في حوض الحاصباني، وتأثيراته السلبية على شمالي فلسطين، ان لجهة المياه الجوفية في خزان المياه الكبير عند الأقدام الغربية لجبل الشيخ، أو لناحية البرك وأهمها بركة طبريا التي تتجمع مياهها من الأنهر والجداول اللبنانية وبخاصة الحاصباني والوزاني وسريد.
وتشير هذه التقارير الى ان دراسة الفريق الفني البيئي الإسرائيلي في تلك الفترة، تضمنت كميات المياه التي تصب في شمالي فلسطين، والمجاري التي تنقل المياه المبتذلة وزيبار الزيتون الى مجرى الحاصباني انطلاقا من القرى المحيطة، حيث تبين ان نسبة حوالى 85% من الزيبار والمياه المبتذلة تصب في شمالي فلسطين، خاصة مع طوفان النهر.
وضع التقرير جملة حلول واقتراحات للتخلص من هذه المشكلة البيئية، ومنها معالجة الزيبار والمياه المبتذلة في مصادرها وقبل وصولها الى مجرى النهر، من خلال استحداث سدود وبرك لتجميعها وتجفيفها عبر اشعة الشمس، إضافة إلى إقامة محطات تكرير بتقنيات عالية تبقي المواد الفاسدة في اماكنها وتنساب المياه صافية الى المجرى.
وفي أعقاب انجاز التقرير، بدأت الخطوة التالية وهي نشر الفكرة في قرى حوض الحاصباني، تحت شعار حماية النهر من التلوث والحفاظ على الثروة السمكية والبساتين والمزروعات... فكانت حملة دعائية واسعة سهلة التسويق لميزات هذا المشروع الإيجابية، بحيث تعمم هذا الاتجاه وبات هم المسؤولين المحليين في القرى.
شكوك حول الأهداف والخلفيات
في هذا الجو انطلقت اولى محطات تكرير المياه المبتذلة عام 1999 في بلدة الوزاني الصغيرة، والأقرب إلى حدود الدولة العبرية، والتي لا يفصلها عن حدود فلسطين المحتلة سوى كلم واحد. بعدها كرت سبحة المحطات شمالا وبمحاذاة الحاصباني، وصولا حتى بلدة مرج الزهور... ليصل عددها الى 20 محطة. علما بأن عدد محطات التكرير في كامل المناطق اللبنانية بحدود 60 محطة.
هذا العدد المرتفع لمحطات التكرير والتي حظي بها حوض الحاصباني، وبكلفة فاقت مليونا ونصف مليون دولار أميركي، توقفت عندها الجهات المراقبة للوضع الجنوبي مليا، فكان السؤال: «لماذا هذا الاهتمام الذي فاق كل اعتبار لمياه الحاصباني وسلامة البيئة في حوضه؟» لتتحول الأنظار فورا الى الكيان الصهيوني ومطامعه المزمنة بالمياه اللبنانية وخاصة منابع جبل الشيخ، وسعيه الدؤوب للحصول على المياه الصافية، بعيدا عن اي تلوث الى شمالي فلسطين. وهنا يتساءل رئيس بلدية كفرشوبا عزت القادري، عن حماس وكالة التنمية الأميركية المنقطع النظير في تمويل كل هذه المشاريع البيئية عند حوض الحاصباني، في حين رفضت مؤسسة «مرسي كور» إقامة مشروع للصرف الصحي في محيط كفرشوبا، أو شق طرقات زراعية لصالح مزراعي هذه البلدة، مشيرا الى انه كان قد ارسل عدة كتب بهذا الخصوص الى هذه المؤسسة، يطالبها بإقامة محطة تكرير للمياه المبتذلة. أول هذه الكتب وجه بتاريخ 4/3/20003 تحت رقم 368، والثاني يطالب شق طرقات حمل رقم 369 تاريخ 9/12/2003، والثالث حمل رقم 61 تاريخ 4/3/2006 لإقامة مشاريع انمائية. وقد أهملت «ميرسي كور» كل هذه الكتب «دون ان تكلف نفسها حتى عناء تبرير رفضها لتلبية مطالبنا»، كما يقول. ويعتبر القادري ان رفض بناء محطة تكريرللمياه المبتذلة في كفرشوبا، «يعود بشكل أساسي لبعد البلدة عن مجرى الحاصباني، وبالتالي عدم استفادة مياه الحاصباني التي تصب في شمالي فلسطين من هذه المحطة، وهذا يتناقض واهداف «مرسي كور» الأساسية من تمويل هذه المشاريع البيئية في قرانا النائية». لينهي بالقول: «كل ما هو حاصل على ارض الواقع من هذه المشاريع البيئية هنا، رفع التلوث عن مجرى الحاصباني لتصل مياهه الى شمالي فلسطين نظيفة بالدرجة الأولى، ومن بعدها رفع التلوث عن قرانا... لكن ما حصل كان مناقضا للخطة المرسومة، بحيث فشلت المحطات وانحرفت عن اهدافها لأسباب تقنية. فالتلوث البيئي ضرب وبنسبة كبيرة محيط قرانا خاصة في مواقع اقامة المحطات، وبقيت ايضا المياه المبتذلة والزيبار تصب في الحاصباني".
