الصنوبر يحتكره التجّار.. والمزارع يتكبّد التعب

الصنوبر يحتكره التجّار.. والمزارع يتكبّد التعب
تتدرج بيوتات بلدة سنيا في قضاء جزين بين أحراج الصنوبر المتناثر فيها، مشهد أخضر مفعم بألوان النقاء، والحياة كخلية ...

الصنوبر يحتكره التجّار.. والمزارع يتكبّد التعبتتدرج بيوتات بلدة سنيا في قضاء جزين بين أحراج الصنوبر المتناثر فيها، مشهد أخضر مفعم بألوان النقاء، والحياة كخلية نمل لا تتوقف، فنساء البلدة ينشغلن بإعداد أصناف وأنواع من المونة البلدية، وعمّال قطاف الصنوبر يعملون في الخارج، يتقون البرد بمعاطف بلاستيكية تساعدهم على الحركة، فموسم هذا العام بدأ متأخراً، والعاصفة ألكسا كسرت الكثير من الأغصان.

تحافظ بلدة سنيا في قضاء جزين على أحراج الصنوبر فيها، وتقوم بحملات تشجيرية كل عام، حيث يعدّ هذا القطاع الأول بين الزراعات الأخرى كالزيتون والعنب، ويعتبر قطاف الصنوبر مصدر رزق للعديد من أهالي البلدة، الذين أصبحوا يتوجهون إلى بلدات حيطورة وزحلتي وبكاسين لاستثمار أحراجها، يطلقون على الصنوبر "الذهب الأبيض"، نظراً لارتفاع سعره عند المبيع، لكن التكلفة والتعب الذي يتكبده المزارع تجعله قليل الربح، والخيارات الزراعية الأخرى ليست متوافرة على مدار السنة، فزراعة الزيتون والكرمة أيضاً موسمية، والأهالي يبرمجون أعمالهم حسب مواسم هذه الزراعات.

الانتداب الفرنسي
يساعد الطقس البارد لمنطقة أعالي شرق صيدا في نموّ هذه الشجرة، التي تعتبر "أجنبية" أمام نظيراتها من الأشجار الأخرى كالسنديان واللزاب. يتذكر طنوس نمر الرجل الثمانيني أن هذه الشجرة أتت مع الانتداب الفرنسي، وينقل عن أجداده أن الفرنسيين زرعوها لتذكرهم بالمشهد الأخضر في بلادهم، لكنها سرعان ما تأقلمت مع طبيعة بلادنا وانتشرت في العديد من المناطق. وتعتبر أعالي بلدات شرق صيدا وجزين هي الأشهر من حيث نوعية الصنوبر الموجود فيها، ومن حيث المساحات الكبيرة للأحراج، إضافة إلى أنها تعتبر بلدات زراعية بامتياز بحيث تغيب معظم المحال التجارية عنها.
لا تحتاج شجرة الصنوبر الكثير من الرعاية عند زراعتها، فهي من فصيلة الأشجار الحرجية، التي تتحمّل العوامل الطبيعية القاسية، هذا ما يفسر أيضاً تنافس الكثيرين من أبناء المنطقة للعمل في هذا القطاع، خصوصاً بعد الأحداث السورية التي منعت دخول الصنوبر السوري أو التركي إلى لبنان، ما دفع التجار لتصديره إلى تركيا، ومنها إلى أوروبا، ساهم ذلك في ارتفاع سعره بشكل كبير ليصل إلى ما يقارب المئة الف ليرة، بسبب نفاد الكميات الموجودة في السوق المحلي.

