
لماذا يتجه لبنان للتوسع في استخدام المازوت في قطاع النقل؟: «تصنف الانبعاثات من محركات الديزل (المازوت) من الآن وصاعدا على أنها مسرطنة بالتأكيد للإنسان». هذه النتيجة الحاسمة صدرت مؤخرا عن المركز الدولي للدراسات السرطانية التابع لمنظمة ... التفاصيل
«تصنف الانبعاثات من محركات الديزل (المازوت) من الآن وصاعدا على أنها مسرطنة بالتأكيد للإنسان». هذه النتيجة الحاسمة صدرت مؤخرا عن المركز الدولي للدراسات السرطانية التابع لمنظمة الصحة العالمية.
كان المركز نفسه منذ العام 1988 قد وضع انبعاثات الديزل في خانة المسرطنة ولكن «المحتملة»، إلا أن الأبحاث المستمرة منذ ذاك التاريخ قد أكدت أن الانبعاثات تتسبب على الأقل بسرطان الرئة.
الدراسة التي صدرت رسميا في آذار العام 2012، اعتبرت أيضا ان الانبعاثات الناجمة عن محركات سيارات البنزين لا تزال مصنفة ضمن المسرطنة «المحتملة».
هذه النتيجة الحاسمة ستعيد خلط كل الأوراق والاستراتيجيات في قطاعي النقل وإنتاج الطاقة في العالم، لا سيما في البلدان الأوروبية التي تصل نسبة استخدام سيارات الديزل فيها الى 60%. كما يفترض ان تساهم في إعادة النظر بمقولة التفريق بين الانبعاثات المسببة بتغير المناخ وتلك المضرة بالصحة. فتأكيد تسبب الديزل بالأمراض السرطانية سيجعله اقل تنافسية للبنزين الذي كان يعتبر مسببا اكبر بمشكلة تغير المناخ العالمية بسبب انبعاثات ثاني اوكسيد الكربون الناجمة عن احتراقه.
كما ان هذه النتيجة الجديدة ستضع حدا للفصل بين قضايا البيئة والمناخ وقضايا الصحة، بالاضافة الى مختلف القضايا الاقتصادية والاجتماعية، نظرا لما يلعبه الوقود (الطاقة) من دور في الحياة المسماة «عصرية».
كما يفترض ان يحصل تغيير في السياسات التي كانت تدعم الديزل، ان لناحية تشجيع استيراد سيارات الديزل وتصدير سيارات البنزين، او لناحية تبديل الضريبة على الوقود. وقد ظهرت دعوات أوروبية سريعة في الأيام الأخيرة لرفع الضريبة على وقود الديزل بنسبة 20% مقارنة بالضريبة على وقود البنزين. صحيح ان هذا الاقتراح لم يتحمس له البرلمان الأوروبي أثناء طرح الموضوع في نيسان الماضي وطلب تأجيل البت به، إلا أن حجة التأجيل لم تكن بسبب التشكيك بالنتائج، بل لان رفع أسعار المحروقات سيفاقم الأزمة المالية والاقتصادية التي تضرب منطقة اليورو مؤخرا.
لكن ما ستكون انعكاسات هذه النتيجة على بلد مثل لبنان، يتجه منذ مدة الى التوسع في استخدام الديزل في قطاعي إنتاج الطاقة والنقل (بالإضافة الى الزراعة وإنتاج الطاقة المنزلية)، بعد الزيادة الكبيرة في استخدام المولدات الخاصة بسبب زيادة التقنين، وبعد إقرار مجلس الوزراء مشروع قانون يسمح باستيراد واستخدام سيارات الديزل في لبنان!؟
إن اول نتيجة متوقعة لهذه التطورات العلمية والصحية، هي سعي الشركات الكبرى التي تصنع محركات وسيارات الديزل إلى تسريع محاولة تصديرها الى البلدان النامية (مثل لبنان) بأسعار تشجيعية وتنافسية، مع العلم ان هذه المحاولات كانت جارية منذ سنوات، لكون التهمة لمحركات الديزل ولا سيما للجزيئات الدقيقة التي بقيت تنبعث من محركات الديزل، بالرغم من تعديل وتطوير هذه المحركات وتحسين الفلترة عبر العوادم... لكون هذه التهمة كانت معروفة منذ العام 2000 تقريبا، وقد وضعت الكثير من الشركات خططا متوسطة المدى للتخلص من هذه التقنية، بعد توقع رفع الضرائب على المحركات والمحروقات معا في البلدان المصنعة.