اسباب الفشل
مصادر بلديات قرى حاصبيا قدرت امكانية تكرير المحطات المنتشرة في حوض الحاصباني سنويا بحوالى 980000 م3 من المياه المبتذلة و47000 م3 من زيبار الزيتون، هذا في حال تم تشغيلها بشكل متواصل. لكن ما هو حاصل ان اكثر هذه المحطات تعطلت بعد فترة قصيرة من تشغيلها وتوقفت عن العمل، بحيث تحولت عن مسارها لتصبح مصدر تلوث بيئي كبيرفي نقاط اقامتها المحاذية للقرى، ليطال الضرر البيئي لكل منها دائرة يصل قطرها الى حوالى 1,5 كلم في النقطة حيث توجد، وذلك لعدة اسباب، كما يشير المهندس سعيد زاهر المسؤول سابقا في مؤسسة «مرسي كور»، والذي اشرف على اقامة العديد من هذه المحطات ومنها:
. وقف الصيانة الدورية لهذه المحطات والتي انيطت حسب اتفاق بين الميرسي كور والجهات المحلية في القرى بالبلديات بشكل خاص،علما بأن ميرسي كور كانت قد اجرت دورات تدريبية عبر فنيين تابعين لها لموظفين في البلديات، على ان يتابع هؤلاء اعمال الصيانة اليومية، لكن هذه الصيانة توقفت خلال فترة قصيرة والحجة العجز في ميزانيات البلديات وعدم التمكن من دفع اجرة العمال.
ـ توجه المؤسسة الى النوع الميكانيكي المعقد في اقامة المحطات الجديدة، وهذا النوع كلفة تشغيله مرتفعة وهو بحاجة الى تيار كهربائي دائم غير متوفر في لبنان كما هو معروف، والبلديات تعجز حتما عن توفير الميزانية المرتفعة للتشغيل بهذه الطريقة.
المهندس زاهر اشار الى ان محطات التكرير هذه تفاوتت كلفة الواحدة منها ما بين 50 الفا و 500 الف دولار اميركي، وذلك حسب سعتها وقدرتها، بحيث تجاوز المبلغ المصروف على اقامة المحطات في حاصبيا حدود 1،5مليون دولار، وكانت محطة حاصبيا الأفضل بشهادة فريق فني اميركي قام بالكشف عليها، لكن الإهمال وعدم الصيانة عطلها وبعد فترة قصيرة من تدشينها.
تحول المحطات الى مصدر للتلوث!
ابناء القرى حيث اقيمت المحطات يلعنون الساعة التي وافقوا فيها على اقامتها، بحيث تحولت عن غايتها وباتت مصدرا رئيسيا لتلويث البيئة المحلية في نقاط تواجدها، فباتت محطة حاصبيا مثلا، حسب المواطن حمودي خداج، مصدرا لتلوث الحي الغربي للبلدة والذي يضم حوالى 100منزل و50 متجرا، وفي عين قنيا عملت البلدية حسب رئيسها محمود علود على اقفال المحطة وحولت المياه المبتذلة عنها لتصب في جدول يتجه ناحية الحاصباني، وذلك بعدما سجلت حالات مرضية عدة ومنعت الروائح السكان من الوقوف على شرفات منازلهم، ويضيف علود «أنشأت «مرسي كور» محطة جديدة لزيبار الزيتون لم تشغل بعد، والسبب كلفة التشغيل المرتفعة وعدم توفر اليد العاملة المتخصصة في صيانة مثل هذا النوع من المحطات». وفي الهبارية ارتفعت شكوى الأهالي من الروائح المنبعثة في كل اتجاه، من محطة التكرير كما يقول المختار وجيه ابو همين والعديد من ابناء البلدة المحاذية منازلهم للمحطة التي شاخت وهرمت. وفي ميمس نظم العديد من المزاعين عريضة طالبوا فيها الجهات المعنية بالعمل سريعا على تهديم المحطة، المقامة وسط بساتين الزيتون ودفع التعويضات المستحقة لأصحاب الأملاك والحقول والتي تلفت أشجارها، بسبب الأمراض غير المعروفة التي ضربتها، بحيث باتت تهدد عشرات بساتين الزيتون وأصحابها في الطرف الغربي للبلدة.