العمل فردي
رحلة إنتاج الصنوبر مكلفة جداً، كما تقول أم رامي موسى لـ"السفير" التي بدأت مع أولادها منذ أكثر من ثلاث سنوات العمل في قطاف الصنوبر، فالعمل في هذا القطاع فردي، تغيب عنه الجمعيات الزراعية وخبرات المهندسين، بحيث تندر اليد العاملة الخبيرة اللبنانية، فإن العمال السوريين يحددون الأجر والدوام، بحيث وصلت يومية العامل الذي يقطف الصنوبر لأكثر من مئة ألف، مع تأمين صحي إلزامي يقوم به المزارع للعمّال خوفاً من المخاطر المحفوفة بهذا العمل.
يتطلب العمل في قطاف الصنوبر المجازفة بحيث يخضع اختيار الحرج للاستثمار، إلى تقدير شخصي من قبل المزارع، فإن وفّق، وكانت الأشجار مثمرة، كان عامه مميزاً، وإن أخطأ خسر كل شيء، وقد يغرق في ديون لا يستطيع سدادها.
يتراوح عقد ضمان الحرج من سنة إلى عشر سنوات، لقاء مبلغ سنوي لا يخضع لأي معيار، فإما يأخذ صاحب الأرض نصف الإنتاج، وإما يأخذ مقابلاً مالياً مرتفعاً، لتبقى المزادات العلنية التي تجريها البلديات بالنسبة للأحراج التابعة لها هي الأوفر حظاً من حيث عقد الاستثمار والمبلغ السنوي الذي تتقاضاه.

سطوح المنازل
بعد القطاف والتشحيل يمر إنتاج الصنوبر بمجموعة مراحل، تبدأ من التشميس على سطوح المنازل، وبعدها إخراج الصنوبر الأسود من الأكواز عبر الآلات خاصة، يقول المزارع يوسف نجم لـ"السفير": "عملية تكسير الصنوبر هي الأكثر كلفة، بحيث يختلف سعر تكسير "التنكة" (وهي وحدة القياس المعتمدة في الكسارات)، ما بين خمسة إلى عشرة آلاف ليرة". ومعظم أصحاب كسرات الصنوبر يشترون الحب الأبيض بسعر متدنٍ من المزارع، ويبيعونه لاحقاً لتجّار محددين يحتكرون هذا السوق، ليصدروا الإنتاج إلى الخارج.
تجلس سيدة روحانا لتغربل الحب الأبيض، وتفرزه بين باب أول وباب ثانٍ، حسب الجودة، تقول بأن كل 5 كلغ حب أسود يعطي كلغ حب أبيض، مؤكدة لـ"السفير" أنها لا تبيع إنتاجها للتجّار، بل يقصدها الزبائن من أصحاب المطاعم والمخابز والمحلات من مختلف المناطق اللبنانية، آملة بسوق لأبناء البلدة يعرضون فيه إنتاجهم من دون أن يتحكم التجار الكبار بسعر المبيع.

الإنتاج متدنٍّ
يعرف طوني بولس أن موسم هذا العام لم يكن جيداً، فالهواء القوي الذي ترافق مع العاصفة ألكسا، كسر الكثير من أغصان الصنوبر، والجفاف الذي سبق العاصفة، وتأخر هطول الأمطار، ساهم بتساقط "خيار الصنوبر"، بكميات كبيرة، ما يجعل إنتاج هذا العام والعام المقبل من الصنوبر، متدنياً.
يُعدّ قطاع الصنوبر ثروة طبيعية لأبناء المنطقة، فمن الاستثمار السياحي فيه وتحديداً بيت الغابة في حرج بكاسين، وصولاً إلى المشهد الطبيعي الجميل الذي أعطى هذه المنطقة خاصية منفردة يقصدها كثيرون للتجول بين أحيائها الضيقة وبيوتاتها الريفية، حيث الهواء النقي البارد يمتزج مع رائحة حطب الصنوبر الخارج من دواخين "صوبيات" المنازل، تبقى آمال أهالي بلدات سنيا والجوار معلقة على مشروع زراعي بإنشاء كسارة صنوبر تابعة لبلدية بكاسين، أملاً في التخفيف من معاناتهم مع أصحاب الكسارات الخاصة، إضافة إلى سوق يعرضون فيه إنتاجهم من دون جشع التجار في سرقة تعبهم بربح قليل.

مايا ياغي - السفير

 

 

الصنوبر يحتكره التجّار.. والمزارع يتكبّد التعب