
يعاني الإنسان المعاصر من أمراض وحالات مثل أمراض القلب، ارتفاع ضغط الدم، السكتة الدماغية، داء الزهايمر، ...
يعاني الإنسان المعاصر من أمراض وحالات مثل أمراض القلب، ارتفاع ضغط الدم، السكتة الدماغية، داء الزهايمر، بنـسب لم يسـبق لـها مثيل. يعود ذلك جزئياً إلى تحول مهمّ في نظامـنا الغـذائي، بحسب خبراء مثل د. أرتيميس ب. سيموبولس، رئيس مركز علم الوراثة، التغذية والصحة، في العاصمة الأميركية واشنطن، ومرجع مهم في كيفية تأثير النظام الغذائي على المرض. ويشير د. سيموبولس وكثيرون غيره إلى واقع أن أسلافنا الصيادين في العـصر الحـجري القديـم، أي مـنذ حوالي 250000 سنة خـلت، اتبعوا نظـاماً غـذائياً مؤلفاً من مجموعة متنوعة من الأطعمة الطبيعية ( لحم بري، سمك، خضار ورقية خضراء، فاكهة، مكسرات، جوز، لوز، بندق...) مما أدى إلى إحلال توازن قائم على حصص متساوية تقريباً من الأحماض الدهنية الأساسية أوميغا-3 وأوميغا-6. وخلال ذلك الوقت، تطورت بنية خلايانا ووظيفتها للاستفادة من توازن الأحماض الدهنية أوميغا-3 وأوميغا-6 داخل أغشية خلايانا.
ولكن، منذ بدايات الزراعة، ومع إدخال الحبوب كغذاء أساسي، اختل هذا التوازن بدرجة كبيرة، فازدادت الأحماض الدهنية أوميغا-6 بشكل مطرد على حساب أحماض أوميغا-3. وزادت سرعة هذه العملية منذ حوالي خمسين سنة، عندما استبدل علف المواشي بالحبوب (الغنية بأحماض أوميغا-6 ) بدلاً من العشب (الغني بأحماض أوميغا-3). وقد فاقم خبراء التغذية هذه المشكلة في الماضي القريب عندما شجعوا الناس على أكل المرغرين بدلاً من الزبدة كطريقة لتفادي الدهون المشبعة. مع العلم ان المرغرين عبارة عن زيت مهدرج ومحوّل تضاف إليه مواد اصطناعية للحصول على قوام الزبدة المرهمي وهو من أسوأ أنواع الدهون لصحة القلب والشرايين.
أدى ذلك إلى زيادة ملموسة في ردة فعلنا الالتهابية بحيث يستمر الالتهاب بشكل مزمن بعد زوال المنبّه الأساسي (كالإصـابة مـثلاً أو المرض) بوقت طويل. وزيادة الالتهاب الشبيهـة بالوبـاء التي نجدها في السرطان، أمراض القلب، الحساسية، السكري، الأمراض الذاتية المناعة، داء الزهايمر، وغيرها من العلل، تعود جزئياً إلى عـدم التـوازن في الأحماض وعدم حصولنا على نسبة كافية من الأوميغا-3 مقارنة بالأوميغا-6.
لذلك يأتي كتاب «قوة الشفاء بزيت السمك»، تأليف الدكتور جوزف مارون وجيفري بوست، ترجمة إيلفيرا نصّور، الصادر عن دار الفراشة حديثا، للتشديد على أهمية السمك وزيت السمك في إعادة التوازن الى الأحماض الدهنية... ما يساهم بدوره في ضبط الضغط في العينين، المفاصل، والأوعية الدموية وتوسيع وتضييق الأوعية الدموية وتنظيم الدورة الدموية وضبط عمل العضلات وتنظيم جريان المواد من الخلايا واليها ونقل الأوكسجين من كريات الدم الحمراء إلى الأنسجة والمحافظة على حسن عمل الكليتين وعلى توازن السوائل والوقاية من الجلطات الدموية... وغيرها من الوظائف.
وتبقى الإشارة الى ان الاكتشافات التي دلت ان الإنسان في العصر الحجري الذي كان يتناول اللحم البري، لم يكن يتناول الكثير منه لصعوبة توفره. وبالتالي كان نظامه الغذائي الأساسي يعتمد على كل ما ينبت بالإضافة الى الأسماك والكائنات البحرية.
كما يجد علماء الغذاء صعوبات كبيرة في تتبع اثر الغذاء عبر العصور وأشكاله، وذلك عبر الاعتماد على تقنيات مختلفة، لا يزال الخلاف حول مدى مصداقيتها كبيرا جدا. واذ يعتمد البعض على دراسة الفك من بقايا الهياكل العظمية، يدرس البعض الآخر تركيب العظام، بينما يشدد البعض الآخر على تركيبة بقايا الأسنان. بالرغم من كل ذلك، هناك إجماع على نباتية الإنسان الأول وعلى اعتباره قطافا وجماعا قبل ان يعرف الأدوات وقبل ان يصبح صيادا. ولذلك لا يزال الكائن الأقرب الى الطبيعة، هو الكائن النباتي، مهما تطورت الأدوات، وقد اثبتت معظم الدراسات الحديثة غير المجردة وغير المرتهنة لشركات لها منتجات في الأسواق، ان على الإنسان الحديث ان يعتمد على ما تقدمه الطبيعة أولا (قبل مرحلة التصنيع والصيد)، مع نظام رياضي مناسب، مع إعادة النظر بالوضع النفساني الذي فرضته الحياة العصرية والدخول في نظام آخر مختلف، بعيد عن ضجيج وصخب الحضارة المسيطرة التي نعرفها اليوم.