مشروع لمحطة كبيرة!
وفي دراسة بيئية أعدها الدكتور نبيل عماشة تحت عنوان (الواقع البيئي لقضاء حاصبيا وسبل حمايته)، جاء أن
كمية زيبار الزيتون التي تصب في مجرى الحاصباني سنويا وخاصة في بداية الخريف تقدر بـ13727743 ليترا، وهي ناتجة عن 33 معصرة موزعة على مسافة قريبة من ضفتي النهر، في حين قدرت الدراسة كمية المياه المبتذلة التي تصل الى مجرى النهر عبر عدة جداول انطلاقا من القرى المحيطة بـ800000 ليتر يوميا. وذكرت الدراسة أن كافة محطات التكرير المقامة منذ أكثر من 10 سنوات معطلة بسبب افتقارها لأعمال الصيانة، وعدم قدرة البلديات على تشغيلها لارتفاع كلفة ذلك في ظل غياب الكادر المتخصص والتمويل. وأضاف عماشة في دراسته بأن هذه المحطات باتت علة واضحة لأمكنة إقامتها وبؤر للتلوث الكبير والخطر، مشيرا الى إمكانية حل هذه المشكلة عبر مشروع جديد باشر مجلس الإنماء والإعمار إعداد الدراسة له، بتمويل من البروتوكول الإيطالي، ويقضي بإقامة محطة تكرير كبيرة وبتقنيات حديثة، لكافة القرى في حوض الحاصباني عند الطرف الغربي لبلدة حاصبيا، بكلفة 5 ملايين دولار اميركي على ان يباشر العمل فيها خلال فترة عام.
الناشط البيئي الدكتور امين شميس الحمرا دعا إلى ضرورة ايلاء الوضع البيئي في حوض الحاصباني كل اهتمام، ووضعه في سلم أولويات كافة الجهات المعنية، خاصة ان هذا النهر الدولي تستفيد منه عدة دول ومنها اضافة الى لبنان فلسطين والأردن، علما انه ليس للبيئة حدود جغرافية محددة. الدكتور الحمرا كشف أن مكتب النائب انور الخليل اجرى دراسة بيئية شاملة ومفصلة للوضع البيئي في حوض الحاصباني عبر خبراء مختصين، وذلك بهدف تحديد السبل الناجعة لبيئة نظيفة في هذا الحوض وقد خلصت الدراسة إلى حصر التلوث بزيبار الزيتون ومياه الصرف الصحي والمياه المبتذلة الناتجة عن المتنزهات والمنازل المحيطة بالنهر وفضلات المتنزهين وبعض الأسمدة والأدوية الزراعية التي يرميها المزارعون.
وطرحت الدراسة إلزام أصحاب المعاصر بنقل الزيبار عبر صهاريج بعيدا عن مجرى النهر، أي إلى مجمع يقام فوق ارض لها مواصفات جيولوجية محددة، وحسب مواصفات فنية عالمية تمنع تلوث المياه الجوفية. وإنشاء محطة تكرير مركزية لحاصبيا وقرى الحوض في أدنى مستوى ممكن أسفل القرى، تصب فيها المياه المبتذلة العائدة لكافة قرى الحوض، على ان يشمل المشروع انجاز شبكات للصرف الصحي في القرى حيث لا توجد شبكات صرف، شرط وضع هذه المحطة تحت إشراف الدولة مباشرة، وتناط بها مهمة تشغيلها وصيانتها ومراقبة كل ما يتعلق بحسن سير عملها.
الكاتب: ح م
التاريخ: 26/1/2010