لهذا يتوقع المراقبون هجمة جديدة لسماسرة تلك الشركات على السوق اللبنانية وعلى ممثلي الشعب في البرلمان لتمرير اقتراح القانون الذي اقره مجلس الوزراء في جلسته المتسرعة في 28/3/2012، الذي يجيز استيراد سيارات الديزل واستخدامها في لبنان.
لكن على المناضلين منذ العام 2000 ضد التوسع في استخدام الديزل في حركة النقل، ان يأخذوا بالاعتبار هذه المعطيات الجديدة وعملية التوسع التي حصلت في استخدام وقود الديزل في المولدات الخاصة، منذ ذلك التاريخ، لتقدير حجم المخاطر وحجم المهام المطلوبة للمعالجة.
حجم استخدام الديزل في لبنان
بحسب الشركات النفطية، تبلغ كمية المازوت الأخضر المستوردة سنويا بحدود 350 ألف طن، أما المازوت الأحمر الذي يتم استيراده من قبل وزارة الطاقة والمياه من دون سواها فيقدر بمليون و200 ألف طن سنويا. من دون تحديد الكميات المهربة التي قلت كثيرا في الفترة الأخيرة بسبب الأحداث السورية. في حين تبلغ كمية البنزين المستوردة سنويا حوالي مليون ومئة ألف الى مليون 800 ألف طن.
علما بأن حجم الفاتورة النفطية في لبنان هو بحدود مليار ونصف مليار دولار أميركي لمادتي البنزين والمازوت، مع الرسوم والضرائب التي يتم وضعها لأسباب تمويلية وليس لأسباب أخرى، لا سيما بيئية او صحية.
ومع توقع ارتفاع الطلب السنوي العالمي على المشتقات النفطية، يمكن الجزم ان موضوع تلوث الهواء في لبنان سيشكل المشكلة رقم واحد في لبنان، في ظل السياسات الخاطئة المعتمدة لاسيما في قطاعات النقل والطاقة.
قطاع النقل
يعاني قطاع النقل في لبنان من مشاكل كبيرة أولاها غياب التنظيم. وتعاني المدن الرئيسية، لا سيما في منطقة بيروت الكبرى، من زحمة سير خانقة وفوضى عامّة وعارمة. فماذا يمكن ان يحصل في حال تم التوسع في استخدام الديزل في قطاع النقل؟
بلغ حجم أسطول المركبات في لبنان عام ۲۰۰۳ ما يقارب ١،١٨٠،٧٧٤ (وزارة البيئة، 2005) وكان يُتوقّع أن يرتفع عدد تنقّلات الركاب اليومية من مليون ونصف المليون عام ۱۹۹۵ إلى خمسة ملايين عام ۲۰۱۵. إضافةً إلى ذلك، تعاني الطرقات والتقاطعات الرئيسية قدرة غير كافية على استيعاب هذه الحركة ما يزيد المشكلة حدّةً. واذ يعرف المتابعون ان معظم السيارات في لبنان قديمة نسبياً ( يبلغ عمر أكثر من ٦۲% من أسطول المركبات اكثر من ثلاث عشرة سنة وفقاً لبيانات صادرة عن مكتب تسجيل السيارات ووزارة البيئة)، وان معدّل عمر سيارات الأجرة يقدّر بحوالي ثلاثين عاماً، نظراً إلى أنّ معظمها من طراز مرسيدس ۲۰۰/۲۳۰ (صناعة ما بين العامين ۱۹٧۵ و۱۹٧۹) (وزارة البيئة، ۲۰۰۵)... فكيف ستكون الحال مع التوسع باستخدام الديزل حتى في السيارات الجديدة !؟
مقارنةً مع الدول المتقدّمة، تبلغ معدّلات الانبعاثات في الجو للمركبة في الكيلومتر أو للمركبة في ساعة واحدة من الزحمة نسباً أعلى مما هي عليه في هذه الدول. ووفقاً للقوائم الوطنية لحصر غازات الدفيئة لعام ۲۰۰٤، فإنّ ١٩،٥% من انبعاثات غازات الدفيئة في لبنان تصدر عن قطاع النقل (أي ما يعادل ٣،٦٧٩ جغ من مكافئات ثاني أوكسيد الكربون، بحسب التقرير الوطني لوزارة البيئة)، فهل تم اجراء دراسة مقارنة لمعرفة حجم ونوع الانبعاثات في حال تم التوسع في استخدام الديزل قبل السماح باستخدامه؟!
ملكية الآليات
بالاضافة الى مشكلة نوع الوقود، هناك مشكلة اكبر تتمثل في كون نسبة ملكية الآليات في لبنان عالية جدا. وتشير آخر الأرقام الصادرة عن مجلس الإنماء والإعمار (العام ۲۰۱۰) إلى أنّ ملكية السيارات تقارب الـ۵۲٦ سيارة لكل ألف شخص. وهي من اعلى النسب العالمية ننافس فيها البلدان الغربية المصنعة للسيارات، ولا ينافسنا في هذه النسبة عربيا سوى دولة قطر، بحسب الأرقام الصادرة عن دراسات الاسكوا العام الماضي!
لكن، نظراً إلى ارتفاع أسعار المحروقات، لا بد من أن ترتفع الميزانية المطلوبة لتشغيل سيارة. وإضافةً إلى ذلك، إذا ما ترافقت إعادة هيكلة نظام الضرائب على الآليات مع معايير صارمة للانبعاثات، فمن المتوقّع أن يتراجع تدريجاً عدد السيارات القديمة. صحيح ان هذا الاتجاه يمكن ان يخفف من تلوث الهواء المديني في لبنان، الا ان التوسع في استخدام الديزل في النقل، سيضرب مثل هكذا انجازات ويدخلنا في مشكلة أعمق في المستقبل.
مشكلة نمو السير
تراوح نمو السير في لبنان بين العامين ۲۰۰۳ و۲۰۰٤ حوالى ٦،٨% وهو معدّل يفوق النمو الاقتصادي ويُتوقّع أن يبقى مستقرّاً خلال السنوات المقبلة، ما سيولّد المزيد من الزحمة الخانقة والمزيد من التلوث، لاسيما مع التوسع في استخدام سيارات المازوت، وضعف النقل العام. وقد أشارت دراسة أُجريت العام 2010 الى أنّ حصص التنقّلات في المدن تتوزّع كالتالي: ٦۰% للسيارات، ٧% لسيارات الأجرة، وحوالى ۲۰% للحافلات الصغيرة، بينما حصة الحافلات الكبيرة لا تتعدّى ۵%. وتظهر دراسة حديثة أخرى لمجلس الانماء والاعمار لم تنشر بعد، أن أسطول المركبات سيتطور كالتالي : ۱۸% للحافلات والباصات الصغيرة، و١،٧% للحافلات الكبيرة وحوالى ۸۰% للسيارات الخاصة (بما في ذلك سيارات الأجرة)، ما يعني ان التوسع في استخدام الديزل سيطال النسبة الاكبر المتوقعة أي ان نسبة الانبعاثات ستزيد عن 80% ايضا.
واذ يعاني قطاع النقل العام في لبنان مشاكل تنظيمية وتقنية كبرى، لا احد يستطـيع ان يتـوقع ان يوفّر نظام النقل العــام بنوعيته المتدنــية حاليا، حلا بديلاً مقبولاً للسيارات، ويبقى هذا الخيار حكرا على بعض المستخدمين الذين ليس لديهم خيار آخر.
وفقا لهذه الدراسة التي تتوقع المزيد من النمو لاستخدام السيارات الخاصة، ومع الاتجـاه لاستخدام الديزل في هذه السيارات، بالإضافة الى استخدام هذا الوقود الاكثر تلويثا في قطـاع الشــحن والاليات العسكرية والنقل العام غير المنظم... فاننا نتجه الى كارثة اكبر لناحية تلوث الهواء في لبنان.